📰 آخر الأخبار
منتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنانأَسْماؤُنا خُيُوطٌ / بثينة هرماسيأبي / فدوى الزيانيخراب.. يحتله الصدى~ مالكة حبرشيد- المغربعطل في البرمجة ~~أمين الساطيبريسيلا فان فالكنبرج  .. كرونك : قصيدة هايبون معاصرة ~ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالالشاي لأصحاب البصيرة والقهوة لمن ضلّ الطريق~غدير حميدان الزبون - فلسطينرسالة خاصّة ~ روضة بوسليميمن رباعيات الخيام / إدوارد فيتزجيرالد-ترجمة سالم الياس مدالو
منتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنانأَسْماؤُنا خُيُوطٌ / بثينة هرماسيأبي / فدوى الزيانيخراب.. يحتله الصدى~ مالكة حبرشيد- المغربعطل في البرمجة ~~أمين الساطيبريسيلا فان فالكنبرج  .. كرونك : قصيدة هايبون معاصرة ~ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالالشاي لأصحاب البصيرة والقهوة لمن ضلّ الطريق~غدير حميدان الزبون - فلسطينرسالة خاصّة ~ روضة بوسليميمن رباعيات الخيام / إدوارد فيتزجيرالد-ترجمة سالم الياس مدالو

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

ابن خلدون – كمال الرياحي

لن تتصوّر حالتي وأنا أترقّب ذلك اليوم، كنت كالأسير الذي ينتظر ساعة الفرج، أعلّم بالفحم على الجدار كلّما أتاني الليل بعد نهار من العجائب.

في فجر ذلك اليوم كنت أقف أمام النافذة منتظرًا طلوع الشمس، وبداية الحركة… لم تأت الشمس كعادتها حتى حسبت أنها انتحرت أو انفجرت وراء الجبل لتتركني أسيرًا بين هذه الوحوش وفي هذه الظلمة الخانقة…

بعد ساعات من الانتظار المميت، احمرّ الأفق …وبدأ النور يطرد الظلام والألسنة الخضراء ترميالنجومبِأسْهُمٍفتصيبها في مقتل… وطلعت الشمس : ربة جبّارة تخرق خضرة الغابات وبياض الجدران، تحرّكت الثّعابين من جحورها وتململت العقارب من تحت الصخور ، وصاح ديك شهرزاد المسنّ…
هل نجوتُ ؟!! أطلقتُ سؤالي خافتًا، فانزلق مني وهوى من النافذة نحو الوادي… في تلك اللحظة قُرعت الطبول وانهمر الخلق من بيوتهم يهتفون، رجال ونساء وأطفال وعجائز يصّعّدون الجبل الأسود يحملون الأواني النحاسية ، ويجرّون خلفهم متاعًا وخرفانًا ومعيزًا…
ظلّ نهر البشر ينزف نحو الأعلى لساعة ثمّ انقطع.. انتظرت بضع الساعة حتى تأكدت من أن الجميع التحقوا بالكهف البعيد. عندها جهّزت زوّادتي التي ربطتها على بطني جيدًا حتى لا تعيق سيري، وانحدرت نحو الوادي أركض في غير التفات… تمزّقني الأشجار والأغصان وأمزّقها، أقفز على الصخور الناتئة والحفر الغائرة كما لو كنت شابًا في العشرين……. الخوف جعلني أرتدّ إلى شبابي، نقول في أمثالنا : “الخوف يعلّم السبق”…… في ذلك اليوم علّمني الخوف السبق وركض الغزلان…

كنت أركض في اتجاه أراه في مرمى البصر، موضع بين جبلين على بعد عشرين فرسخًا إن عبرته فقد نجوت من هذه الأمّة…
أدمتني الأشواك والصخور ونزفت من كل مكان، من يدي، من ذراعي، من ساقي من قدمي، من رأسي من عنقي،… لكنّي أبدًا لم أقف ولم أستسلم، كل ما فيّ كان ثائرًا، عروقي كلّها تنبض والدم يتدفّق كالنهر الجارف…
عندما استقرّت الشمس في كبد السماء وأناخت نصف رحلتها كنت قد شارفت على الوصول إلى مضيق الجبلين، شعرت بالارتياح ، فتوقفت عن الركض .كان أمامي نهر جار بماء عذب، فاغتسلت وشربت، كان طعم الماء معطّرًا برائحة الغاب، روائح الإكليل وعبق الزعتر واضحة… شربت مرّات، شعرت بالارتواء والامتلاء… ثقلت، أردت أن أركض فلم أستطع كان الماء يضطرب في بطني فيعيقني…

انتبهت إلى المكان، كان الشّجر الأخضر المورق محملاً بثمار صغيرة جدًّا في شكل التفاح، قضمت واحدة فأعجبتني، فانهمكت أجمع منها ، وأضع في زوّادتي لعلّها تكون غدائي في ذلك الهروب إلى المجهول….أكلت من تلك الثمار حتى شبعتُ، قيل لي بعد ذلك أنّها ثمار الزعرور، نبات حلو وحامض أحيانًا بعضه أصفر، وبعضه أحمر ينبت في المرتفعات الشمالية، وقيل لي إنّها “تفّاح الجنّ”… لم يكن يعنيني الاسم كثيرًا…
وتابعت سيري غير راكض… لم يعد يفصلني عن غايتي غير فراسخ معدودة…
بعد نصف ساعة كنت بين الجبلين، أطلّ على وهاد خضراء وسهول فسيحة، التفتُّ ورائي فتراءت لي “المنافيخ” وغرّافتها بعيدة قصيّة ، فلم أقدر على حبس صرخة فرح كانت ترفس أمعائي ، فنظرت إلى السماء كالذئب أريد الصراخ عاليًا لتسمعني الملائكة والشياطين… ورأيته…
 ماذا رأيت يا شيخ ؟! الملاك ؟!!!

تمزّقت صرختي في أحشائي، انكسرت عضلاتي المتشنّجة …وجفّ الريق في حلقي ، وانحبس النهر المتدفّق في عروقي ، ونبضت أوجاع الجروح وكدمات الطريق…

كان المخّاخ على غصن الشجرة، فوقي، يخبّئ رأسه تحت أجنحته، تحسّست مؤخرة رأسي، كان دماغي مازال يخفق… ربّما هي لحظاته الأخيرة قبل أن ينقلب وليمة للمخّاخ… سألت دماغي ” ماذا تراك تفعل الآن ؟
 أرشدني إلى طريق نجاتك… هل كنت تأمرني أن أركض نحو هذا المضيق لأشهد هذه النهاية ؟!! “

عدت إلى قدري الذي يعلوني فوق الغصن، كان يبدو نائمًا، يطلق صوتًا كالشخير.. سحبت جثّتي عبر الأحطاب والأغصان مثل ثعبان جريح وابتعدت، كنت أنتظر بين اللحظة والأخرى أن ينزل عليّ القدر من الشجرة فيفجّر رأسي، ويكسر عظامي، لذلك كنت أزحف وكفّي على دماغي… وماذا ستفعل تلك الكفّ الليّنة وتلك الأصابع الرقيقة أمام تلك الخناجر اليمنيّة التي رأيتها تمزّق جمجمة الرجل المصلوب… ابتعدت قليلاً عن موقع الشجرة، نهضت… كانت ركبتاي خائرتين، لكني قرّرت أن أركض ولو كانت ركضتي الأخيرة، على المؤمن أن يسعى والقدر بيد الله وحده، لا أدري من أين نزل على كل ذلك الإيمان… ولكنّي ركضت… وركضت…
اعترضني النهر مرّة أخرى، لا أدري إن كان هو نفسه النهر الذي اغتسلت فيه وشربت، ربما هو طرفه الآخر، وربما هو نهر آخر، لكني قرّرت أن أغتسل فيه اغتسال من قرّر لقاء ربّه….ارتميت فيه بعد أن تخلّصت من أثوابي، ونزعت عنّي أوساخ الدنيا وأدرانها، شعرت كأنه الضوء ينسرب إلى قلبي، فتحوّلت إلى كائن شفاف صاف مثل ماء ذلك النّهر، كان نهرًا عجيبًا خلّصني من كل خوف حتى أنني نسيت المخّاخ والمنافيخ ، وانهمكت أتقلّب في الماء أطارد قوافل الأسماك الصغيرة التي كان يجرفها التيار إلى الشمال وفجأة وأثناء لهوي الطفولي، سقطت عليّ شباك خشنة سرعان ما احتوتني مثل سمكة ضعيفة لا حول لها ولا قوّة، أحسست أن هناك من يسحبني بشدة… حاولت التملّص من تلك الشباك بدون جدوى.. توقّف السحب، مسحت عيني من الماء والأعشاب العالقة بي… كان صائدي رجلاً من أصحاب الوجوه الطويلة التي تركتها هناك، كان يقف أمامي وبيده حربة مدبّبة وهو يبتسم، مرت برهة وهو صامت ينظر إليّ محافظًا على ابتسامته قبل أن يقول :
ـ لقد وقعت أيّها الشقيّ….ألم نخبرك أنّه من دخل على أمّتنا لن يفارقها إلاّ إلى النار أو إلى الصلب ؟!!

تخلّصت من دهشتي وصدمتي ، وأجبت :
ـ ولكن هذا حرام، أنا لي أطفال تركتهم هناك ، وامرأة مسنّة لا تقوى على قضاء شؤونها، استحلفتك بالله وبالغرّافة التي تعبدون ، وبالبطل الذي تنتظرون ليخلّصكم من عدوّكم أن أتركني أعبر هذا المضيق.

ـ هذا وحق الغرافة العظيمة المستحيل، أنا حارس الحدود…. ولا أخون أمتي ما حييت، هيا انهض فأنت أسيري وغنيمتي في هذا اليوم المبارك.

جرّني إلى كوخ من قصب، وضع في معصمي ورجلي الأصفاد والسلاسل، وأغمض لي عينيّ بعصابة سوداء فلم أر شيئًا.

في تلك الليلة سمعت صائدي يئنّ وزوجته تنتحب…. ازداد أنين الرجل مع آخر الليل، كنت أسمع حركة الزوجة المضطربة، فهمت بقليل من الفطنة أن الرجل مريض ، وأنّ الزوجة حائرة في أمرها لا تدري ماذا تفعل في تلك الشعاب القصيّة وفي تلك الظلمة الحالكة…
أطلقت صوتي نحوهما :

ـ أيّتها المرأة إن كان زوجك مريضًا فأنا طبيب ويمكنني أن أشفيه ؟!
جاءتني صاحبة الأقدام المضطربة مسرعة وسمعتها تقول :
ـ هل أنت صادق في ما تقول. هل يمكنك أن تداويه ؟

قلت وأنا أتململ من وراء العصابة.

ـ بإذن الله، انزعي عنّي هذه العصابة أولا لأراه.
رَفَعَتْهَا عن عيني وأشارت إلى زوجها المستلقي في الركن ، فأشرتُ لها أن انزعي عنّي القيود، فأبت، فقلت : ” لا بأس، أسنديني حتى أصل إليه! “

تحسّست جبهته المتصبّبة عرقًا …فاشتعلت كفّي، كان محمومًا… قلت للمرأة ” إنّ الحمّى تكاد تقضي عليه، هيا آتيني ببعض أوراق الزيتون، سريعًا ” جاءتني بطلبي وأخذت تتابعني وأنا أسحب من زوّادتي قلمًا وأكتب على الورقة الأولى “عصت جهنّم”، وعلى الثانية “نحرت جهنّم” وعلى الثالثة “عطشت جهنّم”، أحرقت الأوراق ورقة ورقة بخّرت بها الزوج العليل ، وكتبت له حرزًا فيه سورة “الإخلاص”.

وأردفتها بخواتم ثلاثة علّقتها كلّها في رقبة الزوج ، وأمرت حليلته أن تضع كمادات الماء البارد على جبينه…

انقضت ساعات ثلاث، بدأ المريض يفتح عينيه….. تململ في فراشه، تهللت أسارير الزوجة وهي ترقب ابتسامة بعلها، تركته وعادت بشُربةٍ ساخنة، أخذتها منها ورحت أطعمه إلى أن اكتفى، ثم أسندته إلى الحائط… وسألته :

ـ كيف أنت الآن ؟

ـ أنا جيّد الآن… ماذا فعلت حتى أشفيتني من داء ذهب بصغاري السبعة.
ـ هو علم من عند الله ورحمة منه وتجارب من عبده.
سألني : بماذا سأجازيك ؟ فقلت :
ـ اتركني أرحل إلى صغاري.

صمت الرجل مدّة… اقتربت منه زوجته ووشوشت في أذنه ثم عادت إلى مكانها، فقال : لقد وهبتني حياتي وليس أحسن من أن أردّ لك هذا الجميل في هذه الليلة ، لأنّي لا أحسب أني بقادر على ذلك إن جاء الصباح وحضر أعوان القائد. هيا انهض وغادر في الظلام فأنت حرّ……

قامت الزوجة فرحة وفكّت قيودي… نهضتُ وقدّمت له من الزوّادة كتاب السيوطي : “الرحمة في الطبّ والحكمة” و”دعوة الأطبّاء” لابن بطلان و”شرح فصول أبقراط” لابن النفيس و”زاد المسافر وقوت الحاضر” لابن الجزّار.

ـ خذ هذه الكتب هي هديتي ستعينك في تجاوز مهالك المرض ، وتذكّر دائمًا قولة الحكيم الأكبر “لا تجعلوا بطونكم مقبرة للحيوان”.
فرح الرجل كثيرًا وأمر زوجته أن تملأ زوادتي ثمارًا وأعشابًا ، وعلّق في رقبتي حبلاً يتدلّى منه ضـرس غريـب وقال : ” هذا الضّرس ضرس بغل سيحميك من المخّاخ، ولن يقربك أبدا، وهذا سرّ لا يعرفه غيري، فاذهب ولا تخف من ذلك الطائر اللعين.”

كنت أسير وطيور المخاخ تحلّق فوقي ولا تقربني، كانت الصغار فقط تحطّ على كتفي ولا تؤذيني، كنت أغلق أنفي من رائحة ريشها النتنة، ظلّت تلك الطّيور تحرسني إلى أن عبرتُ جبالاً وقرى كثيرة : القنوات، الحِجّاج، الغموقات، ميّان، أولاد العقاب، قماطة، بوجليدة، جنان الجزائري، أولاد عرفة، أولاد خلّوف، صبيكلا، النخلات، لولاج، جبل الجبالية، جبل الريحان، خشّة شعبان، السبعة الرقود، الحُفرْ، خنقمورو، الرميل، مصراته، رياح، سيدي عياد، واد العرعار، الفراشيش، المحاوشية، كنانه [5] … وكانت تسكن هذه الأقاليم أمم غريبة ما رأيت مثلها قطّ – منها أمّة طوال خفاف زرق ذات أجنحة كلامهم فرقعة، ومنها أمّة أبدانهم كأبدان الأسد ورؤوسهم رؤوس الطير ، لهم شعور وأذناب طوال كلامهم دوي، ومنها أمّة لها وجهان قدامها وخلفها وأرجل كثيرة وكلامهم كلام الطير، ومنها الجنّ؛ومنها صفة الجن، وهي أمّة في صورة الكلاب لها أذناب وكلامها همهمة لا يفهم. ومنها أمّة تشبه بني آدم أفواههم في صدورهم يصفرون تصفيرًا. ومنها أمة في خلق الحيات الطوال لها أجنحة وأرجل وأذناب، ومنها أمة يشبهون نصف شق الإنسان لهم عين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة يقفزون تقفيزًا، وكلامهم مثل كلام الغرانيق ، ومنها أمّة لها وجوه كوجوه الناس وأصلاب كأصلاب السلاحف، وفي أيديهم مخالب، وفي رؤوسهم قرون طوال، كلامهم كعوي الذئاب ، ومنها أمة لكل واحد منهم رأسان ووجهان كوجوه الأسد طوال لا يفهم كلامهم…
وأغرب ما شهدت في تلك الأقاليم أمّة في خلق النساء لهم شعور وثدي وليس فيهم ذكر، تلقح من الريح وتلد أمثالها، ولها أصوات مطربة يجتمع إليها كثير من هذه الأمم لحسن أصواتها.

 أظنّك الآن ترميني بالخبل وخلق الأكاذيب ؟

ـ لا والله، بل أنا مندهش، لأنّ هذه الأمم ذكرها المسعودي في كتابه “أخبار الزمان” [6].
ـ وماذا قال عنها ؟!
ـ ذكر أنّها من الأمم التي خلقت قبل آدم عليه الإسلام، فهل تراها بقايا تلك الأمم التي حسبنا أنها اندثرت وأبيدت ؟!

ـ هل ذكر المسعودي شيئا آخر عنها ؟

ـ قال أنها ثمانٍ وعشرون أمّة ويقال إن هذه الأمم تناتجت فصارت مائة وعشرين أمّة ….ولم يزد عن ذلك.
ـ لا تطلب مني مزيدًا من التفاصيل عنهم. فالذاكرة بدأت تخونني في هذا الصقيع. قد أعود لهم في حكاية أخرى، لنعد إلى حكايتنا.
ـ وبعد، ماذا حصل معك ؟!!

ـ واصلت رحلتي مصحوبًا بسرب من المخّاخ يحرسني من وحشية تلك الأمم حتى أدركت الطريق المعبّدة. كانت الشاحنات والسيارات تمزّقها في سرعة جنونية، لم أعد أذكر شيئًا غير يدي الممدودة إلى الطريق تحاول أن توقف الضوء… كان الضوء المُعمي يتّجه نحوي مسرعًا. رفعت كفّي أحتمي منه، لكن… فات الأوان… كانت عظامي تتهشم تحت عجلات الشاحنة وانتهى الأمر…

لا أعلم كم من الأيام مرّت عليّ وأنا في غيبوبتي، عندما أفقت في ذلك الصباح كنت في ورشة نحّات عصبي يلسعني بكاويته الكهربائية، غالبت ألمي حتى انتهى من ترميمي، وضع بين يدي الكتاب ولسعني من جديد… أردت أن أقول له إنّ هذا التمثال الذي رفعته يشبهك ولا يشبهني بلحيته الشعثاء وعينيه اللوزيتين، فهل تراك كنت تروم تخليدي أم تخليد نفسك ؟ هل كنت بخلقك هذا تسعى إلى تذكير الناس بفكري أم بفنّك ؟ هل كنت تبنيني أم تبنيك ؟ كل ما أعلمه الآن أنّك تكويني فهل تراك تكْوِيكَ أيضا ؟!

مسح على رأسي مبتسمًا وغاب… حملوني بعدها إلى قاعدتي. وها أنا كما وجدتني أقضي نهاري أخاصر السائحات اللائي يقفن بجانبي لأخذ الصور التذكارية، وفي الليل يأتيني المنسيون لاسترجاع الحكايا ومراقبة دوران عقارب الساعة العملاقة [7] .

قم، يكفي هذه الليلة، لقد بدأت الحركة، وحانت الساعة، سأعود إلى قاعدتي ووقفتي ونسائي الجميلات…

انتصب ابن خلدون؛ رجلاً من الرصاص، حمل كتابه القدري وغاصت قدماه في قاعدة الإسمنت، لمعت قلادة ضرس البغل على صدره. خلعْتُ عليه برنسه وهممت، لا أدري ما الذي جعلني التفت إلى اللوحتين التذكاريتين أسفل التمثال لأقرأ على الرخامة الأولى :

تقديـرًا للفكـر
آمـر بإقامـة هـذا التمثـال
الرئيس الحبيب بورقيبة
انسحبت إلى الثانية :
ولي الدين عبد الرحمن ابن خلدون

732-806 1332-1406
IBN KHALDOUN
1332-1406
Philosophe، Historien، Sociologue
Romancier.

أضفت بعقب السيجارة المحترق

ظللت، وأنا أنطفئ في الشارع الحزين أتساءل عن النحّات الذي سها عن ذكر اسمه ليترك الشارع للعلاّمة والسلطان………


[1] رجل الرصاص : تمثال ابن خلدون بشارع الحبيب بورقيبة في قلب العاصمة التونسية.

[2] رواية “العلاّمة” للروائي والمفكّر المغربي سالم حميش

[3] محطة القطار الرئيسية بتونس العاصمة

[4] ذكره أبو حامد محمد الغرناطي في رحلته “تحفة الألباب ونخبة الأعجاب…” : “وعند صنعاء أمّة من العرب قد مُسخوا كل إنسان منهم نصف إنسان له نصف رأس، ونصف بدن، ويد واحدة، ورجل واحدة، يقال لهم وبار، هم من ولد إرم بن سام أخو عاد وثمود، وليس لهم عقول. يعيشون في الآجام (و) في بلاد الشجر على شاطئ بحر الهند، والعرب تسمّيهم النسناس، ويصطادونهم ويأكلونهم. وهم يتكلمون بالعربية (ويتناسلون) ويسمّون بأسامي العرب ويقولون الأشعار”. وذكرهم المسعودي في كتابه “أخبار الزمان ومن أباده الحدثان، وعجائب البلدان والغامر بالماء والعمران” : “ومن العجائب خلق النسناس وهو كمثل نصف الإنسان بيد واحدة ورجل واحدة، ويثب وثبًا ويعدو عدوًا شديدًا، وكان ببلاد اليمن، وربّما كان ببلاد العجم، والعرب تصيده وتأكله. وفي بعض أخبارهم أن سيارة وقعوا في أرض كثيرة النسناس، فصادوا واحدًا وذبحوه وطبخوه وكان سمينًا، فلما جلسوا يأكلونه قال أحدهم : لقد كان هذا النسناس سمينًا، فقال نسناس آخر، قد اختفى في شجرة بالقرب منهم : إنه يأكل السرو فلذلك سمن، فنبّههم على نفسه فأخذوه وذبحوه. فقال آخر من شجرة أخرى، قد اختفى فيها عنهم : لو كان عاقلاً صمت ولم ينطق، فأخذوه وذبحوه، فناداهم نسناس آخر تخبّأ في بعض خروق الأرض : إني قد أحسنت فلم أتكلّم فأخذوه وذبحوه، وكان لهم فيها قوت، فيقيل إنه يتغذى بالثمار والنبات، ويصبر على العطش”.

[5] قرى تونسية صغيرة تكاد تكون مجهولة حتى لدى التونسيين.

[6] المسعودي : أخبار الزمان ومن أباده الحدثان، وعجائب البلدان والغامر بالماء والعمران.

[7] كان ينتصب تمثال للرئيس الحبيب بورقيبة وهو يركب حصانه قبالة تمثال ابن خلدون في الطرف الآخر من الشارع.

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة