أصول الفلسفة اليونانية ومذهب اللذة والألم – إسماعيل مظهر (1)
هذا جوهر ما يراه الأستاذ فور من حيث علاقة حضارة اليونان بمصر خاصة، وما جاورها من الحضارات الأخرى عامَّة.
على أن لنا أن نذهب في رأي الأستاذ فور وما يماثله من الآراء كل مذهب، ولنا أن نقول بأن اليونان اقتبسوا من المصريين شرائع ومبادئ علمية في علمَي العدد والهندسة، وأنَّهم انتحلوا مذاهب دينية أو ميثولوجية أو فنية، وأنهم نحتوا وصوَّروا على مثال الفن الفرعوني القديم، لنا في مثل هذا أن نقول إنهم اقتبسوا شيئًا من مصر أو أشياء من مختلف الحضارات الأُخَر، فإن باب البحث في ذلك واسع وميدان التنقيب فسيح.
أمَّا في فروع الفلسفة فباب البحث ضيق، وميدان المقارنة والاستنتاج غير فسيح، ولك أن تنظر من ناحية واحدة في الطابع الذي اصطبغت به الفلسفة اليونانية، والطابع الذي ظهر جليًّا في آراء المصريين أو غيرهم من الأمم القديمة، التي يجوز أن نقول إن اليونان قد اقتبسوا من آرائهم الكونية لترى أن الفلسفة اليونانية كانت منذ نشأتها الأولى بعد أن اجتاز اليونان الدور الميثولوجي؛ ربيبة المدارس الزمنية، في حين أن كل فكرة نشأت في مصر وغيرها من الأمم ذوات الحضارات القديمة، وكانت تمت إلى الفلسفة بسبب إنما ترجع إلى أصل ديني نشأ بين جدران المعابد والهياكل، وحوطت بسياج من النزعة الدينية أفقدها الروح الفلسفي؛ أي روح التحرر من التقليد والمذهبية.
أما بدايات الفلسفة اليونانيَّة، بعد أن ألقحت حضارة اليونان بهذه العناصر الأجنبيَّة فلها وجوه أخرى، نمضي في ذكرها باختصار، لنعطي القارئ صورة موجزة منها.
أن أول حقيقة تصادفنا عند البحث في بدايات الفلسفة اليونانية، أنها نشأت في المستعمرات الأيونية Ionian في آسيا الصغرى، لهذا نجد أن الفلسفة اليونانية لم تخلص في كل أدوار نشوئها وتطورها من الصبغة الشرقيَّة، التي تظهر في كثير من نواحيها، سواء أفي الشكل أم في الموضوع، وسواء أبلغ هذا الأثر من الرجحان والوزن الدرجة التي يذهب إليها بعض المؤلفين أمثال «روث Roth» و«غلاديش Gladiech» أم كان غير ذي أثر كبير كما يقول «زلر Zeller» وغيره من الذين ألفوا في تاريخ المذاهب، فإنَّ المحقِّق عند «ترنر Turner» أنَّ الفلسفة اليونانية قد اختصت منذ البداية بروح كانت في طبيعتها هلينية Hellenistic لهذا نجد أن اليونان قد نظروا في الكون عند أول تأملهم في الكونيات بعين لم تغشَ عليها المجازات ولا الأساطير.
أما الفرق بين فلسفة الشرق، والبدايات الفلسفية الأولى في بلاد اليونان كما وضعها فلاسفة الطبيعة في إيونيا فعظيم، كالفرق بين غابات الهند القديمة التي نشأت في ظلالها صور الفلسفة الشرقية القديمة، وبين شواطئ البحر المتوسط الزاهية العليلة الهواء.
على أنَّ الدين عند اليونان لم يؤثر في الفلسفة إلا من طريق غير مباشر، ذلك بأن العقائد الدارجة كانت من البساطة بحيث تعجز تأملاتها وتصوراتها وأخيلتها عن أن تؤثر في عقل الفيلسوف تأثيرًا يثبت فيه على الزمان، ومن هنا كان الأثر الذي خلفته العقائد في بلاد اليونان منابذًا في طبيعته للفلسفة.
ولكنك على الرغم من هذا تجد أن العقائد الدارجة قد استطاعت أن تحتفظ في العقل اليوناني ببضعة تصورات، ظلت حيَّة فيه، ومن هذه التصورات تخيُّل «الصورة» والإحساس بالتناسق، وكان هذا باعثًا من أقوى البواعث التي تضع الفيلسوف، الذي يريد أن ينظر في حقائق الأشياء كما هي كائنة؛ موضعًا يتعذر عليه فيه أن يستقل بنظره الفلسفي تمامًا أو أن يفْسُق كليَّة عن هذه التصوُّرات، ولا يجعل لها من عقله وتأملاته نصيبًا.
ومن هذه السبيل وحدها استطاعت الديانة اليونانية أن تُوَلِّد في التأمل الفلسفي رغبة ملحَّة تدفعه إلى النظر الكلي؛ أي في الكليات، وكانت تلك الرغبة في عصور التأمل عند اليونان عضدًا قويًّا، ساعد الفلسفة اليونانية على أن تبلغ قمتها العليا وأن تصل إلى غايتها القصوى.
على أنَّ الدين اليوناني استطاع من ناحية واحدة أن يغذِّي الفلسفة اليونانيَّة من طريق مباشر؛ إذ أمدَّها بفكرة «الخلود» وهي عقيدة احتفظت خلال كلِّ التطورات الفلسفية التي تناوبت عليها بأصلها اللاهوتي. فإن أفلاطون مثلًا يُشير إلى أنها فكرة ترجع إلى الأسرار الأورفية Orphic وهي أسرار امتزجت فيها التأمُّلات بالعقائد.
كذلك وجدت الفلسفة اليونانية في الشعر — كما وجدت في العقائد الدينية — أداة للتعبير عن طبيعتها، فإن التأمل الفلسفي في أدق معانيه، قد سبقه في الوجود محاولة «التصور» أن «يصور» لذاته أصل الكون ونشوئه، والدليل على هذا أن هوميروس قد صور في أشعاره أمثالًا من الشخصيات الأخلاقية؛ فإن آخيل يمثِّل الخلق الثابت الذي لا يقهر، وهكتور يمثل الشجاعة والفروسة، وأغاممنون يمثِّل الهيبة الملكية، ونسطور يمثِّل الخلق الهادئ الرصين، وأولسيز يمثِّل الخلق الحريص اليقظ، وفنلوب يمثِّل خلق الأمانة والولاء الكامل، وهكذا.
أما «هسيودس Hesiod» فقد حاول لأوَّل مرة في تاريخ اليونان أن يكوِّن فكرة بدائية في نظام الكون، على أن كونيَّاته قد لبست ثوب الثيوغونية Theogony ويقصد بها البحث في نشأة الآلهة عند الأقدمين، ومن هنا كان السبب الذي صرفه عن الكلام في نشوء الأشياء بالعلل الطبيعية.
فإذا انتقلنا إلى الكونيات الأورفيَّة Orphic cosmogony ألفينا أنها اتَّخذت من أقوال هسيودس الثِّيُوغُونية أساسًا تقوم عليه، والدليل الثابت على صحَّة هذا القول أنَّها لم تتقدم خطوة واحدة بعد هسيودس، هذا إذا جارينا الكثيرين من أعلام الباحثين في العصر الحديث، ولم نَنْسب إلى الأورفية تلك المذاهب الكونية التي يعتقد هؤلاء الأعلام اعتقادًا جازمًا بأنها ترجع إلى عصر بعد عصر أرسطوطاليس.
أما «فريقيذيس الصوروسي Pherecydes of Syros» (حوالي سنة ٥٤٠ق.م) فقد سمَا بالطريقة العلمية إلى سمت آخر لم يبلغه الذين تقدموه، فإنه يقول إن «زيوس Zeus» و«إخرونوس Chronos» و«إخثون Chthon» هم بداية كل الأشياء، وهذه الفكرة البسيطة هي الأصل الأول الذي صدرت عنه فكرة نشوء الأشياء من العناصر مع الزمان.
ولقد أخفى الشاعر هذه الفكرة وراء رموز وإشارات، فعزى ظاهرات الطبيعة إلى الآلهة لا إلى عوامل طبيعية، منتحيًا طريقة لا يسلم بها العقل، وإن أمكن تخيلها تخيلًا.
فإذا نظرنا بعد ذلك في بدايات الفلسفة الأدبية، وقعنا عليها في الشروح التي عُلِّق بها على أشعار هُوميروس وفيما خلف الشعراء الغنوميون Gnomic Poets أي «شعراء الحكمة» الذين ظهروا في القرن السادس قبل الميلاد، وبخاصَّة في الأقول المنسوبة إلى الحكماء السبعة Septem Sapientis على الرغم من أنَّ هذه الأقول قد اصطبغت بصبغة «كلبية»،٢ وتروى من تجاريب الحياة ما يدعو إلى الإعجاب الشديد، هذا إذا صحَّ أنَّ هذه الأقوال قد كتبت حقيقة في ذلك العصر البعيد، ذلك بأن كثيرًا من البحثة المجربين يشكون في نسبتها إلى العصر الذي تُنسب إليه.
على هذا كانت الفلسفة اليونانية في بدايتها، أما الأدوار التي قطعتها بعد ذلك فتنقسم في الغالب ثلاثة عصور:
- الأول: الفلسفة قبل سقراط.
- الثاني: سقراط والمدارس السقراطية.
- الثالث: الفلسفة بعد أرسطوطاليس.
ففي العصر الأوَّل شُغلت الفلسفة بدرس الطبيعة، وأصل الكون فكانت في ذلك عند حد قول المحدثين فلسفة موضوعية Objective Philosophy.
وفي العصر الثاني رد سقراط الفلسفة إلى مجرد تأمُّل Contemplation أو بالأحرى مجرد نظر في حياة الإنسان الباطنة أو النفس الإنسانية، وهو عصر امتزجت فيه الناحية الموضوعية Objective بالناحية الذاتية Subjective.
أما في العصر الثالث فقد تسودت على الفلسفة النزعة الذاتية دون الموضوعيَّة، فإن الرواقيين Stoics والأبيقوريين Epicureans قد شغلوا بالإنسان ومصيره، حتى لقد ضحوا في سبيل ذلك بكل اعتبار للكونيات والغيبيات Metaphysics.
والقورينيون الذين نخصهم بالبحث في هذا الكتاب، شعبة من المذهب السقراطي، وبذلك يكون مذهبهم تابعًا لمذاهب العصر الثاني من عصور الفلسفة اليونانية، ومؤسس هذا المذهب أرسطبس القوريني، من تلاميذ سقراط، ومن أقران أفلاطون، ومن معاصري أرسطوطاليس المعلم الأول، وأما مذهبه الأخلاقي فثابت من حيث الجوهر ولا نزاع فيه، مثله كمثل التطور من حيث إن التطور أساس لنشوء الصور الحية، ولكن التفاصيل تختلف، والتعاريف تتنافر، والتطبيق يخضع دائمًا لمقتضيات كل عصر من العصور، لهذا أجد من الضروري أن أختم هذا البحث بتأملات تدور حول المذهب، قد يحتمل أن تكون كلها أو بعضها موضوعًا للمناقشة والبحث، خلصت بها من إكبابي على درس هذا المذهب، وتعتبر مكملة لأصل البحث، وإليك هي:
إن تحصيل اللذة الراهنة — كما يقول أرسطبس — هي القاعدة في الحياة على الضد مما يقول «كانت Kant»، على أن الفارق بين الاثنين أن فلسفة «كانت» تختطُّ للإنسان خطة في حساب النفس، يرجع فيه إلى الضمير، والتساؤل عند مباشرة أي عمل: «أيجوز أن يكون هذا العمل قانون الإنسانية الأدبي؟» «وهل ينطبق هذا العمل على ما تجيز الفضائل؟» في حين أن فلسفة أرسطبس لا تتقيد إلا بالمشاعر التي تستولي على النفس في ساعة بعينها، فتحصيل اللذة الراهنة سواء أكانت لذَاتها أم للتحرر من ألم عارض، هي عنده قاعدة الحياة وناموس السلوك.
إذا استولت اللذة (إيجابًا) أو التحرر من الألم (سلبًا) على الإنسان وهو يزاول أي عمل من أعمال الحياة، فإن صوت ضميره يخفت تمامًا، حتى إذا تم الفعل، وكان على غير ما تجيز شرائع الآداب أو العرف استيقظ الضمير، وأخذ يحاسب النفس على ما اقترفت من استسلام للشهوة، فالضمير قوَّة ثانوية، والشهوة قوَّة أولية، غير أن أرسطبس احتاط لهذا، فقال بأن اللذة لا يجب أن تكون مرجوحة بالألم الذي يعقبها من حساب الضمير.
•••
عبثًا يحاول الإنسان أن يوقظ ضميره، إذا استولت عليه الشهوة، وعلى قدر ما تكون قوة استيلاء الشهوة على الإنسان يكون عجز إرادته عن إيقاظ ضميره، ليصدَّ عن فعل بعينه أو ليحضَّ عليه، ففي بعض الحالات يخفت صوت الضمير بل يَكْمن ويستخفي، وفي غيرها يعي بعض الوعي، وفي ثالثة يصارعك فإمَّا له وإما عليه، وهذا على نسبة ما يكون تحكُّم الشهوة في المشاعر.
إنَّ تحصيل اللذَّة الراهنة قد يكون متجهًا لما نعتبره خيرًا وللخير الأسمى، كما يكون متجهًا لما نعتبره شرًّا وللشر الأدنى، والإنسان في كل الحالات خاضع للشهوة أولًا، فإذا استقوت وكانت بواعثها مما لا يمكن قمعه تغلَّبت، وإذا لم تستقوِ فشلت، ولكن الشهوة على كل حال أكثر انتصارًا، وأقل من الضمير اندحارًا، والشهوة للخير أقل من الشهوة للشرِّ — كمًّا وكيفًا — مع تقدير اعتباري الخير والشر في مفهومنا، كما أن للشهوة منازل ودرجات أبان عنها أرسطبس في مذهبه كلَّ بيان.
ومما يدل على أنَّ الشهوة أقوى من الضمير فعلًا في النفس، أنَّ الضمير لا يستيقظ إلا نادرًا، وبعد وقوع الفعل في الغالب، وأنَّ استيقاظ الضمير لا يكون إلَّا لقمع شهوة تقوم في النفس، أو محاسبة على فعل أتته خضوعًا لشهوة ما، فالشهوة إذن أقوى من الضمير أثرًا في السلوك الإنساني، وإذا قلت بأنَّ كل أعمال الناس أثر من آثار الشهوة، أو بالأحرى إن أعمال الإنسان شهوات، توضع موضع التنفيذ؛ كنت أقرب ما يكون من الواقع.
•••
يحتاج الضمير إلى حكم العقل أولًا ليستيقظ؛ فإنَّ الحكم على فعل من الأفعال بأنَّه مخالف أو موافق لشرائع الآداب، يحتاج إلى موازنة العقل، والعقل قد يخطئ كما أن حكمه نسبي اعتباري، يختلف باختلاف الزمان، وباختلاف الأفراد، وباختلاف الجمعيات.
ثم إنَّ العقل خاضع في غالب أمره للتقاليد والوراثة والأوضاع التي درجت عليها كل جماعة من الجماعات، وإذن فالضمير خاضع لجملة من المؤثرات، وهو عرضة لتضارب أحكام العقل، أو للأخطاء التقليدية التي ورثت ولبست مع الزمان ثوب القداسة، فقد اتفقت كل الشرائع وتقاليد الجمعيات الإنسانية المتحضرة على أن القتل جريمة، ولكنَّه جائز في الحروب، فيقتل الناس بعضهم بعضًا من غير أن يتحرَّك الضمير بوازع يصدُّ الإنسان عن ارتكاب هذه الجريمة.
والسبب في هذا أنَّ الضمير يخضع للتقاليد والأوضاع، وهنا تستولي شهوة القتل على النفس غير متورعة عنه بصورة من الصور، وإذا فرضنا أن القتل في الحرب دفاع عن النفس — كما يذهب البعض — فليس الدفاع عن النفس إلا فعل عكسي أصيل، لا يلبث أن يتحول سراعًا إلى فعل عكسي٣ متحوِّل، هو حب القتل والفتك بالأرواح خضوعًا لمقررات پافلوف، كما أنَّ الدفاع عن النفس ليس كل ما في الحرب من باعث، فقتل الأسرى والضعفاء والنساء والأطفال والتخريب وقذف المدن التي تجرَّدت من وسائل الدفاع بالقنابل المدمرة، شهوة تستولي على المحاربين بعد أن يَنْقَلِبَ حبُّ الدفاع عن النفس إلى فعل عكسي متحول — كما أوضحنا — وإذن يصبح القتل في الحرب شهوة، والشهوة تدفع إلى تحصيل لذة الفتك وسفك الدماء، وهذه هي لذَّة الساعة التي أنت فيها، أو اللذة الراهنة كما اصطلحنا أن نسميها.
•••
على الضدِّ من الضمير في احتياجه إلى أحكام العقل، تجد أن الشهوة لا تخضع للعقل، بل هي ثائرة ملحَّة، ترمي إلى غرض معيَّن لا يمكن بحال من الأحوال إذا استقوت على المشاعر أن يقرب الغرضَ الأصلي الذي ترمي إليه غرضٌ آخر، مهما كان في الغرض الذي ترمي إليه من تنافر مع أحكام العقل، ومهما كان في أيِّ غرض آخر من اتفاق مع المنطق السليم؛ إذن فالشهوة هي القوة المحتكمة في أفعال الإنسان، وتحصيل اللذة الراهنة هي القاعدة التي يجري عليها سلوك الإنسان ويخضع لها.٤
إذا كان اللذة والألم أصلَين ضروريين في الحياة، وإذا كانت الحياة الإنسانية قد قيدت آدابها ببواعث الشهوة التي تدفعنا إلى تحصيل اللذة الراهنة، فهل من أمل في تقويم الخلق البشري، بأن يتحرُّر من انفعالاته وشهواته إلى درجة يستقوي فيها حب الخير على الشر، وتستعلي فيه الفضيلة على الرذيلة؟ سؤال يجب أن نفكِّر طويلًا قبل أن نحاول الإجابة عليه.
ولكن لا بد من الرجوع إلى تاريخ نشوء الإنسان من الحيوانات التي هي أحطُّ منه، ليمكن أن نعرف إن كان الإنسان سائرًا في تطوره نحو الارتقاء الشعوري، أم أن ارتقاء العقل فيه، قد تابعه تطور في العواطف والانفعالات والشهوات، أشعلها وجعلها تُخْضِع العَقْل إخضاعًا.
ولكن الظاهر أنْ لا علاقة بين تطوُّر العقل وتطور المشاعر، فكلاهما — على ما يظهر — يرتقي ويتطور في ناحية بعينها، ولا شك في أن المشاعر تنتحي في تطورها السمت الأعلى من فضائل الأخلاق، على ما تحتاج الطبيعة البشرية أن تكون الفضائل الخلقية باعتبار الزمان والمكان.
ولا شبهة في أن الحيوانات العليا من الرئيسات Primates تحوز كل الصفات التي نراها في الإنسان، ولكن بدرجة أقلَّ، فهي تتفق مع الإنسان في أنَّ لها غرائز وميولًا وعقولًا وانفعالات وشهوات، غير أن هذه الظاهرات فيها أحط منها في الإنسان، والدليل على هذا أن حس الجمال في الإنسان أقوى، والمطامع أطغى، والآمال أوسع وأشهى، واتصال الإنسان بالمستقبل البعيد صفة تفقدها الحيوانات، حتى القرود العليا، أبناء عمومتنا الأقربين. وكثيرًا ما يتطور إحساس الإنسان من حيث صلته بالمستقبل إلى صورة من الجشع الاجتماعي تقوي انفعالاته وتوقظ شهواته. لهذا نحكم بأن الإنسان سائر نحو المادية الأدبية، ونقصد بها تغلب الشهوات على الحِسِّ الأدبي، والتخلُّص من محكمة الضمير على مقتضى حاجات الزمان والمكان، وتحكم الاقتصاديات الرأسمالية.
•••
يدلنا على أنَّ الإنسان آخذ في سبيل التخلُّص من محكمة الضمير أنَّ أكثر المرافق التي تكوِّن حضارة الإنسان، كالتجارة والصناعة والزراعة ونظام الأحزاب والديمقراطيات بأنواعها والحريات على مختلف ألوانها؛ أكثر ما تحرِّكها الانفعالات، وتقودها الشهوات، وتحتكم فيها المطامع والأغراض، وأقلَّ ما تكون خضوعًا لمحكمة الضمير، ولو أن إخضاع هذه المرافق لمحكمة الضمير أجدر بالنوع البشري وأجدى، ولكنك لا تجد لها من أثر، إلا في المثاليات دون الواقع.
ولا نريد بهذا أن نقول إنَّ تحصيل اللذة الراهنة هي القاعدة المثلى الجديرة بحياة الإنسان الأدبيَّة، باعتباره إنسانًا، على ما يدرك من هذا المعنى في أرفع منازله، بل نقول: إنها القاعدة الضرورية، وبهذا نستطيع أن نعلل الأوامر والنواهي التي جاءت بها الأديان، فلما كانت الشهوة أقوى ما يستولي على النفس كان لا بد لقمعها من مؤثر آخر يوازنها قوة وأثرًا، فلجأت الأديان إلى الإيمان توقظه في النفس، فإذا استيقظ غرست فيه نواهيها وأوامرها، وهنالك يقوم العراك بين نواهي الإيمان وبين بواعث الشهوة، ومع الأسف أن بواعث الشهوة لا تزال في الكفة الراجحة حتى اليوم، وبين كل شعوب الأرض قاطبة.
•••
ولا يقمع الشهوة إلا الإيمان؛ إذن فالنوع البشري يحتاج إلى الإيمان، الإيمان في الدين؛ لأنَّ الدين بلا إيمان لا أثر له في خارج النفس، ويحتاج إلى الإيمان في بقية مرافق الحياة، في العلم والأدب والفنِّ والفلسفة، وفي السياسة والتجارة والصناعة والزراعة، وعلى الأخصِّ الإيمان بقدسية الحياة الإنسانية، وحريتها وحقوقها وواجباتها، فإننا بالإيمان نستطيع أن نقمع كثيرًا من الشهوات التي تفسد علينا الحياة الآن.
•••
وبقدر ما نحتاج إلى الإيمان نحتاج إلى الشكِّ؛ لأنَّ التسليم بلا شك قاعدة فاسدة الأساس، بل نستطيع أن نقول إن الإيمان لن يكون تسليمًا على إطلاق القول، وما ندعوه إيمانًا في الغالب، ليس إلا تسليمًا أساسه حمق وغباء وتقليد ليس من الإيمان في شيء.
•••
وقد يخيَّل إلى الذين لم يستعمقوا في درس الفلسفة أن أرسطبس إنما يدعو إلى اتباع الفلسفة التي توحي بها فكرة تحصيل اللذة الراهنة، كيفما كانت هذه اللذة، وعلى أية صورة وقعت، وأنه يرى أن هذه القاعدة هي القاعدة المثلى في السلوك الأخلاقي، ولكن الحقيقة على نقيض ذلك؛ فإن أرسطبس إنَّما يقول بأنَّ تحصيل اللذَّة الراهنة ضرورة نفسية، نخضع لها قسرًا عنَّا، وأنَّ الاعتراف بذلك خير من نكرانه؛ لأننا باعترافنا وإدراكنا حقيقة كياننا، نستطيع أن نرفِّه شيئًا من حدَّة ميولنا، وأن ننظمها ونروضها على أن تتحول إلى فعل الخير على قدر المستطاع، ذلك على الضدِّ مما نكون، إذا أهملنا الاعتراف بها، ومضينا نقول بأن حكم الضمير كافٍ للتهذيب، من غير أن نعير الشهوة وأثرها في الحياة؛ التفاتًا، فالفرق بين أرِسْطُبس وكَانْت ينحصر في أنَّ الأوَّل يعترف بالواقع، والثاني يدعو إلى المُثل العليا.
•••
شاء القدر أن يظل مذهب أرسطبس غير معروف عند العرب إلا لمامًا، شأن أكثر المذاهب التي تفرعت عن دوحة سقراط العظيم، وشاء القدر أن يحاول أرسطوطاليس أن لا يذكر اسم أرسطبس، بالرغم من أنه ناقش في مذهبه مناقشات طويلة في كتابه «الأخلاق إلى نيقُومَاخُس»، بل وأخذ ببعض مبادئ المذهب القوريني، فحورها وأدمجها في مذهبه، وشاء القدر أن لا يذكر بَرْ تِلمي سَنْتِلير هذا المذهب في المقدمة المستفيضة التي وضعها لترجمة كتاب أرسطوطاليس في الأخلاق تعيينًا، كما أنَّه لم يناقش مذهب الرُّوَاقِيِّين، الذين هم فرع من دوحة أرسطبس، وحلقة انتقال في المذاهب الأخلاقية، أساسها المدرسة القورينية، وهم أقرب إلى السقراطية من أرسطوطاليس.
«وما كان أرسطبس بأوَّل فيلسوف أساءت إليه الأقدار، وما كان أوَّل إنسان ظُلم حيًّا وميتًا.»
قال الكاتب الإنجليزي الأشهر جون مورلي في أول ما كتب عن حياة «كوندورسيه Condorcet»:
من الزعماء الذين أشعلوا نار الثورة الفرنسويَّة وغذَّوْها بوقود الفكر والعمل، لم يبقَ سوى كوندورسيه ليجني أول ثمراتها المريرة، فإنَّ الذين أثاروا العاصفة لم يكونوا بعد بين الأحياء، ليلفح وجوههم ريحها العاصف، ولم يبقَ إلَّا كوندورسيه ليواجه العاصفة، فتلقيه صريعًا.
كان فولتير قد مات، ولحق به ديدرو، وروسو، وهلفتيوس، ولكن كوندورسيه بقي حيًّا، بعد أن أخذ بضلع في أعداد الإنسيكلوبيدية، ليشغل مقعدًا في الجمعيَّة الوطنيَّة أثناء الثورة، وبعد أن عاون كوندورسيه الذين غرسوا شجرة الثورة، شيعهم الواحد تلو الآخر إلى مضاجعهم الأخيرة، وشاء القدر أن يظل حيًّا، ليجني ثمرات ما غرست يداه وأيديهم.
قلما تجد في تاريخ العظماء اسمًا أتعس من اسم كوندورسيه، وعلى الرغم من أن الذين أحاطت بهم التعاسة، وحاق بهم نكد الطالع كثيرون، فإنَّ أكثرهم قد جر التعاسة إلى نفسه بيده، أما كوندورسيه الرجل المحب للخير بطبعه، فإن ظروف حياته وضعته موضعًا لم ينل فيه رضاء فئة من النقاد الذين كتبوا في تاريخ الثورة الفرنسيَّة، فهو كمفكر يُعد من الاقتصاديين غالبًا، وكرجل سياسي يعد من زعماء الجمعية التشريعيَّة الأولى، ثمَّ من رجال الجمعية الوطنية الثوريَّة.
لم يجعل له موقفه هذا بين رجال الاقتصاد ورجال السياسة من نصير بين النقَّاد الذين كتبوا في تاريخ عصره، فإنَّ الذين دافعوا عن الجمعية الثورية، قد أجمعوا على كراهية الاقتصاديين، والمؤرِّخين الذين دافعوا عن سياسة «تيرجو Turgo» وأتباعه، كانوا من أقسى الذين حملوا على الجمعية الثوريَّة، وبخاصة بعد أن امتدَّ فيها نفوذ فرنيو ودانتون وربسبيير، واستأثروا بالسلطة فيها، وفي فرنسا بالاستتباع؛ لهذا ظل اسم كوندورسيه نسيًا منسيًّا، وقد أسدل عليه من تطرُّف الحزبين في التنابذ حجابًا مسدولًا.
وما أرسطبس بين القدماء إلَّا نفس كوندورسيه بين المحدثين؛ فإنَّ توسُّط مذهبه بين مذهبي أفلاطون وأرسطوطاليس أوقعه في موقف أشبه بموقف كوندورسيه بين رجال الاقتصاد ورجال السياسة في فرنسا؛ فإنَّ دعاوة أفلاطون ضد العلوم العمليَّة، وقوله إنها لا تفيد إلَّا بقدر ما تهذِّب النفس، وتكون وسيلة للفضيلة، ودعوة أرسطوطاليس إلى القول بأن الخير الأعلى الذي يجدر بالإنسان أن ينشده هو فاعلية النفس، على أن تكون هذه الفاعلية مقودة بالفضيلة؛ لم يجعل لمذهب أساسه اللذَّة الراهنة من موضع، مع ما حوَّط به المذهب من المبادئ السامية، والتأملات العميقة، كذلك كان تسوُّد مذهب أرسطوطاليس حتى نهاية القرن السابع عشر تسوُّدًا تامًّا في كل فروع المعرفة؛ سببًا في أن يظل اسم أرسطبس نسيًا منسيًّا، ولكن غالب الظنِّ على أنَّ الزمان سوف ينصف هذا الفيلسوف العظيم، ولعلَّ ناشئتنا توجِّه جهودها نحو الإكباب على درس المذاهب القديمة التي نبذها العرب، ولم يصلنا منها عنهم إلَّا نتفًا وأقوالًا مقتضبة أو إشارات لا تجدي ولا تغني من الحق شيئًا.
إنَّ حاجتنا إلى درس المذاهب القديمة كبيرة، وبخاصة المذاهب الأدبية التي ظلَّت بيِّنة الطابع في جميع ما ظهر من المذاهب الأخلاقية في الأعصر الحديثة، على أننا لا ننكر أنَّ العلم الحديث منذ عصر غليليو قد أطفأ الأنوار العلميَّة التي أشعَّت من جنبات العالم القديم، ونعني بالعلم العلمَ التجريبي العمليَّ، أما نظريَّات الأخلاق فلا نظنُّ أنَّ المحدثين لهم فيها من فضل بقدر ما لليونان.
يجب أن تقوم كلُّ نهضة على أساس، وأساس نهضة الشرق العربي مذاهب اليونان في الفلسفة عامة، ومذاهب الأدب العربي خاصة، أما من ينكر ذلك فمأخوذ ببهرج كاذب.
•••
بقي علينا أن نزيد إلى ما تقدَّم بضعة أسطر في التعريف بالمنبع الذي استقينا منه أصول هذا البحث، والطريقة التي اتَّبعناها في تأليفه، أما المنبع الأصلي فقد اعتمدنا فيه على الأستاذ تيودور جومبرتز الألماني، فقد نقلنا عنه كثيرًا من الأصول التي استندنا إليها، ثمَّ رجعنا إلى مراجع أخرى وتفسيرات عديدة وشروح واسعة على الفلسفة اليونانيَّة، فأخذنا منها كل ما يتعلق بالمذهب وأثبتنا بعضها كتعليقات يُرجع إليها عند الحاجة إلى الدرس والمقارنة، ثم سقنا البحث على طريقة ردِّ كلِّ فكرة أو نظريَّة أو حقيقة إلى مصدرها، ثم علقنا على ما وجدنا أن الضرورة تقضي بالتعليق عليه، وشرحنا ما يجب شرحه، ونقدنا ما يجب نقده، وزدنا إلى ذلك كثيرًا من البحوث والنقود والمقارنات المبتكرة، التي لم نجد لها من أثر في المراجع التي رجعنا إليها، وبخاصَّة المقارنات والنقود التي سقناها في الموازنة بين أرسطبس من ناحية، وبين أفلاطون وأرسطوطاليس وسقراط من ناحية أخرى.
كذلك لم نألُ جهدًا في الرجوع إلى الكتب القديمة إذا اضطررنا عند الاستطراد في البحث إلى ذلك، مثل كتب أفلاطون وزينوفون وديوجنيس لايرتيوس وغيرهم.
هوامش
(١) سبق أن نشرت السياسة الأسبوعية جزءًا من هذا الفصل وإليها يعود الفضل في انتباهنا إليه، وقد أعدنا مراجعته على الأصل وأصلحنا فيه بعض الشيء قبل إثباته هنا.
(٢) نسبة إلى الكلبيين Cynics ولهم مذهب معروف في الفلسفة اليونانية.
(٣) راجع «حلقات وصل بين الأنانية والغيرية»، و«تأصيل مشاعر الغيرية ومذهب پافلوف» في الفصل الخامس من هذا المؤلف.
(٤) يقول مكدوجال: «لا يغرب عنا أن العقل قد يمثل دورًا ذا بال، ولكنه لا يلبث أن يلقي على المشكل الذي يواجهه ضوءًا جديدًا، حتى يبعث شهوة جديدة، أو يوقظ أخرى كانت نائمة.»





