الزمن.. ودلالات إستخدامه في اللغة الصحفية – حامد شهاب

عندما أشرت أكثر من مرة في حوارات وملتقيات صحفية لكوادر قيادات صحفية وأساتذة إعلام من جامعات عراقية مختلفة ،عن موضوعين شغلا إهتمام المهتمين بالشأن الإعلامي والصحفي ، وهما الخبر الصحفي والقصة الصحفية وموضوعة إستخدام الزمن في الصياغات الصحفية والإعلامية ، كنت أود أن ألفت أنظار رواد الصحافة ومن القيادات التي تعمل في الحقل الصحفي والإعلامي ، وفي ميدان التدريس الأكاديمي لكليات وأقسام الإعلام في الجامعات العراقية الى أهمية ودور الصحافة في تطوير اللغة العربية وكيفية إستخدام الزمن في اللغة الصحفية.
بل وعندما كنت أوضح بأن (اللغة الصحفية) هي لغة لديها (خصوصية) في إستخدامات الميدان الصحفي والإعلامي عموما ، تختلف عما يجرى من إستخدامات إعتاد عليها المختصون في اللغة العربية الكلاسيكية المستخدمة في التداول اليومي والأكاديمي والبحثي ، كنت أقصد ما أقول ، وبخاصة في موضوعة أعطيتها قدرا كبيرا من الإهتمام منذ أكثر من ثلاثة أعوام تتعلق بإستخدامات الزمن في الصحافة ووسائلها الإعلامية المختلفة وهي : الزمن في إطار تقسيم الفعل.
وكان الإستخدام الشائع لفعل الزمن مما درسناه في كل المراحل الدراسية من دروس اللغة العربية وكما هو متعارف عليه ينحصر بثلاثة أزمان للفعل هي : الفعل الماضي (past) والفعل الحاضر أو المضارع (present) وفعل الأمر (order) ، في حين أن اللغة الصحفية تستخدم الفعل الماضي بأكثر من إستخدام ودلالة ، فمرة يشير الفعل الماضي (past) الى الحاضر((present) وفي أخرى الى المستقبل (fucher).
وما ورد في القرآن الكريم من إستخدامات في بعض آيات سوره يؤكد هذه الحقيقة التي تغافل أو غفل عنها الكثير من المختصين في اللغة العربية ، وربما حتى كبار فقهائها الذين وضعوا أصول تدريس صيغ أزمنة الفعل في اللغة العربية وهي (الماضي والمضارع والأمر) طيلة عهود غابرة من الزمن.
إذ كان يطلق على (فعل الأمر) في الستينات وما قبلها : (فعل الطلب) وما يقابله بالإنكليزية (demand) ثم تم تعديله لاحقا من الجهات التربوية والتعليمية في مرحلة السبعينات وما بعدها الى (فعل الأمر) وما يقابها بالإنكليزية ( order).
فالقران الكريم إستخدم الفعل الماضي في صيغ مختلفة وكما ورد في سورة القمر : (إقتربت الساعة وإنشق القمر) بصيغة ماض تدل على المستقبل ، وقد إمتد زمنها الى أكثر من 1400 عام وما يزال إنتظارها مستمرا الى قيام الساعة ، فالفعل (إقترب) و(إنشق) هنا ماض بصيفة المستقبل أو الحدوث المستقبلي المؤكد التحقيق.
ثم إختار رب العزة مرة أخرى صيغة الماضي بصيغة (فعل التأكيد المستقبلي للتحقيق) وبخاصة في سورة الأنبياء بقوله تعالى : (إقترب للناس حسابهم) لتعيد الإستخدام نفسه للماضي بصيغة المستقبل ، ومثلها (تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب) وعشرات من ألامثلة على إستخدام زمن الفعل الماضي بصيغة المستقبل ، ومن يبحث في القران الكريم يجد إستخدامات أخرى كثيرة لفعل الماضي بصيغة المستقبل.
إكتشاف جديد لأزمنة الفعل
كان جميع المختصين باللغة العربية وقواعدها منذ عشرات السنين أو أكثر قد قسموا الفعل الى ثلاثة أقسام هي : الفعل الماضي وفعل المضارع (الحالي) وفعل الأمر ، وقد وجدت من خلال التمعن في إستخدامات الزمن للفعل ولمتطلبات إستخدامه في اللغة العربية عموما أو اللغة الصحفية على وجه التحديد أن الفعل ينقسم الى ستة أقسام هي :
الفعل الماضي / الفعل المضارع / فعل الطلب / فعل الأمر / الفعل المستقبلي / الفعل المبني للمجهول/ بالرغم من أن لدي ملاحظة بشأن تسمية الفعل المبني للمجهول ووظائفه اللغوية لأنه أحيانا يأتي بصيغة المبني للمعلوم ..
فلو قلت (كتب الواجب (بضم الكاف) أو (شرح الدرس بضم حرف الشين) وقولك / ملأ الكأس (بضم الميم) / فهو فعل مبني للمعلوم وليس للمجهول.
بل أنه حتى حين ورد بسورة يوسف في القران الكريم : (قضي الأمر الذي فيه تستفيان) (بضم القاف لكلمة قضي) ، فإن الفعل الذي يسمى بالمبني للمجهول (قضي) بضم القاف ظهر هنا وكأنه مبني للمعلوم في قضية تفسير يوسف للحلم عن (السبع العجاف) وهن سبع سنبلات خضر وآخر يابسات ، أي أن الصيغة الفعلية هنا لم تبن للمجهول وإنما صيغة للمعلوم وللفترة المستقبلية .
كما أن (فعل الطلب) يختلف عن إستخدام (فعل الأمر) أو الزجر ، فالأول فيه رجاء وتوسل أحيانا بينما الثانية (الأمر) هو صيغة قسرية بتطبيق ما يطلب منك مثل قوله تعالى :/ إقرأ بإسم ربك.. / قم أيها المدثر قم فأنذر /..
أما المدرس مثلا عندما يقول للطلبة (إقرأوا المادة حتى تفهموها..فهنا لم تظهر بصيغة الأمر بل بصيغة الطلب..وقولك لأصدقائك زورونا في البيت فإن قولك (زورونا) هو فعل طلب وليس أمر.. لكن اذا قلت أذهبوا الى البيت أو إقرأوا الكتاب فهنا جاءت بصيغة الأمر.
بين الخبر الصحفي والقصة الصحفية
والخبر الصحفي هو (حدث) يقابله في اللغة الانكليزية ربما كلمة (hapen) ، أي أن الخبر بالرغم من أنه حدث في الماضي لكن هذا الماضي قريب جدا ، بل هو وإن دخل زمن الماضي لكنه أقرب الى (المضارع المستمر) في زمنه ومفهومه كون (الحدث) وقع قبل ثواني أو دقائق، وفي رأيي أنه من الظلم والخطأ أن نحشره مع (الماضي) حتى وإن تم التعبير عنه بفعل ماض.
ولنتابع حدث (غياب) القمر فلو تابعنا مرحلة حركته قبل أن يبتعد عنا مساء للاحظنا أن الثواني الأخبرة من لحظة إبتعاده عنا وعدم قدرتنا على رؤيته فنقول : غاب القمر.. لكن (زمن الغياب) مستمر في لحظته ،وهو لم (يغب) أصلا كونه مستمرا في الحركة ،لكن الأرض حجبت رويته ، ومع هذا تعد فترة (الغياب) الأولى كونها إقترنت بصيغة زمن (الحاضر) وإن كانت بصيغة الماضي .
ونقول أيضا : طلعت الشمس.. أي أن زمن إشراقتها (الماضي) كفعل لكن (الزمن) مستمر في إشراقته ، وهي قد طلعت حتى قبل أن نرى وجهها أي منذ بداية إشعاع ضوئها ، أي أن الحركة مستمرة وهي إن قلنا (طلعت) لكن الزمن لايدخل في مرحلة (الماضي) البعيد بل الحاضر القريب حتى وإن كانت بصيغة الماضي وهكذا.
وللتدليل أكثر على أن زمن (الماضي) ظهر بصيغة (المضارع) لنتابع مطلع القصيدة التي تتغنى بالرسول الكريم محمد (ص) ، فيقول الشاعر: طلع البدر علينا من ثنايات الوداع.. وفعل (طلع) هنا وإن كان بصيغة (الماضي) كما يبدو، إلا أنه ظهر لنا الآن في زمن (المضارع المستمر) وليس بصيغته حتى يمكن أن نقول : (أن القمر طالع الآن) وهو بنفس المعنى ، وهو ما يؤكد قولنا أن وقوع الخبر ليس دائما بصيغة (الماضي) بل هو (حاضر مستمر) أي (present).. وهو مستمر الحدوث.
وأعود وأكرر أن زمن الماضي في اللغة الصحفية هو (الحاضر) present)) ، لكن لأنه وقع فقد دخل زمن (الماضي) past دون أن يكون معبرا عن (زمن) time بقدر ما يعبر عن (حالة) state أو (حدث) hapen.. وفعل المضارع يحدث happen هو الأفضل تعبيرا عن الحالة من كلمة story التي تعني القصة الصحفية..والسؤال عند وقوع أي حدث نسأل دوما : من هو (الفاعل) who ماذا حدث: What happen وأين where ومتى when وكيفhow ..الخ من الأسئلة الستة..المتعارف عليها في عالم الإعلام وقد تكون ستة أو ربما أكثر أو أقل ، وهذا يعتمد على نوع الخبر وزمنه وتشعباته.
ولنضرب مثالا على ذلك لو حدث (إنقلاب) مثلما وقع في تركيا قبل فترة ، وكانت تشهده أغلب دول المنطقة نقول : شهدت تركيا محاولة إنقلاب فاشلة بصيغة (مستعجل جدا) أو مايطلق عليه (الفلاش) ويقال عندما ننقل الخبر: شهدت تركيا (إنقلابا) ، لكن الحدث يتفاعل وهناك (مؤامرة) تستهدف إسقاط النظام في تركيا ،وهناك سيناريو للانقلاب ومنفذون.
وهو ما يؤكد أن الحدث مستمر ويتابع أولا بأول في وسائل الإعلام والإتصال (الميديا) بمختلف مسمياتها ، وهو وإن وقع لكن زمنه (الحاضر) وليس (الماضي) إلا إنه لم ينته بل إبتدأ أصلا ، ويتطلب الأمر متابعة تطوراته على عجل ترافقه مجموعة من (الحكايات) والقصص وليس قصة واحدة ، وهنا يدخل الموضوع في (إختلاق الروايات) ونسج الأقاويل ..أي أن (الخبر الصحفي) يسبق القصة أي (الحدث).
ظلم الزمن في إستخدامات لغتنا
وأود أن أضع بين أيدي المهتمين بعلوم الإعلام وكتابة الخبر الصحفي أو (الحدث الصحفي) (إكتشافا) ربما يمكن أن يكون فريدا بل غريبا من نوعه ومهما جدا..هذا (الإكتشاف) كان فيه ظلم كبير للـ (الزمن) في إستخدامات لغتنا : (الماضي، المضارع، الأمر) وربما وقعت فيه حتى بعض اللغات الأخرى والذي يبنى على أساسه الخبر.
أجل ظلم كبير (يتساوى) فيه (الزمن) بين (الثانية) و(القرن) من حيث الفترة الزمنية التي يستخدم فيها فعل (الماضي)، بين (وقع الآن إنفجار ) ، وما (حدث قبل قرن) أو (أن حريقا إندلع الآن في أحد المصارف) وفرق الاطفاء تواصل العمل لإخماد الحريق ، أو أن (فيضانا وقع منذ قرون)..
فهل يعقل أن يتساوى (الزمن) في كلتا الحالتين..؟ والجواب هو أنه لايمكن أن يعقل أن يكون (الماضي) يتسع زمنه لـ (مائة عام) ، حين يتساوى مع (ثانية) مضت برمشة عين، وأرى أن تكون تسمية الفعل الماضي القريب جدا بـ (فعل الحاضر) ، حتى وإن لم يكن بصيغة (المضارع) على شاكلة (يحدث، يقع ، يكتب)، وقد يسمى (فعل الآن) لكن (فعل الحاضر) هو الأقرب في الصحافة وليس قبل دقائق او أيام أو سنين!!
وفي إعتقادي المتواضع أن (الخبر) في أول لحظات وقوعه يسمى (خبرا) وبعد أن تتفاعل أحداثه يمكن أن يسمى (حدثا) ، وبعد ذلك تأتي مرحلة (التأثيرات الناجمة عن الخبر)، أي أن الخبر يمر بمراحل ثلاث (خبر – حدث ــ تفاعلات) لهذا تبقى كلمة (news) أو (hapen) هي الأقرب للتعبير عن حالة وقوع الخبر الحالية بالتو ، كما أن الخبر لا يقترب من كلمة (story) المتعارف عليها في الإعلام الغربي بينما تمنح كلمة (hapen ) إستمرارية لوقوع الحدث وكأنه (مضارع مستمر) ، لكن يتم تناقل أحداثه بصيغة (الماضي) القريب جدا ، وهو يقترب من مفاهيم وتطورات الخبر (أحْداث ؛ حَوَادِث ؛ مَجْرَيَات ؛ وَقَائِع ؛ وُقُوعات) كما يصطلح عليه في قاموس المعاني الدارج وربما بعد مضي (24) ساعة على الحدث يدخل مرحلة (الماضي)..
أي أن صيغة (المضارع المستمر) تبقى ملازمة لتفاعلات الخبر حتى نهاية اليوم على أقل تقدير ، لكي نثبت بالدليل القاطع أن صيغة (الماضي) ومنها (وقع ، حدث ، شهدت، رحل ، توقع) وغيرها من أفعال الماضي التي تلازم بداية أي خبر يدخل زمنها هنا في (المضارع المستمر) أو (الماضي الحاضر) حتى وإن كانت بصيغة (الماضي) ، لأن الدلالة اللغوية ربما (تظلم) الخبر إن حسبته على الماضي كزمن..
فاللحظة التي أعقبت الخبر لايمكن أن تدخل في مرحلة (الماضي) كونها ما زالت (تتفاعل) وأحداثها في (تعاقب) زمني مستمر ، وما أن تمضي فترة يوم واحد على الأقل حتى يمكن أن نعدها قد دخلت في مرحلة الماضي.
حقيقة القصة الصحفية
كما أن هناك خطأ شاع إستخدامه في الصحافة لسنوات بشأن ما يطلق عليه في الصحافة المعاصرة بـ (القصة الصحفية) يطلق على مفهوم جرى إعتماده كثيرا في الصحافة وهو (الخبر الصحفي)، بالرغم من أن (الخبر) عموما يقترب كثيرا من كلمة (news)، لكن الصياغة الخبرية ليس بالضرورة أن تعبر عنها كلمة (story) بالانكليزية التي تعني (القصة الخبرية).
وتردد إستخدام (القصة الصحفية) كثيرا في الأونة الأخيرة على أسماع طلبة كليات وأقسام الإعلام ، على أساس أن ما يقابل كلمة الخبر هو (القصة الصحفية) وبالانكليزية هي (story) ، كما حاول أغلب المهتمين بشرح وتوضيح علوم الإعلام ومنها الخبر الصحفي إطلاق تسمية من هذا النوع على الخبر الصحفي ، مخالفين حتى نظرية (الهرم المقلوب) التي يعتمدها البناء الصحفي في حين تعتمد القصص والروايات نظرية (الهرم الإعتيادي).
وسأوضح للمهتمين بعلوم الإعلام ولطلبة وأساتذة الإعلام التفريق بين معاني ودلالات هذا المفهوم وهو أن (الخبر الصحفي) لا يعني (قصة صحفية) بل هو يتمثل في (حدث) وقع في (زمن) و(مكان) محددين ، ونجم عنه (تأثيرات) قد تكون (سلبية) أو(إيجابية) بفعل فاعل ، ومبدأ صياغة الخبر يختلف عن مفهوم البناء القصصي ، إن لم يكن (متناقضا) معه تماما، بل أن أدبيات الإعلام ومؤلفات أساتذة مختصين في علوم الإعلام والصحافة منذ الأربعينات تتحدث عن (الخبر الصحفي) وليس عن (قصة خبرية) يتم تداولها الآن على نطاق واسع.
ومثال على ذلك (إنفجار عبوة ناسفة في أحد شوارع بغداد صباح اليوم نجم عنه خسائر بشرية لم تعرف بعد).. أي ان الحدث هو (انفجار العبوة).. وأين في أحد مناطق شرقي بغداد ، ومتى (صباح اليوم)..فهو بهذه الصياغة (خبرا) وليس قصة صحفية.
وقد تدخل صياغات من هذا النوع في (التقارير الإخبارية) أو ما يسمى بـ (المتابعات الصحفية) ، ومع ذلك تبقى تحافظ على سياقات إعداد الخبر (مقدمة- تفاصيل- خاتمة) بطريقة موسعة أي أن (التقرير الصحفي) هو (خبر موسع) لكن صياغاته في كل الأحوال تحافظ على نظرية (الهرم المقلوب) .
والبناء القصصي أو مايطلق عليه الآن بـ (القصة الخبرية) يقوم أصلا على مبدأ (الهرم الإعتيادي) ، بينما (الخبر) يقوم على مبدأ (الهرم المقلوب) أي (مقدمة، تفاصيل، خاتمة) بينما تعتمد (القصة الخبرية)،إن صحت تسميتها هكذا، على السرد النسقي الهاديء للأحداث ولا يتطلب الأمر السرعة في تناقلها للاخبار.
وهنا قد تعد (القصة الخبرية) أو البناء القصصي وفق صياغة لغوية تدخل فيها المشاعر والأحاسيس والتصورات والعقائد الفكرية والمصالح مع بعض الحقائق على طريقة (كلمة حق أريد بها باطل)، لبناء سيناريو لقصة تسرد أحداثا وقعت في الماضي في الأغلب، بعضها يمتلك جزءا من الحقيقة ،لكن بقية المضامين هي مجرد (تخيلات) أو قصص كما يقال من (نسج الخيال) وفي بعضها لا وجود لها على أرض الواقع أو جرى (فبركة) أحداث بين سطورها مثلما هي في (الرواية) التي يدخل فيها عامل (الفبركة) و (الإختلاق) عبر (تصورات خيالية) او لنقل يأخذ (الخيال) جانبا منها يحاول فيها كاتب القصة أو الرواية (إستدراج) المتابع للدخول في قصته كونه لايعرف تسلسل أحداثها ومتى وكيف تنتهي .
أما صياغة الخبر فتعتمد أصلا على نظرية (الهرم المقلوب) وهي عملية (الإخبار) عن حدث سريع في زمن متواصل الأحداث تستخدم فيه (الإثارة) الى أقصاها في مقدمة الخبر لأغراض لفت الأنظار في المقام الأول ويعتمد على (المعلومة الأهم) وهي وقوع الحدث ثم يدخل في مراحل لاحقة في متابعة (المهم) من عمليات سرد تطورات الحدث ، وبعدها تأتي الخاتمة أو (نهاية الخبر) و(التوقعات) لحين فترة وقوعه..
أي أن الخبر يبدأ بالأهم وهو حادث قتل مسؤول كبير أو إنفجار مثلا سواء عبر (عبوة ناسفة) أو (سيارة ملغومة) أو (إنتحاري) ومن ثم تبدأ بالمهم وبعدها تنتقل الى الأشياء الأخرى الاقل أهمية ، وهي بذلك تجيب بين ثناياها على الأسئلة الستة (ماذا ؟ ومَنْ ؟ ومتى ؟ وأين ؟ وكيف ؟ ولماذا ؟) التي تعارف الصحفيون على وضعها كشروط لضمان وجود (خبر صحفي) وهو ليس موضوعنا، لكن (القصة الصحفية) تبدأ (عكس) بناء الخبر الصحفي تماما وفق نظرية (الهرم الاعتيادي) أي تبدأ بسرد وقائع حدثت في الماضي البعيد.
وهنا هي ليست ملزمة بالإجابة عن (الأسئلة الستة) كاملة ضمن درجات أهمية وقوع الخبر كونها ستذكره بين ثنايا عشرات أو مئآت الفقرات لكي يتم معرفة تفاصيل القصة ، بينما (الخبر) يوضح لك منذ البداية أن حدثا ما قد وقع : (إنفجار) ، (قتل) ،(حادث حريق) ، أو (انقلاب) ، في زمن (كذا) وملايين الناس متلهفة لرؤية نهاية الحدث وتسلسل أحداثه..
أما من يتابع (القصة) فهم فرد أو أفراد وربما لايعدون على أصابع اليد الواحدة والقصة يحاول فيها كاتبها أن ينسج من خياله أكثر مما يكتب عن وقائع حقيقية في حين يكون الخبر وفق أحداث وقعت والمتابع يريد أن يعرف تسلسلها المنطقي ومن قام بالحدث وما أسفر عنه وتأثيراته على صعيد البلد وربما المحيط الإقليمي ، في حين لايمكن متابعة قصة من قبل مجتمع في آن واحد اللهم الا عبر (مسلسل) على شاكلة المسلسلات التركية الدارجة هذه الايام.
والسبب وراء تسمية الخبر بأنه (قصة خبرية) هو لأن أغلب العاملين في الحقل الإعلامي ومن المسؤولين عن أجهزته هم من الوسط الأدبي وليس الإعلامي ، وقد كانت لهم الغلبة في السيطرة على مقدرات العمل الصحفي لعقود طويلة وهم يحاولون نقل تجاربهم الأدبية الى العمل الصحفي ، وهم من ينقلون مصطلحاته الى الوسط الصحفي لأن (الخبر الصحفي) حالة تختلف كليا في البناء والتدرج ونسج معلومات الحدث.
بل أن الخبر الصحفي هو تعبير حديث بينما الأدب مر بأزمان وعصور كثيرة تتجاوز قرون موغلة في التاريخ ،حتى أن الشاعر كان الناطق بإسم القبيلة وهو من ينقل أخبارها.
والخبر لم يكن يتطلب السرعة وأدوات تناقله بطيئة جدا وتأثيراته لم تكن كما هي عليه الآن ، ولم يسمع من قبل أو يتعارف أحد على (بناء صحفي) لـ (حدث) كما هو الشائع الآن في الصياغة الصحفية في ظل تسارع وسائل الإتصال وقدرتها الفائقة على نقل الحدث لحظة وقوعه وتحول العالم الى ما يشبه (قرية صغيرة) كما يقال.
وأزيد على ذلك بالقول أن البناء الصحفي لوقائع الخبر وإن كان يعتمد (المقدمة) و(التفاصيل) و(الخاتمة) في الصياغة الخبرية التي تعارفنا عليها في نظريات إعداد الخبر لكن مقدمة الخبر تبدأ من حيث إنتهى الخبر ومن ثم بقية التفاصيل بينما لاتخبرك القصة عن مصير الحدث إلا في آخره ، وربما تحتاج الى ساعات أو أيام لكي تكتشف ما آلت اليه القصة من أحداث وما مصير أبطالها وتسلسل أحداثها ، أما الخبر فيعطيك (الحدث) أولا بأول وفي كل مرة تعاد صياغته وتدخل اليه (تفاصيل) جديدة..
فالخبر ليس (قصة) كما يشاع بل (حدثا) قد يعقبه مجموعة أحداث وقد تقوم جماعة معينة بحالة إعتداء على جماعة او منطقة أخرى إنطلاقا من ردة الفعل الشائعة هذه الأيام، لهذا يقع الحدث بالتتابع وما أن تنتهي وقائعه بعد ساعات أو أيام فقد يدخل (البناء القصصي) في تتابع أحداث من هذا النوع عبر بناء أدبي إسطوري يدخل الخيال أو لنقل يتدخل (الخيال) كثيرا في بنائه بينما لايكون مجال (الخيال) واسعا في الخبر أو الحدث الصحفي كونه يتحدث عن (وقائع) لاتقبل التأويل في أغلب الاحيان.
بل ربما يتم إكتشاف تسلسل أحداثها بعد أقل من ساعة او ساعات قليلة وينتهي زمنها لكن القصة ربما تسرد (حالة انقلاب) وقعت قبل أشهر ، بينما لايكون بمقدور خبر صحفي أن يخبرك عن حدث وقع قبل أشهر إلا عندما يذكر (خلفية) للخبر يذكرك فيها بتسلسل أحداثه وكيف وقعت.
وهناك ضمن دائرة الأخبار ما يمكن ان نطلق عليه تسمية (الخبر المستقبلي) ، وهو لايدخل في دائرة (الماضي) كزمن وقوع مثلما نقول : (من المقرر أن يكون هناك إجتماع لمجلس النواب خلال يومين او ندوة تقام في غضون إسبوعين أو إجتماع مهم يعقد الشهر المقبل أو حتى العام المقبل ، فالخبر ليس دائما بصيغة (الماضي) أو (الحاضر) ، بل قد يعبر عن حالة (المستقبل) ، وهو أقرب في كل الأحوال من لغة (المضارع المستمر) من أن يكون بصيغة (الماضي) ..
و(القصة) أصلا هي من تدخل في دائرة الماضي وتسرد أحداثا وقعت قبل سنوات أو عشرات أو مئات السنين وليس الخبر ، ولهذا يطلق مصطلح (القصة الصحفية) على (الخبر) جزافا لكي يقال أن هذه (قصة صحفية بصيغة خبر) دون أن تكون التسمية معبرة عن فعلها وعن حدثها بالوصف الذي يمكن أن توصف مراحل الخبر ومتابعة تطورات أحداثه بالوصف الدقيق.
دلالات الزمن النحوي والصرفي
يؤكد الدكتور عارف الدين في كتابه / دلالات السياق على معاني الزمن النحوي / أنه” يمكن القول إن للفعلين الماضي والمضارع زمنين : زمن صرفي وزمن نحوي”.
ويشير الى ” أن الزمن الصرفي هو الزمن الماضي للفعل الماضي والزمن الحاضر أو المستقبل للفعل المضارع مثلا ذهب يذهب ..فهب فعل ماضي ويذهب فعل مضارع يكون بصيغة الحاضر أو المستقبل.
أما الزمن النحوي لكلا الفعلين من وجهة نظره ” فقد يكون الماضي والحاضر والمستقبل في سياق يتوافق فيه صيغته بالزمن الماضي أو الحاضر أو المستقبل في توفق مع الدلالة الصرفية أو التركيبية وقد لا تتوفق كلتا الحلتين ، فقد دل السياق على الزمن الماضي للفعل المضارع وعلى الزمن الحاضر أو المستقبل للفعل الماضي “.
إستخدامات الغرب للقصة الصحفية
وفي الغرب يستخدم محررو الأخبار صيغا صحفية تختلف تماما عما هو متعارف عليه في البناء الخبري لمتابعة حدث ما ، فالصحفي الغربي لايهتم كثيرا بالحفاظ على ثوابت إعداد خبره او تقريره الخبري على نمط ما نعده من أخبار في صحافتنا ، وهناك يتدخل المحرر كثيرا في سرد تفاصيل عن واقعة الخبر تتعلق بماضي الخبر ومن أرشيفه في مقدمته التي يستعرض بها متعلقات الخبر ثم يبدأ بسرد تفاصيل وقائع عن الحدث المطلوب لايعتمد إسلوب (مقدمة – تفاصيل – خاتمة) بالطريقة الكلاسيكية المتعارف عليها في صياغة الخبر على صعيد العراق وحتى على صعيد عربي وإقليمي ،بل بصيغة مختلفة تماما يتبعها المراسلون الغربيون منذ سنوات طويلة ،وهي أن تدخل تفاصيل (معلومات) إضافية و(يحشر) بين ثناياها مايود (تعبيره) من (رسائل) أو (مضامين تسريب) بين ثنايا عرضه الصحفي ،وهم يحاولون وصف طريقة كتابتهم بالقصة الصحفية، كونها لا تتعلق بصياغة خبر ولكن بصيغة (تقرير صحفي) يتناول فيه أطرافا كثيرة وربما يدخل (معلومات مضللة) بين أخرى حقيقية ليخدم توجهات (جهة) ما كلفته بإعداد تقريره وفقا للهدف المطلوب إثارة الرأي العام أو لجهة الإستهداف السياسي.. أما أن يسرد وقائع خبر فهو لايدخل في جانب (القصة الصحفية) بل ينقل (وقائع أحداث) خبرية سريعة ومن ثم تدخل (إعتبارات الإعداد) ضمن تقريره الصحفي بما يخدم توجهات الجهة الصحفية التي كلفته ويعبر عن توجهاتها وما تأمله من بث (فبركات) بين ثنايا تقريره تعتمد أحيانا على (معلومات) سابقة وأحيانا
يدخل (التضليل) في جانب كبير من الصياغة اللغوية.. بل أن المتعارف عليه أن مايعادل (30) % على الأقل من عمليات إعداد التقارير الخبرية على صعيد عالمي تعتمد (التضليل) و(الاختلاق) و(الفبركة) وسيلة لها لضمان إنتشار أخبارها التي أرادت (تسويقها) الى من يدخل ساحة عملها كنشاط (دعائي) وليس (إخباري)..
الجدل بشأن إستخدام الزمن في الخبر الصحفي
وقد أثار موضوعي الذي أشرت اليه آنفا عن موضوعة إستخدام (الزمن الماضي) في دلالة صياغة الخبر بالرغم من أن (الحدث) يقع في مرحلة (الحاضر) ، آراء الكثير من الأساتذة والمختصين في علوم الإعلام واللغة العربية.
بل أن وجهات النظر كانت تختلف فيما بينهم بشأن إستخدام زمن (الماضي) في فعل الخبر وإشارة آخرين ، ومنهم كاتب هذه السطور، الى عدم دلالته على (كينونة الحدث) في فتراته الزمنية، وإن فعل (الماضي) الذي يستخدم عند بداية كل خبر لايعني زمنه (الماضي) في كل الأحوال ، فقد يأتي بصيغة (الحاضر) مثلما قد يكون في دائرة الإهتمام بـ(المستقبل) .
لكن للكاتب والروائي أمجد توفيق رأي آخر (مختلف) تماما لكل تلك الطروحات، إذ عد وجود (الزمن الحاضر) بمثابة (أكذوبة) وإنه أي (الحاضر) أقصر الفترات الزمنية في عمر البشر ،إن لم يصل به الأمر الى حد (إنكار) الحاضر كليا ،حتى أن (المستقبل) نفسه من وجهة نظره (غامض) وغير معروف ، ما سيؤول اليه حال البشر والتنبؤات فيه لاترتقي الى حجم التطلعات والآمال، ولكونه (مجهولا) فأن لازمن له ، وما أن (يحدث) حتى يدخل في مرحلة الماضي سواء القريب أم البعيد.
ويبرر الكاتب والروائي أمجد توفيق ذلك بأن (الماضي) يبدأ مع (اللحظة) التي تنتهي فيها فترة وقوع الحدث أو الواقعة سواء كانت قبل ثانية او قبل دقيقة او حتى قبل قرن وهو يريد إيصالنا الى قناعة أن كل ما يمر بحياة الانسان يحتسب على الماضي ، وإن (الحاضر)
لاوجود له في قاموس البشر مادامت تدخل في فترة الماضي من أول لحظة مغادرتنا للحدث او الواقعة وهي الفترة الأطول في التاريخ ، مخالفا بذلك آراء ووجهات نظر ما تزال تنظر الى إن الحاضر فترة زمنية لايستهان بها ، وهو بالرغم من أنه يشير الى أن (إشكالية الزمن) موجودة في كل اللغات وهناك آراء تختلف بشأن النظرة الى الزمن إلا إنه يصر على أن (الحاضر) لاوجود له إن لم يصف ذلك الوجود بأنه (أكذوبة).
الكاتب والصحفي الزميل العزيز والمترجم القدير عبد الحسين صنكور كان له وجهة نظر أكثر عمقا لتقسيمات الزمن وفهم مدلولاته ، بالقول : الخبر هو نوع من السرد بقوانينه وتقنياته . وعنصر الزمن time عنصر أساس من عناصر السردnarrative ، ويظل خاصية مشتركة بين أجناس أدبية وصحفية .. أظن علينا أن نتذكر فقط كيف كان محررو الأخبار في الصحف العراقية يغيرون كلمة (اليوم) إلى(أمس) في الأخبار الواردة من وكالة الأنباء العراقية قبل نشرها في صحفهم…
وإستعرض زميلنا عبد الحسين صنكور تلك الإشكالية بالقول : للزمن مفهومان أحدهما فلسفي والآخر واقعي فيما يتعلق بالسرد ، لذا حاول الأستاذ الدكتور عبد الملك مرتاض في كتابه المهم عن نظرية الرواية :(بحث في تقنيات السرد) تصنيف الزمن الى خمسة أنواع..أولها الزمن المتواصل..وهو الزمن الذي يمضي متواصلا دون إمكانية إفلاته من سلطان التوقف..وثانيهما الزمن المتعاقب..وهو الزمن الدائري لا الطولي ولعله يدور حول نفسه ، وثالثهما الزمن المنقطع أو المتشظي ، وهو الزمن الذي يتمخض لحين معين أو حدث معين ، حتى إذا انتهى إلى غايته إنقطع ولم يتوقف ورابعها الزمن الغائب..وهو الزمن المتصل بأطوار الناس حين ينامون أو يقعون في غيبوبة ، وقبل تكون الوعي بالزمن عند الفرد . وخامسها الزمن الذاتي أو النفسي..فالمدة الزمنية من حيث هي كينونة موضوعية لا تساوي الا نفسها..ولكن الذات تحول العادي إلى غير عادي والقصير الى طويل أو تحويل الزمن الطويل إلى قصير في لحظات السعادة أو الانتحار.
زميلنا الاعلامي الدكتور خالد مبرك الغانجي من تونس كان قد أشار ضمن تعليقه على موضوعنا المثار الى أن اللغة الفرنسية كانت قد حلت بعض (إشكالات) من هذا النوع بأن قسمت الفعل الماضي الى ثلاث مراحل (البعيد والقريب والمتوسط) ، لكن اللغة العربية إهتمت بالمنمنات والتزويقات اللفظية أكثر من إهتمامها بالتعبير عن الفترات الزمنية لحالات وقوع الحدث.
البعض من الأكاديميين في الشأن الإعلامي ومنهم الدكتور أكرم الربيعي الأستاذ بقسم الإعلام في جامعة المستقبل يرى أن الخبر مثل (سلعة) ينتهي مفعولها لحظة شرائها أو اقتنائها وقد يصح إستخدام كلمة (سلعة) من وجهة نظري على طريقة (عرض الخبر) من حيث (الإثارة) و(الترويج) للسلعة، ولكن ليس على طريقة تفاعله الزمني لأن (الكاشان الإيراني) هو (سلعة) كذلك ، لكنه ما إن تمر عليه فترة طويلة حتى يزداد بريقا ويرتفع ثمنه ، وليس كل ما صنع في الماضي هو (ماض) مادام معروضا في الحاضر ويجد الإقبال عليه من كثيرين.
الماضي ودلالته الزمنية :
الفعل الماضي ما دل وقوع الحدث قبل زمـن المـتكلم، وهـو مبـني دائمـاً، حيـث يبـنى علـى الفـتح إذا لم يتصـل بـه شـيء أو اتصلت به تاء التأنيث أو ألف الاثنين، ويبنى على الضم إذا اتصلت بـه واو الجماعـة، ويبـنى علـى السـكون إذا اتصـلت بـه ضـمير (من ضمائر الرفع المتحركة).
” فهـو يفيـد وقـوع الحـدث أو حدوثـه مطلقـا، فهـو يـدل علـى التحقيـق، لانقطـاع الـزمن في الحـال؛ (لأنه دل على حدوث شيء قبل زمن التكلم، نحو قام، جلس، قرأ”).
إن صـيغة الفعـل الماضـي قـد وضـعت أصـلا في اللغـة العربيـة للدلالـة علـى الـزمن الماضـي، ولهـذا جـاءت في أغلـب اسـتعمالاتها للدلالة على الزمن الماضي، مطابقة مع أصل وضعها، إلا إنها قد تدل علـى غـير الماضـي ، كالحـال والاسـتقبال … وهـذه الدلالـة المحولة أو الطارئـة علـى صـيغة الماضـي، ليسـت دلالـة الصـيغة الصـرفية الإفراديـة، وإنمـا هـي نتيجـة ورود صـيغة الماضـي مـع غيرهـا في تراكيب لغوية معينة، اتفق النحاة على صلاحية دلالتها على الحال أو الاستقبال لما تحدثـه القـرائن والأفعـال المسـاعدة علـى تعيـين (الجهة الزمنية المقصود التعبير عنها من طرف المـتكلم).
فالفعـل الماضـي يـدل علـى وقـوع الحـدث في الماضـي ، إلا أن هـذه الدلالـة ليســت هــي الوحيــدة فقــد يكتســب الفعــل الماضــي دلالات زمنيــة إضــافية ، وذلــك إذا اقــترن بــبعض القــرائن، وقــد تنبــه إلى هــذه الدلالات الإضافية العلماء القدماء والمحدثين على السواء، فقد أشار أبو حيان الأندلسي ( 740هـ) إلى معرفة علماء العربية القدماء بتفرعات الزمن الماضي بقولـه ” إختلـف عبـارة أصـحابنا بعضـهم يقـول (لمـا) لنفـي الماضـي
المتصـل بزمـان الحـال، وبعضـهم ( يقـول لنفـي الماضـي القريـب)”. غـير أن بعـض علمـاء العربيـة المحـدثين كـان لهـم الفضـل في زيـادة تقسـيم أزمنـة الماضـي علـى مـاعهدها المتقدمون ، مثل ما قام به تمام حسان الذي وضع جدولا لأزمنـة الفعـل الماضـي علـى وفـق جهـات تسـع اعتمـادا علـى مـا يكتنفها من مقيدات فعلية وحرفية، فهو بذلك نظر للفعل نظرة تركيبية لا تجريدية. فقسمه إلى الأزمنة التالية:
1 -البعيد المنقطع نحو: لقد كان فعل.
2- القريب المنقطع نحو: إنه
3- المتجدد نحو: لقد كان يفعل.
4- المنتهي بالحاضر نحو: لقد فعل.
5- المتصل بالحاضر نحو: إنه ما زال يفعل.
6- المستمر نحو: لقد ظل يفعل.
7- البسيط نحو: إنه فعل.
8 -المقارب نحو: لقد كاد يفعل.
9- الشروعي نحو: لقد طفق يفعل.
وبناء عليـه سـنحاول أن نـدرس بعـض أنـواع الـدلالات الزمنيـة المكتسـبة مـن الجملـة المسـندة إلى صـيغة الماضـي الثلاثـي وغـير الثلاثي، سواء أكان في الصيغة المفردة أم المركبة، ومن هذه الدلالات الزمنية:
1 -أن دلالة الماضي على وقوع الحدث وتمامه قبل زمن التكلم هي الأصل..نحو: مات محمد، ومضى زيدٌ، ومما ورد من هذا القبيل في سورة الشعراء قوله تعالى: ﴿وفعلت فعلتك الَّتِي فـعَلتَ وأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾ يدل على ارتكاب فعل محرم” (وهي قتل موسى القبطي” في زمن مضى لايعرف مدى قربه أو بعده من زمن التكلم. ولكن دون ضبط وتعيين لهذا الزمن.
2 -أن يأتي بناء ( فـعَلَ ) للدلالة على أن الحدث وقع في زمن ماض نتيجة لأحداث أخرى ، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فـَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.
فالفعل “خلقنا” والفعل “كسونا” جاءا على بناء (فـعَل) وفيهما دلالة على أن فعل الإكساء إنما حدث نتيجة لفعل الخلق، أي إن نتيجة حدث الإكساء ناجمة عن مقدمة حدث الخلق.
3 -قد يرد بناء ( فـعَلَ ) كثيراً في سـرد أحـداث ماضـية في أسـاليب القصـص، وغالبـا مـا يعـبر هـذا البنـاء عـن مرحلـة زمنيـة تنتهـي لتبـدأ مرحلـة أخـرى، وممـا ورد منـه قولـه تعـالى: ﴿وَجَـاءتْ سَـيَّارَةٌ فَأَرْسَـلُوا وَارِدَهُ فَـأَدْلَى دَلْـوَهُ قَـالَ يَـا بُشْـرَى هَـذَا غُـلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يـَعْمَلُونَ ﴾.
4 -قـد تتحـول دلالـة صـيغة الماضـي مـن الدلالـة علـى الـزمن الماضـي إلى الدلالـة علـى الـزمن الحاضـر، حيـث يـرى ابـن مالـك أن الماضي ينصرف إلى الحال بالإنشاء…كإيقاع التزويج بزوجـت، والتطليـق بطلقـت، والبيـع ببعـت وإشـتريت. فهـذه الأفعـال وأمثالهـا..
ومثـال ذلـك قولـه تعـالى: ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْـتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَ اْآمَنَّـا وَأشْـهَدْ بِأَنـَّنَـا مُسْـلِمُونَ ﴾.
فصـيغة الماضـي في قولـه ” آمنـا” تـدل علـى الـزمن الحاضر في ضوء سياق الآية، وفي قولهم إعلان عن إيمان وإقرارهم به.
5 -ومن دلالات (فـَعلَ ) أنها تفيد أن الحدث كان قد أنجز واستمر على هذه الحال حتى زمن التكلم نحو قوله تعالى: (وَجَاءوا أَبَاهُمْ عِشَاء يـَبْكُونَ﴾ فالفعل(جَاءوا) يفيد معنى الإنجاز والاستمرارية حتى اللحظة التي كلم فيها أبناء يعقوب أباهم عليه السلام زاعمين أن يوسف عليه السلام كان قد قضى بأنياب الذئب، وما يعضد هذا الرأي وجود الظرف (عشَاء المعرب عن زمان محدد، والهيئة ﴿يـبْكُونَ ﴾ المفيدة لاستمرار حدوث فعل البكاء مدة من الزمان.
6 -وقد يستعمل الماضي دالا على زمنين متتابعين كما في جملتين يقع فيهما حدثان في الماضي بحيث يبـدأ الثـاني في اللحظـة الـتي يتم فيها الأول، نحـو قولـه تعـالى: ﴿ ولَمَّـا سَكت عن مُّوسَـى الْغَضَـبُ أَخَـذَ الأْلْـوَاحَ وَفِـي نُسْـخَتِهَا هُـدًى وَرَحْمَـةٌ لِّلَّـذِينَ هُـم لِرَبِّهِمْ يـَوهبُونَ ﴾ .
الواضح مـن سـياق الآيـة الكريمـة ومـا قبلهـا مـن آيـات كريمـات أن أخـذ النـبي موسـى عليـه السـلام للألـواح حـدث بعـد أن ألقـى موسى أول مـرة مـدفوعا بسـورة الغضـب، أي إنـه “أخـذها ” بعـد أن اسـترجع طبيعتـه الهادئـة و”سـكت ” عنـه (الغضب الناجم عن فعل السامري وموقف النبي هارون عليه السلام).
7 -وقد يستعمل الماضي للدلالة على الحال لقربه منه، أي أنه يدل على وقوع الكلام قبل وقوع الحدث بمدة قصيرة، وذلك بعد (قد) التي تقربه من الزمن الحالي، وهذا ما ذكره ابن هشام في معرض حديثه عن معاني ” قد” حيث يقـول: ” تقريـب الماضـي مـن(الحال، تقول ” قام زيد”، فيحتمل الماضي القريب والماضي البعيد؛ فإن قلت ” قد قام”، اختص بالقريب”.
وقد ورد منـه قولـه قَاتِـلْ فِـي سَـبِيلِ اللَّـهِ قَـالَ أَلَمْ تـرَ إِلَى الْمَلإَ من بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بـَعدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابـْعَـثْ لَنَـا مَلِكًـا نـُقَاتِـلَ فِـي سَـبِيلِ اللَّـهِ وَقَـدْ أُخْرِجْنَـاكم من دِيَارِنَـا وَأَبـْنَائِنَـا فلما كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تـُقَاتِلُوا فـَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تـَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِّنـْهُمْ وَاللَّهُ عَلِـيمٌ بِالظَّـالِمِينَ).
8 -وقد تأتي صيغة الماضي في أسلوب الدعاء بالخير وغيره للإشارة إلى الحاضر والمستقبل نحو قوله تعـالى: ﴿عَفَا اللَّـهُ عَنـكَ لِـمَا أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يـَتَبـَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتـَعْلمَ الْكَاذِبِينَ﴾. فالفعل: ﴿عَفَا﴾ فيه معنى الزمن الحاضر مشيرا إلى حدث وقع في الماضي.
9 -وقد تتحول صيغة الماضي لترد دالة على المستقبل، فاللغة العربية ” تفوق اللغات الحية في استعمال الماضي لأغراض أخرى، وفي مقدمة هذه الأغراض أن الماضي يستعمل لما سيقع في المستقبل؛ أي أنه يحل محل المضارع إذا دل السياق على ذلك ، (وذلك في مثل قوله تعالى: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الأْرْضُ زِلْزَالَهَا) (وَأَخْرَجَتِ الأْرْضُ أَثـْقَالَها﴾..
أفاد الفعل (زُلْزِلَتِ )و(أخرجت) ومعنى الزمن المستقبل ذلك أن زلزلة الأرض بالنحو الذي أشارت إليه الآية الكريمة معدود في ضمن علامات الساعة التي لم تقم بعد ، ويدل الفعل الماضي علة الاستقبال أيضا. إذا اقترن بـ”ما” المصدرية الظرفية ومنه قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فيهِمْ فـَلَمَّا تـَوَفـَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْ شَهِيد﴾.
فصيغة الماضي في ” مادمت” تدل على المضي بعد ما المصدرية الظرفية والتقدير” مدة دوامي حيا. أو ورد الماضي في سياق حكاية حال آتية منه قولها تعالى:﴿ إِنَّا فـَتَحْنَا لَكَ فـَتْحًا مُّبِينًا﴾ فصيغة الماضي ” فتحنا” تدل على المستقبل بالنسبة لوقت نزول الأية الكريمة . فالفعل الماضي إذا ورد بعد (كلما وحيث) يدل على الاستقبال.
المضارع ودلالته الزمنية :
الفعل المضارع هو ما دل على معنى في نفسـه مقـترن بـزمن يحتمـل الحـال أو الاسـتقبال، وقـد سمـي مضـارعا؛ لأنـه يضـارع اسـم الفاعـل؛ أي يسـاويه في عـدد الحـروف وعـدد الحركـات،وعـدد السـكنات، مثـل يـذهب وذاهـب، يحكـم وحـاكم…والفعـل المضارع مرفوع إذا لم يسبقه ناصب ولا جازم، مثل قال تعـالى: ﴿ يَـوْمَ نـَقُـولُ لِجَهـنَّمَ هَـلِ امْـتَلأَتِ وَتـَقُـولُ هَـلْ مِـن مَّزِيـدٍ ﴾.
إذن فالفعـل المضـارع هو الذي يدل على حدث يجري في الزمن الحالي أو في المستقبل، وهو يبدأ دائما بأحد أحرف المضـارعة، وهـي مجموعـة في قـولهم: ” أنيت” والفعل المضارع مرفوع دائما لهذا فهو معرب، ويبنى فقط إذا اتصلت به نون النسوة أو نونا التوكيد الثقيلة والخفيفة. إلا أن للفعل المضارع كما للفعل الماضي تنوعات في دلالته على الزمن تنصرف بقرائن تركيبية إلى أزمنة غير التي وضع لها الفعل، وهي دلالته على الحال والاستقبال. وسنحاول عرض بعض هذه الدلالات في القرآن الكريم.
1 -ذكرنا سابقا أن للمضارع دلالات متعددة منها ما هو للحال، ومنها ما هو للمستقبل، ويترجح في المضارع الحال “إذا كان مجرداً ، لأنه لما كان لكل من الماضي والمستقبل صيغة تخصه، لم يكن للحال صيغة تخصه، جعلت دلالته على الحال راجحة عند تجرده من القرائن جبراً لما فاته من الاختصاص بصيغة. وعلله الفارسي بأنه إذا كان اللفظ صالحاً للأقرب والأبعد، فالأقرب (أحق به، والحال أقرب من المستقبل)”.
وهذا ما أكده السيوطي بقوله:” دلالته على الحال راجحة عند تجرده من القرائن…” (ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّا كُنَّا نـَقْعُدُ مِنـْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فمَن يَسْتَمِعِ الآْنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا ﴾
فالفعل”يستمع” قد ساوقت دلالته على الحال وجود لفظة “الآن” فمن يروم أن يسترق السمع اليوم يجد له شهابا مرصدا له ، لا يتخطاه ولا يتعداه ، بل يمحقه ويهلكه .
2 -وقد جاء فعل الحال بلفظ المستقبل، فقـال الزجـاجي: “ففعـل الحـال في الحقيقيـة مسـتقبل، لأنـه يكـون أولاً، فكـل جـزء خـرج منـه إلى الوجـود صـار في حيـز المضـي، فلهـذه العلـة جـاء فعـل الحـال بلفـظ المسـتقبل”.
3 -ومـن دلالاتـه أيضـا الــزمن الحـالي المسـتمر ويمكـن أن نعــبر عنهـا بالدلالـة التجدّديـة، نجــدها تتجلـى في قولـه تعـالى في ســورة “ص”:﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ والإْشْـرَاقِ”.فقـد عـبرّ القـرآن بصـيغة المضـارع (يسـبحن)، فنجـد أنّ إيثـارالقرآن لصيغة المضارع في تعبيره جاء لإثبات التسبيح المتجدّد للجبال المستمر فهو يقع ويبقـى مسـتمرا وواقعـا، وقـال الشـوكاني: ” وقد جاء هذا الفعل في بعض الفواتح ماضيا، وفي بعضها مضارعا، وفي بعضها أمرا، للإشارة إلى أنّ هذه الأشياء مسبحة في كـلّ (الأوقات لا يختصّ تسبيحها بوقت دون وقت بل هي مسبحة أبدا في الماضي وستكون مسبحة أبدا في المستقبل”.
وممّا يثبت لنا تجدّد التسبيح قوله تعالى في الآية نفسها “بالعشي والإشراق” أي في المساء والصباح هي مسبحة لا ينقطع تسبيحها.
4 -ومـن دلالات المضـارع علـى زمـن الحـال المتجـدد صـيغة (يـفْعَـل)، ومـن السـياقات الـتي يـدل هـذا التحـول فيهـا علـى التجـدد والاسـتمرار قولــه تعـالى: ﴿الَّـذِينَ آمَنـواْ وَتَطْمَـئِنُّ قـُلُـوبـُهُم بِـذِكْرِ اللّـهِ أَلاَ بِـذِكْرِ اللّـهِ تَطْمَـئِنُّ الْقُلُـوب﴾..هنا تحـول إلى المضـارع (تطمئن) لدلالته على تجدد الاطمئنان واستمراره؛ وأنه لا يتخلله شك ولا تـردد”.
5 -وللمضـارع دلالـة علـى زمـن الحـال المقـارب للوقـوع، وذلـك مـن خـلال صـيغة (يكـاد ، يـفْعَـل)، وهـي صـيغة يعتمـد فيهـا علـى مجموعة من الأفعال تسمى (بأفعال المقاربة) وهي التي تفيد وقوع الفعـل الكـائن في أخبارهـا . ومنهـا: كـاد، وأوشـك، وكـرب، وأفعال الرجاء، كعسى، لعل، وحرى واخلولق وأفعال الإنشاء، كجعل، وطفق، وشرع، وأخذ…. فإذا وقع الفعـل المضـارع خـبرا لفعـل مـن أفعـال الشـروع ليسـاير زمنـه زمنهـا..فالفعـل المضـارع ” : ﴿ فـَلَمَّـا ذَاقَـا الشَّـجَرَةَ بَـدَتْ لَهُمَـا سَـوْآتـُهُمَ اوَ طَفِقَـا يَخْصِـفَانِ عَلَيْهِمَـا مِـنْ وَرَقِ الْجَنَّـةِ ﴾ يخصفان” ساوقت دلالته على الحال دلالة فعل الشروع” طفق”.
6 -تـدل صـيغة (يـفْعَـل) علـى الاسـتقبال القريـب، وتعتمـد هـذه الصـيغة علـى اسـتخدام الفعـل المضـارع مقترنـا بــ(حـرف السـين) (مشكلا صيغة (سيـَفعَل) ، وحرف السين إضافة إلى (سوف) حرف تنفيس، وهو يختص بالمضـارع ويخلصـه للاسـتقبال وينـزل منه منزلة الجزء، ولهذا لم يعمـل فيـه مـع إختصاصـه بـه، ومعـنى قـول المعـربين فيهـا (حـرف تنفـيس) أو حـرف توسـيع.
7 – ويدل المضارع على وقوع الحدث في المستقبل فقط إذا سبق بأدوات معينة منها: لن، وحتى، ولام التعليل، وكي، ولكـي، ولا الناهية، ولام القسم، ولام الأمر، منها قوله تعالى: ﴿لَنْ تـَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تـُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَـا تـُنْفِقُـوا مِـنْ شَـيْءٍ ) ، فالفعلان “تنالوا، وتنفقوا” مضارعان في اللّفظ، مستقبلان في الزّمن. وقوله تعالى:” ﴿ وَكُلُـوا وَاشْـرَبُوا حَتَّـى يـَتَبـَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبـْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِـنَ الْفَجْـرِ ﴾، (وقولـه تعـالى: ﴿ لاَ تـُؤَاخِـذْنَا إِن نَّسِـينَا أَوْ أَخْطَأْنَـا ﴾.. نلاحظ إستخدام لا الناهيـة مـع المضـارع ، والنهـي هنـا يفيـد الـدعاء. والفعلـين ” ينفـق و تؤاخـذنا” يـدلان علـى المسـتقبل، لأنـه لا يمكـن تحقيـق مـا تطلبـه مـن غـيرك وإنفـاذه إلا في المسـتقبل. أو إذا اقتضـى طلبـاً : نحـو قولِـهِ تعـالى: ﴿والوالـداتُ يـُرْضِـعْنَ أولادهُـنَّ حــولَيْنِ كــاملَيْنِ ﴾، ومـن الآيـة إنـه مـن المفهـوم أن الله يطلـب مـن الوالـدات إرضـاع أولادهـن، والطلب هنا مفهوم بمساعدة ” لام الأمر” .أو إذا اقتضى وعـداً، وقوله عزَّ وجلَّ : ﴿ لِينفقْ ذو سعةٍ من سعتِهِ ﴾.
(أو وعيـداً : نحـو قولـه تعـالى: ﴿ يعــذِّبُ مَــنْ يشـاء ويغفــرُ لمَـنْ يشــاء ُ ﴾ ..فـالفعلان “يعـذِّب، ويغفـر” مضـارعان في اللّفـظ، مستقبلان في الزّمن. فتحقيقهما لا يكون إلا في المستقبل.
8 -ويأتي بناء ( يـفْعَل ) للإعراب عـن حـدث مسـتقبل بالنسـبة لآخـر تمّ قبلـه في زمـن مـاض.. ، نحـو قولـه تعـالى: ﴿ ثُـمَّ عجَلْنَـا لَـهُ يهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ)..
9 -قـد يـدل الفعـل المضـارع علـى الماضـي، “والفائـدة في المسـتقبل إذا أخـبر بـه عـن الماضـي لنتبـينّ هيئـة الفعـل باستحضـار صـورته ليكون السامع كأنّـه شـاهد”..
( ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ) وقال (وَقـَفَّيـْنَـا مِـنْ بـَعْـدِهِ بِالرُّسُـلِ وَآتـَيـْنَـاكُمْ اسْـتَكْبـَرْتُمْ فـَفَرِيقًـا كَـذَّبـْتُمْ وَفَرِيقًـا تـَقْتـُلُونَ).
فقال: كذّبتم، ثمّ قال: تقتلون، ولم يقل قتلتم، والحديث في الآية الكريمـة عـن الأقـوام الماضـية، فـالأولى أن يقـال:قتلـتم، ولكنّـه عـبرّ بصـيغة المضـارع استحضـارا لحـال هـؤلاء الأقـوام الشـنيعة بقـتلهم الأنبياء.
***
من خلال عرضنا السابق يمكن القول أن الدلالات الزمنية للفعلين الماضي والمضارع في القـرآن الكـريم قـد جـاءت موافقـة لاستعمالاتها سواء في صيغها الصرفية، أم في سياقها النحوي، وذلك بمساعدة القرائن اللفظية والمعنوية، وهذا إن دل على شيء فإنمـا يـدل علـى أن اللغـة العربيـة قـادرة علـى التعبـير عـن الـزمن بكـل دقائقـه وحيثياتـه الـتي يمُكـن للأحـداث والأفعـال أن تشـغلها، وهـي بهـذا تـرد خـير رد علـى كـل الـذين يقللـون مـن قـدرتها على التعبـير والتعامـل في مجـالات الحيـاة، ومـن خـلال عرضـنا السـابق لدلالة الفعلين الماضي والمصـارع يمكـن أن نتوقـف عنـد بعـض المحطـات لعـل أهمهـا: أن الفعـل هـو مـا يـدل علـى وقـوع الحـدث في الزمن غالباً ويكون مسنداً إلى فاعل فيخرج عن هذا المفهوم فعـل الأمـر. وتكـون صـيغة الفعـل دالـة علـى وقـوع الحـدث في الـزمن ضمن بيئتها الصرفية، فتكون الدلالة الصرفية مطابقة للدلالة الوضعية التي قررها النحاة القدامى للماضي والمضارع. كما أن الفعلين الماضـي والمضـارع يحتفظـان بـدلالتهما علـى الـزمن الصـرفي في بعـض التراكيـب النحويـة. وقـد تتفـوق القـرائن علـى دلالـة الصـيغة الصرفية فتحول زمنه إلى الزمن النحوي الذي يتنوع في الدلالة على الماضي أو الحاضر أو المستقبل أو يكون ذا زمن نحوي مـبهم تبعاً لتلك القرائن الملابسة للتركيب النحوي.
والخلاصة أن الأفعـال في القــرآن تكتســب دلالتهــا الزمنيـة مــن الســياق الــواردة فيـه، لا مــن بِنيتهــا الصــرفية فحسب، وغالباً ما يكون وراء تحولها ماضياً ومستقبلاً معنى بلاغيا.
التوصيات :
وفي ختام هذا الإستعراض المطول عن إستخدامات الزمن في اللغة العربية وبخاصة (فعل الماضي) فإننا ندعو المهتمين باللغة العربية والضليعين في الشأن الإعلامي للبحث بجدية في موضوعات ، ربما يتطلب التطور العصري خوض غمار نقاشات ترتقي الى مستوى الآمال والتطلعات، وتقدم خدمة للبشرية بما تضيفه من ملاحظات قيمة.
كما ندعو كل الأساتذة والزملاء والمهتمين بموضوعات (جدلية) من هذا النوع إغناء النقاش بملاحظاتهم ، حتى يمكن التوصل الى (صيغة مشتركة) بشأن إستخدامات (زمن الماضي) في الخبر الصحفي والذى رأي فيه آخرون أننا بحاجة الى نقاش جدي يعيننا فيه أصحاب اللغة والضالعين فيها ومن المحترفين في الحقل الصحفي لكي يكون بالإمكان وضع (ضوابط) أخرى للخبر تخرجه من حالة الرتابة التي هو عليها الآن وتنقذه من (ظلم) الزمن الماضي الذي إستحوذ على مساحة واسعة من فترة بناء الخبر وصياغته حتى تساوى فيه (الزمن) بين (الثانية) و(القرن) بالرغم من تباعد الفترات الزمنية عبر قرون ، وبالرغم من أن معظم الأخبار تدخل في مرحلة (الزمن الحاضر) أي (الحالية)..بمعنى آخر أن كثيرا من الأخبار وتفاعلاتها والتنبؤات بشأنها ما تزال في مرحلة (الحاضر) وهذا الموضوع يخدم تطور الصحافة إن لم يشكل (إنتقالة نوعية) لو وضعها المهتمون بـ (الإحتراف الصحفي) في الدرجات المتقدمة من الإهتمام في مستقبل قريب.
مصادر البحث:
1. حامد شهاب / تسريب الاخبار والحرب النفسية في أجهزة المخابرات / صادر عن دار أمجد للطباعة والنشر / الأردن / 2021
2. حامد شهاب / الفرق بين الخبر والقصة الصحفية..وإشكالية إستخدام الزمن / مقال بموقع كتابات / 22 آذار 2022
3. د. عارف الدين / دلالات السياق على معاني الزمن النحوي: دراسة نحوية دلالية / قسم دراسات الشرق الأوسط في اللغة العربية/ جامعة كاجه ماداه يوجياكرات / إندونيسيا
4. د.زينة قرفة / جامعة محمد البشير الإبراهيمي برج بوعريريج / الدلالة الزمنية للفعل الماضي والمضارع في النص القرآني / ومجلة دراسات حزيران 2016
5. مصطفى الزلمي / دلالات النصوص وطرق استنباط الأحكام في ضوء أصول الفقه الإسلامي / جامعة صلاح الدين / أربيل
6. أ. د عبد الملك مرتاض / بحث في تقنيات السرد / كاتب جزائري حصل على عدة جوائز ادبية





