📰 آخر الأخبار
منتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنانأَسْماؤُنا خُيُوطٌ / بثينة هرماسيأبي / فدوى الزيانيخراب.. يحتله الصدى~ مالكة حبرشيد- المغربعطل في البرمجة ~~أمين الساطيبريسيلا فان فالكنبرج  .. كرونك : قصيدة هايبون معاصرة ~ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالالشاي لأصحاب البصيرة والقهوة لمن ضلّ الطريق~غدير حميدان الزبون - فلسطينرسالة خاصّة ~ روضة بوسليميمن رباعيات الخيام / إدوارد فيتزجيرالد-ترجمة سالم الياس مدالو
منتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنانأَسْماؤُنا خُيُوطٌ / بثينة هرماسيأبي / فدوى الزيانيخراب.. يحتله الصدى~ مالكة حبرشيد- المغربعطل في البرمجة ~~أمين الساطيبريسيلا فان فالكنبرج  .. كرونك : قصيدة هايبون معاصرة ~ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالالشاي لأصحاب البصيرة والقهوة لمن ضلّ الطريق~غدير حميدان الزبون - فلسطينرسالة خاصّة ~ روضة بوسليميمن رباعيات الخيام / إدوارد فيتزجيرالد-ترجمة سالم الياس مدالو

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
فنون تشكيلية

التمثّـل في اللوحة التشكيلية : قراءة في لوحة (موار وحوار) للفنان ناطق عزيز

د. وجدان الخشاب

                                                                                                                                                د. وجدان الخشاب / العراق


image 1

      من خلال معرفتي الشخصية بالفنان ناطق عزيز ومتابعتي للكثير من لوحاته، لفتت نظري لوحته (موار وحوار) التي نفَّـذها بالزيت على القماش وبحجم 1م/80 سم في عام 2020م، فكانت لي هذه الوقفة القرائية لتكوينها تقنيةً ودلالة.

      يشير هربرت ريد في كتابه (الفن اليوم – مدخل الى نظرية التصوير والنحت المعاصرين) الى أنَ (الفن اكتشاف وتأسيس لعالم جديد من الأشكال، والشكل شيء معقول لكن الفن تغيير وتحويل مستمر للشكل)، فالفنان عند رسمه لوحةً يشتغل باتجاه اعادة انتاج الأشكال التي تلتقطها عينه من عالمه الواقعي، وتختزنها ذاكرته عن طريق تمثّـلها بشكل متغير ومتحول عن أصلها، معتمدًا على خبرته التقنية، التي ستكون المعين الأساس في رحلته التي ستبدأ مع أول لمسة على خامة اللوحة، والتمثّـل حسب ما طرحه لويس معلوف في كتابه ( المنجد في اللغة والأعلام) هو توهّـم صورة الشيء وتخيّـله واستحضاره في الذهن. فالتوهم عملية عـقلية يجري من خلالها إجراء التحوير أو التحريف على مكوِّناتها؛ لإنتاج صورة جديدة تلتقي وتتفارق في بعض تفصيلاتها عن الأصل عند تحويلها الى لوحة تشكيلية، وهنا يلعب الخيال دورًت فاعلًا بتآزره مع التمثـل؛ ليعملا معًـا على منح الفنان قدرة انتقاء المفردات وتجميعها وتوضيعها على خامة اللوحة وتوسيمها برؤاه ومشاعره وانفعالاته؛ فينتج بالتالي موضوعًـا تعبيريًـا يأمل أن يثير به انفعال متلقي اللوحة وتعاطفه معها موضوعًـا وتقنيةً ودلالةً، فلنقرأ معًـا مفردات لوحة الفنان ناطق؛ لنرى الكيفية التي اشتغل بها لتمثيل مدينة الموصل، ونقف أولًا مع عنوانها حيث سيواجهنا سؤال:

هل للمدينة روح؟

نعم، لكل مدينة روح تشبه روح الإنسان، روح تكمن في أهلها الذين يمنحونها تجددًا وشبابًـا من خلال تعميرها وتطويرها، ورغم الأحداث والمواقف التي تمر عليها صعبة كانت أو كارثية، فإنَّ اهل المدينة هم من ينهض بروحها ويجددها، من هذا المنطلق سنبدأ بمسحنا البصري للوحة الفنان ناطق، حيث يواجهنا أولًا الشكل العام للتكوين الذي يبدو أنّـه شكل تجميعي لمقتطفات مشهدية من مدينة الموصل تتلاصق مع بعضها البعض، كما تتلاصق البيوت في الجانب الأيمن لهذه المدينة واقعيًـا، حيث الموصل العتيقة بتراثها التاريخي العريق، ويحيل هذا النوع من التكوين الى دلالةٍ أراد الفنان التأكيد عليها، وهي الروح الواحدة التي تجمع أبناء هذه المدينة فأصبحت وكأنّـها بيت واحد.

       ويشير المسح البصري لها عن المفردات التي اعتمدها الفنان في التكوين، وهي الأشكال الإنسانية والأبواب والنوافذ والقناطر والشرفات ومئذنة الجامع الكبير (الحدباء) وقباب الجوامع والحوت والحمامات والوشاح، وتتوالى مكانيًـا بارتقاء عمودي يتناسب مع شكل المستطيل القائم الذي اتخذته اللوحة، والذي سيثير انتباه المتلقي الى أنَّ سردها يبدأ من القسم الأسفل من اللوحة الى الأعلى، وهذا الارتقاء ارتقاء زمني أيضًا يرمز فيه الفنان ناطق الى طبقات الزمن التي مـرّت على مدينة الموصل، عبرَ تقنية الاسترجاع التي تبدأ من الحاضر ثم توغل في الزمن قديمًـا، حيث اختار الفنان ناطق شكل باب تتقدمه عتبة ليموضعه في وسط القسم الأسفل منها.

      يكشف شكل الباب عن طراز تكويني كان معتمـدًا في البيوت القديمة لهذه المدينة، حيث يتخذ الباب شكل المستطيل القائم وتزيّنه مجموعة من المستطيلات القائمة أيضًا، وتشير خاصية التكرار للمستطيلات القائمة الى  دلالتها على الرسوخ والثبات والارتقاء، ويعلو دفتيّ هذا الباب شكل نصف القوس المتكرر، ومن المعروف أنَّ هذا الجزء من الباب يكون ثابتًـا عادةً، إلاّ أنَّ الفنان ناطق رسمه بمنظورين حيث يظهر القسم الأيمن منه بمشهد أمامي، فيما يظهر القسم الأيسر بمشهد جانبي، وأيضًا القوس الثاني ذي الأعمدة، فيما يظهر القوس المستطيل الأُفقي المزخرف الذي يعلو الباب بمشهد أمامي، إنَّ هذا التحريف المنظوري يعلن عن قدرة الفنان ناطق على عرض الأشكال بأكثر من منظور؛ ليثير نظر المتلقي وتفكيره بهذه المسحة الادائية.

      إنَّ اشتغال الفنان ناطق باتجاه رسم الباب وهو مفتوح، يهدف الى تظهير جزء من شكل فتاة وهي تفتحه ليمثّـل دعوةً للدخول، وتحيل دلاليًـا أيضًا الى دعوة المتلقي للدخول الى العالَم التشكيلي للوحة.

      يشير اختيار اللون البنيّ واقعيًـا الى مادة الخشب، التي كانت مستخدمة قديمًـا في صناعة أبواب الموصل قبل تحوِّلها الى أبواب حديدية، ولهذا عمد الى تلوين الباب بهذا اللون بتدرّج، فكان اختياره للدرجة الفاتحة للأرضية والأغمق قليلًا للمستطيلات المتموضعة عليه، والغامقة لتلوين الأعمدة؛ فأنتج بذلك ايقاعاً لونياً جميلاً، هذا على مستوى التقنية، أمّـا على مستوى دلالة اللون البني فهو لون حيادي يحيل في بعض دلالاته الى الرسوخ والثبات؛ لأنّـه لون الأرض الراسخة، ويثير الشعور بالارتباط الصميمي بالأُسرة والمنزل حيث مكمن الأمان والعلاقات الأُسرية الدافئة، كما يثير في متلقيه إحساس الحنين الى ماضي هذه المدينة الأصيلة.

   في يمين اللوحة كان اختيار الفنان ناطق لأكثر من شكلٍ لموضعته في هذا الجزء من اللوحة، أولها باب مصغّـر يعلوه جزء من باب آخر، وترتفع فوق الباب المصغّـر نافذتان تتخذان الشكل الواقعي للنوافذ التراثية في مدينة الموصل القديمة، والتي كانت على شكل مستطيل قائم مُـقسِّمٍ على مربعات صغيرة، يعلوه شكل مُقـوّس تقسِّمه الأعمدة على عدة أقسام، ومن المعروف في الواقع العياني أنَّ الإنسان حين اخترع النوافذ كان هدفه الأول هو ادخال النور الى الداخل، والتواصل مع ما هو خارج المكان بالرؤية عبر زجاجها الشفاف، لكنَّ تلوين الزجاج سيفضى الى منع التواصل تماماً مع الخارج، أمّـا النافذة الأُخرى فيظهر من وراء زجاجها شكل طفل صغير بدا وكأنّه ينظر الى الخارج مباشرةً، وهذا الحضور يحيل دلاليًـا الى العلاقة الحيّـة الفاعلة للإنسان بمحيطه عن طريق التواصل مع ما ينظر إليه.     

     ويشغل الجزء الأيمن من اللوحة مشهد جانبي لجدار قائم اعتمد الفنان في تظهيره على اللون البني، ولمسات من الخطوط العريضة القائمة باللون الأخضر الزيتوني والرمادي وكلها تعتمد التدرّج، وهذا ما منح مشهده حيوية وحركة ضمنية أخرجته من جموده.

      إنَّ المتلقي وهو ينظر الى الجدار الذي يخلو من الأشكال التكوينية، سيشعر بشيء من الراحة بعد التتبع الدقيق لتقسيمات النوافذ، وتكمل عينه استراحتها في المساحة التالية التي اعتمدت على لمسات لونية من الأصفر الفاتح والأبيض؛ لتكون مساحة ضوئية من جهة، وتشكِّل تضادًا جماليًـا من جهة مقابلة.

      وتعلو الجدار مجموعة من النوافذ المتوالية في الحضور، متخذة من اللون الأزرق المتدرج الى الأخضر، ثم اللون الرمادي المتدرِّج، والتركوازي المتدرِّج مظهـرًا، وهي نوافذ تعبق بروائح التراث شكلًا، كما تعبق بروائح التضاد اللافت للنظر على مستوى اللون.

      حين نتابع المساحة الواقعة يسار الباب نلاحظ شكل بابٍ خشبي تراثيّ، اختزله الفنان بنصف مساحته ليسمح بإشغال المساحة التي تليه بشكل قنطرة تكشف عن مشهد مختزلٍ لطريق يفضي الى قنطرة ثانية، ثم مساحة ضوئية تبدو فيها الأشكال ضبابية لوقوعها في البُـعـد الثالث، وهذا ما يؤشِّر قدرة الفنان على نقل المَشاهد من الواقع العياني الى الواقع التشكيلي باستغلال مساحة صغيرة قياسًا الى حجم اللوحة؛ لتكون موضعاً لمشهد اختزنته ذاكرته الثرية بمشاهد حياتية لطرقات ضيقة المساحة، تنتشر بين البيوت في الأحياء السكنية الشعبية.

        وتعلو القنطرة نافذتان ويجاورها مشهد مختزل لمنزل يظهر بابه وتعلوه نافذتان، ويتخذ الطريق اللون الرمادي المتدرِّج وهو لون الاسمنت الذي تُرصف به الطرقات الداخلية للأحياء السكنية في الواقع العياني. وبما أنَّ اللون الرمادي لون بارد، واللون البنيّ لون دافىء فقد تحقق التضاد اللوني تمامًـا، وكان الاشتغال اللوني للفنان بتلوين الباب والنافذتين باللون الأزرق البارد، يهدف الى يمنح هذه المساحة سعةً على مستوى التقنية، ويمنح المنزل صفات السلام والهدوء والأمان على مستوى الدلالة، وهي صفات استشعرها الفنان في أعماق نفسه وروحه ونقلها الى لوحته التعبيرية؛ ليكون التواصل في أفضل درجاته بينه وبين متلقيه عبر قناة الفن الهادف.

       شغل الفنان المساحة الثانية للقنطرة وما يجاورها بلمسات لونية متعددة ومنحها وظائف عـدّة، حيث أصبحت منطقة استراحة لعين المتلقي من جهة، ومساحة ضوئية من جهة مقابلة، وتخصيصًا المساحات التي اعتمد في تلوينها على اللون الأبيض والمتداخل مع لمسات من اللون الرمادي والأزرق، وفي الوقت ذاته أفاد من خاصية التكرار في رسم أغلبها على شكل أقواس، كما أفاد من خاصية التضاد في رسم بعضها على شكل أنصاف أقواس تتنوّع في حجومها، وحقق أيضًا وظيفة تحديد مواقعها في البُـعد الثالث للوحة، من خلال توالي هذه الأشكال بدءًا من مقدمة اللوحة والاستمرار نحو هذا البُـعد، فضلًا عن التضاد اللوني المتحقق في هذه الأشكال بين الفاتح والغامق.

       ويستمر الفنان في استغلال الارتقاء العمودي للأشكال دون أن يمنحها فواصل؛ ليحقق فكرته التي تشير الى أنَّ المدينة أصبحت في هذه اللوحة بيتًـا واحـدًا كبيـرًا، فيشتغل باتجاه إشغال المساحة التي تقع بعد هذه الأشكال بمجموعة جديدة، ففي أقصى يسار اللوحة يموضع شكل قنطرة مقوسة تُجسِّد منظر غروب الشمس، وهذا أول تضاد على مستوى الزمن؛ لأنَّ اللوحة بألوانها تشير الى أنها نهارية زمنًـا، والتدقيق البصري في هذا القسم من اللوحة يكشف عن اشتغال الفنان باتجاه موضعة الأشكال في البُعد الثالث، الذي تكشفه ضبابية هذه الأشكال، فالشمس الغاربة وما تنشره من نور أحمر جسّده الفنان بلمسات لونية تجمع بين الأحمر والأصفر وتداخلهما وصولًا الى اللون البرتقالي، وينعكس اللون على مساحة الماء وهو نهر دجلة، وتتوسط مجموعة صغيرة من البيوت والغابات هذه المساحة، مما يحيل الى أنَّ الفنان اقتطف هذا المشهد الغروبي من الضفة الثانية لنهر دجلة ، وأفاد من خاصية الاختزال المكاني.

      تجاور هذه القنطرة قنطرة ثانية يجسّد فيها الفنان مشهـدًا نهاريًـا للمقهى الشعبي، الذي يُعرف في مدينة الموصل باسم (القهوة)، في المساحة الأقرب منها رسم رجلًا يجلس على مقعد تراثي من حيث الطراز، واعتمد الفنان في تظهيره على اللون الأبيض ليمنحه قوة الظهور، ويجلس عليه رجل ظهر بمشهد جانبيّ تدلُّ طريقة جلوسه على سكون واسترخاء، ولكنَّ الفنان ناطق عمد الى كسر سكونية المشهد برسم شخصية ثانية تتموضع في البُـعد الثالث، وأظهرها بمشهد أمامي وجسدٍ مائل في جلسته الى جهة اليمين، فبدا وكأنه ينظر باهتمام الى ما يقع خارج المقهى، فحقق الفنان بذلك تواصلًا لافـتًـا للنظر بين الداخل والخارج، وأكمل المشهد بتظهير جزءٍ من جسد رجل آخر يقاربه مكانًـا ويشاركه التواصل والتفاعل ذاته. 

      إنَّ المتلقي وهو يحاور هذه المقتطفات وأشكالها التكوينية، يغمره شعور قوي بأنّـه لا يتجوّل في أرجاء اللوحة المعروضة أمامه، بل يتجوَّل في الوقت ذاته في مدينة الموصل وأزقتها، ويشمُّ عبقها، وتلتقط عيناه هذه المشاهد التي تشخِّصها بروحها وأهلها وتفصيلات من حياتهم اليومية في الواقع العياني، ثمَّ ينتبه فجأة على فكرةٍ تغمر روحه وهي تعلن: يا لهذا الحبُّ الروحي السامي، الذي يعيشه الفنان مع مدينته، وهو يجسّدها بزمنيها الماضي والمعاصر بلوحة تعبيرية تعلن عن مشاعره العميقة  والأصلية تجاهها.

       يجاور مشهد المقهى مشهد شرفةٍ مقوسةٍ من الأعلى، يتقدمها حاجز للحماية، ويبدو شكله أقرب ما يكون الى النافذة بدليل تقسيمه الى 8 مستطيلات، اتخذت حدودها اللون الأزرق، واتخذت ظلالها باللون الأسود، وهذا التضاد منحها جمالية الظهور رغم صلابة مظهرها، لكنَّ هذه الصلابة سرعان ما تختفي بانتقال الرؤية العينية الى ما وراء الحاجز حيث يطلُّ رجل عجوز بمشهدٍ أمامي، ويحدد غطاء رأسه زمن المشهد بأنّـه شتاء بارد، كما تحدده حركة يديه وهو يضعهما داخل جيبيه بحثًـا عن الدفء.

      حين يستمر المتلقي في مسحه البصري باتجاه يمين اللوحة، يقع بصره على التكوين الرابع الذي يظهر فيه مشهد جديد حيث استخدم الفنان مستطيلًا قائمًـا، يتقدم فيه شكل زخرفي يشير الى كونه حاجـزًا لشرفةٍ، وهذا النوع من الحواجز الحديدية كان سائداً في بيوت مدينة الموصل قديمًـا، مما يؤكِّـد على هوية المكان، واعتمد أيضًا في تلوينها على اللون الأزرق، فيما بدت ظلالها سوداء، وهذا تكرار لوني للشرفة التي تقع قبلها.

   في بنية الشرفة اعتمد الفنان على اللون البني المتوسط الدرجة؛ ليموضع فيه شكل مقـوّس تشغله امرأة تحمل طفلًا يبدو حديث الولادة؛ لكونه ملفوفاً بقماش أبيض يُعرف في مدينة الموصل باسم (القـماط)،  

      يبدو لي أنَّ الفنان حين رسم الأشكال الإنسانية بأعمارها المختلفة، التي تجسّدت بالرجل المتوسط العمر الجالس في المقهى والرجلين الآخرين، والرجل العجوز في الشرفة، والمرأة وطفلها لم يكن قاصدًا الحضور الإنساني وتفاعله مع المكان فحسب، بل كانت قصديته هي تظهير التجييل الإنساني بوصفه دلالةً على حيوية المكان واستقراره واستمراريته.

      يشكِّل التوازن بين المساحات وما تتموضع فيه من أشكال، عاملًا أساساً في منح المتلقي شعوراً بالكمال والجمال والارتياح النفسي، ولهذا عمد الفنان الى إشغال المساحة التي تقع في البُـعد الثالث وراء جسد المرأة بأشكال ضبابية؛ للتأكيد على استمرارية الامتداد المكاني، والتوازن نفسه دفع بالفنان لشغل المساحة المجاورة لهذه الأشكال بشكل نافدة تكراريةٍ.

      ويستمر بصرنا بمتابعة هذه المشاهد المقتطفة والمشغولة بتأنٍ وعناية وجمالية لافتة للنظر، ليقع على مشهد قد يكون بابًـا في المسح البصري الأولي له، بدلالة الشكل الذي يتقدمه والذي يشبه العتبة، ويجاوره جزء من رأس حوتٍ تستقر عينه على قبة الجامع، ويحيط فـكّـه المفتوح بالقبة الزرقاء وما تحتها، وبدت أسنان الفك  الأعلى واضحةً، واتخذت اللون الأبيض دلالة على القوة ورغبة الافتراس، لكنَّ الفك الأسفل فقد أسنانه، رغم لونه الأبيض، إذًا بين الافتراس واللا افتراس سرد لا بُـدَّ من الوقوف عنده، حيث يتخذ هذا الحوت من رمزيته الدينية على حوت نبي الله سيدنا يونس دلالةً، والحوت الذي ابتلعه في نينوى القديمة؛ ولهذا اختار الفنان ناطق موضعة فكّـيه حول قـبّـة الجامع، لكنَّ المساحة التي تقع تحت الفك الأسفل بدت مشغولةً باللون البني بدرجتيه الفاتحة والمتوسطة، وكذلك اللون والبنفسجي بدرجتيه للدلالة على الأزمنةِ التي مرّت على الموصل منذ حادثة الحوت الى الآن، من هذا كله يمكن للمتلقي أن يكتشف إشارة الفنان الى أنَّ الحوت هو العدو الذي ظلَّ يتربّـص بالمدينة عبر الزمن، يحاورها بمواره (صوته) وعينه التي ترقبها، فحين تكون الفرصة سانحةً يحاول ابتلاعها، والدليل هو المحن والكوارث التي حـلّـت بها، والخراب الكبير الذي أصابها، لكنّها مدينة لا تموت؛ لأنّـها ستظّـل واقفة، وتنهض من محنتها دائمًـا.     

     تتميّـز مدينة الموصل واقعياً بمسحةٍ ايمانية عُـرفت عنها؛ لكثرة جوامعها والمصلّـين فيها، وللتأكيد على هذه المسحة كان لا بُـدَّ للفنان ناطق من رسم أقدم جوامعها ومنارته الحدباء المشهورة، بوصفها مَعـلَـمًا تاريخيًـا للمدينة، ومن اسم هذه المنارة أُطلق على مدينة الموصل تسمية (الحدباء)، من هنا كان اختيار الفنان ناطق للمساحة العلوية من اللوحة، لرسم المنارة هادفًـا الى تأكيد القيمة الدينية للمنارة بوصفها رمـزًا لهذا الجامع، فضلاً عن تأكيد قيمي آخر هو الحمامات البيضاء (رمز السلام) وهي تستقر بسلام وأمان على حافة قاعدتها، وعلى جانبيها تمتد الأشكال المتنوعة، ومنها القباب التي منحها الفنان تدرّجًـا لونيًـا يبدأ باللون الأزرق السماويّ، يحيطه لون أزرق بدرجة غامقة قليلاً، ثم لمسات من اللون البنفسجي الفاتح، واختار اللون نفسه بدرجة غامقة للظلال، واللون البنفسجي يحيل في بعض دلالاته الى الحكمة والحب والهدوء والروحانية، وبما انَّ الأزرق يمنح الشكل سعةً وتدرّجه يمنحه حيوية، فإنَّ تجاوره مع اللون البنفسجي سيثير في متلقيه شعورًا بالسلام الداخلي، فضلًا عن قيمته الجمالية.  

       إنَّ الفنان وهو يتجوّل داخل ذاكرته، وينقل من مخزونها الثري لا يفوته أن يؤكِّد على العمق التاريخي لمدينته الموصل الآشورية، فيجسّد رموزًا لهذه الحضارة العظيمة بمجموعة من الأسوار المقعرة التي تنحني أقواسها الى الأسفل، وتنتهي بما يشبه العمود من الجانبين، ويستقر الديك على أحد الأعمدة، فيما يستقر فانوسان على عمودين آخرين للدلالة على الضوء، وتشغل مساحة واجهتها نوافذ متكررة، تتخذ من اللون البني المتدرّج لونًـا للدلالة على بُعدها الزمني. 

        تمثل منارة الحدباء رمـزًا موصليًـا بامتياز فهي هوية ودلالة انتماء من جهة؛ ولارتباطها بالقيمة الدينية العالية من جهة مقابلة، فرسمها الفنان ناطق في أعلى نقطة من بنية التكوين، وينطلق منها وشاح مقـعّـر وملوّن يحيط بهذه البنية، حيث يبدأ باللون الأبيض الذي يحيل دلاليًـا الى النقاء والطهر والصفاء والسلام، يليه اللون البرتقالي بدرجتين غامقة وفاتحة، والمعروف تقنيًـا أنَّ اللون البرتقالي ينتج عن مزج اللونين الأحمر والأصفر؛ فينتج بالتالي دلالته التي تحيل على الطاقة والحيوية، ويمنح المساحة التي يشغلها حركةً تبعدها عن الجمود، وتليها مساحة مشغولة باللون الأصفر الفاتح لون الشمس ونورها وطاقتها الذي يؤكِّـده وجود رمز قرص الشمس وهو دائرة داخلها نقطة، ويرتفع اللون الأزرق السماوي لينفرش على امتداد المساحة العلوية من اللوحة؛ ليؤشِّر العناية السماوية لمدينة الموصل من جهة، وليمنح المتلقي شعورًا بالسلام والراحة بعد تجواله في ثنايا الأشكال التكوينية المتعددة من جهة ثانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة