الذي يترجَّـل مرة في السنة – د. وجدان الخشاب / العراق

هكذا كان يغذي تأريخه بانفلاتاتٍ مطبوخة وتهذيبات لا تعرف لها تقاليد وقوانين ، وهكذا وجدتْ نفسها تندفع إليه بقوة وسحر هذه التقاليد والقوانين ، إذ لم تعُـد تنتظر عاصفة علـًّها تداهمه، وتفجِّـر بإثاراتها قوة أُخرى تنسلُّ إلى مقاصده ودروبه الملغومة عـفـنًـا أحيانًـا أو ربما بنفسجـًا أو … دموعًـا لم تسفح بعد / لتزيده غموضًا آخر وكتمانًـا أعند / البحر يعـبُّ ملوحة وأعشابًـا وقـواقـعًـا وجنونًـا /هذا قدره منذ تلك القرون … يتلاقح وعذوبة النهر ليظـلَّ قائمًـا / تترصده حيتان تمتصُّ دماءً لم تعُد تتفجر بنقائها … ثُـمَّ تهدر هذه الحيتان إلى الشاطئ ، لتعلن استنكارًا متعـفّنًـا لانتحارٍ لم يعُد يهمّ أحدا … لا بل لم تعُـد له قـوَّة السحر تلك التي حكمت الكثيرين من حوله … وأثارت حفيظة البعيدين عنه …
شَدَّهُ القمح الذهبي الذي فضحته الشمس من كُـوَّة تلك الستارة / آهٍ ياموسم السنابل الذي يظـلُّ يتكـدّس هنا بتكاسل وأُلـفة / ويتباعد هناك / يشدُّهُ هذا العالم الصقيل بتضاريسه اللامعة / آهٍ يا موسم القطاف والذاكرات التي تشحن نفسها بنفسها / لتشبّ وتشيخ ثانية / الذاكرة الصموت الوضّاءة تُعـلِّقُ ترجّـلاته في مشجب حـنوّها / أُمي / حوّاء أو ليليث لا فرق / يا أُولى النساء والعطايا / يا أُولى المرايا التي تخـفَّى خلف لمعانها وظلامها / أهي المرأة أو المرآة التي تخـفَّى خلفها وأخفى عندها الطفولة ورايات العنفوان كلّها ؟ دسَّ في سجلاتها المحرّمات وتأريخ التأزّم الكبير الذي يُـسارر رائحة دمه … أو … ربَّما رائحة شكوك تهتف ولا تجيب … لتتحوَّل إلى دخان كثيف يطلقه فيضلل الافتراس والفريسة معًـا / ذاك ترجّـل آخر وسُنّة شاقة في الركوب …
هيـّأ لها ترانيمه / رتَّـب لها سلَّمها الموسيقي الذي لا يستند هو الآخر إلى قوانين معروفة / طقوس ونذور وأجراس تُعـوِّل على بكائها غنائمه وأسراه وقتلاه بحروبهم الصغيرة والكبيرة – لا فرق – غنائمه مدن ومراكب لا تشرد ولا تركن / تتفتت وتتشابك / تحيا انتظاراتها مُـرَّة أو موحلة / أو تبدو له أحيانًـا ساحرة يعاندها الفشل / ينفجر نبع يومياته كلَّ صباح / مشاغل / مطالب / خطوات قصيرة يحاذيها أو يهرب منها / ديباجات يومية في الخبرة والمودَّة والخبث … تجوب أظفارها جبين كل صباح يأتي / تمارس انتظارات تحكمها الشمس والعرق والملل، لتدفع إلى يومياتها تأريخًـا من الوهم يسكب جنونه الذي يبدو مترجّـلاً مَـرَّة في السنة / يترجّـل بعُـدّته ذاتها، وأحيانًـا بأقنعةٍ، لدفع الآخرين إلى قبوله عضوًا في يومياتهم – السويّة والفاسدة معًـا – بل قُـلْ مَن يهطل الآن باهتًـا وغير مفهوم ؟
أيُّـها الغموض الذي دفعـتَ إلينا هذه الأصبع التي تُجيد نبش نواياك وأسرارك …
بل قُـلْ مَن يجازف الآن برحلة غير مفهومة مثل هذه ؟
بل مَن يقطع خيوطه الحادة المشدودة إلى غرس جبّار يتدفق صاخبًـا إلى هذا الفراغ العجيب ؟
ومَن سيمنحه سلاحًـا بارقًـا يشطر ليله المزدوج هذا إلى نهارين ؟
السآماتُ …. تستيقظ دومًـا تنهش وجوده بأظفارها اللامعة / تسكب جنونها على عـزلاته التي تُـعـمّـق المسافة بين قامته والعالم / هذا العالم سقف وأرضية …. لا فضاء ….
الجدران تحجز عينيه داخل قالبها القائم وتركن أثقالها على جفنيه / الزجاج / الخشب / المعدن / منضدة أو صحن أو دولاب / تقبع هنا وهناك قائمة بذاتها أو تستند إلى جدار ضجره القائم أبداً / تطفئ الأُلفة أنوارها وتتسرب كما يتسرَّب عقرب الساعة فيقذف بالزمن في كل اتجاه / بلا أُلفة / هذا العقرب الذي لا يثبت أبـدًا في نقطة واحدة / يحاصره ويدفع به إلى غضب يصرخ :
فاسد
فاسد
أفسدتك المجلات والكتب والدلال : فهل من مزيد ؟
لن يهبط الضجر / لا … بل يهبط / يهبط متسكِّـعًـا في قيلولات طفولةٍ غابرةٍ تؤسس له الآن أحفـادًا وجنونًـا وأطماعًـا قد لا تنتهي …
هل من مزيد ؟
المزيد هذا كلّه … جدار من ماسٍ وقوس قُزح لا يهدأ ولا يكلُّ ، والذي لا يترجَّل إلاَّ مرَّة في السنة يجلس عنده / يُرَّتب ألوانه ويحيك ارتجافات خافتة / يمنح الأُعـطيات ، ويدفع عنها الشيخوخة ، وحين ركنتْ إليه تلك الأُعـطية المنفلتة من تأريخها ، كان لا بُـدَّ له أن يعود مـرَّة أُخرى إلى ترتيب وحياكة أشجار وبشر وحدود … وكلّها أعـطيات بلا أقنعة …..



