رائحة البارود – حسين بن قرين درمشاكي-ليبيا
كان عبق البارود العتيق يتغلغل في الهواء، كأنه أطلال حربٍ لم يمحها الزمان، يمتزج بعبير الياسمين الذابل الذي يهمس عن حياةٍ مضت. جلس نصر العجوز على كرسيه الخشبي المتهالك. يده ترتجف كغصنٍ منهكٍ في عصف ريحٍ قديم، وهو يرفع فنجان قهوته. كانت عيناه التائهتان تبحران بين صورٍ معلقة على الجدار لشبابٍ تفيض وجوههم بالحياة، ونافذة موحلة تطل على شارعٍ يعتريه الصمت.
فجأة، انبعث من الغرفة المجاورة نحيبٌ خافتٌ لطفل، فانتفض الرجل، وهوى جسده المثقل على الكرسي. وضع الفنجان على الطاولة، وأمسك بإطار صورةٍ باهتةٍ لولدٍ يافعٍ يرتدي بذلةً عسكرية، ووسامٌ قديمٌ يلمع على صدره كأنه شمسٌ غاربة. مرر إبهامه على ملامح وجهه الباسم، ثم احتضن الصورة إلى صدره.
خارج المنزل، تجمعت نسوةٌ ارتدين السواد، يتناقلن همساتٍ كأنين الريح. رفع رأسه.أرخى الصورة عن صدره.وضعها على الطاولة بجوار فنجان القهوة الفارغ. أمسك بمفتاحٍ صدئ، وفتح صندوقاً خشبياً صغيراً، فخرج منه أريجُ الذكرياتِ الأليمة، ووضع الصورة في جوفه. نهض ببطء، وفتح الباب، وخرج إلى الشارع، تتبعه عيون النساء في صمتٍ ثقيل، تاركاً خلفه عبق البارود والياسمين وذكرى لا تموت.






