مقالات فكرية

الحرية بوصفها رئة الإبداع: عماد خالد رحمة | برلين

صورة شخصية لرجل في بدلة رسمية يظهر بابتسامة، مع خلفية داكنة.

لم يكن الإبداع يوماً فعلاً منفصلاً عن الحرية، بل هو أنفاسها ولحمتها وسداها. فحيث تُكمَّم الأفواه وتُكبَّل العقول، يخبو الخيال، ويتحوّل الفكر إلى صدى باهت يكرّر ما كان. أمّا حين تُطلق الروح من أسرها، وتتنفس نسيم الانعتاق، يتفجّر الخيال إبداعاً، ويغدو العقل قادراً على إعادة صياغة العالم، لا تكراره فقط. إنّ العلاقة بين الحرية والإبداع ليست مجرّد تقاطع عابر، بل هي صيرورة تكاملية، إذ لا يثمر الإبداع إلا في مناخٍ حر، ولا تزدهر الحرية إلا حين تُترجم إلى فعلٍ خلّاق يضيء الوعي ويُجدّد المعنى.

لا يمكن أن تتم عملية الإبداع الحقيقي إلا بوجود الحرية الحقيقية، كون العلاقة بين الحرية والإبداع علاقة مترابطة ومتكاملة. فالإبداع هو الإتيان بجديد والتعامل مع المألوف بطريقة غير مألوفة، كما أنّه إعادة تقديم الماضي في صورة مبتكرة مفيدة وأصيلة ومقبولة اجتماعياً. وهو مبادرة يقدّمها المبدع بما يملك من قدرة على الخروج من التسلسل العادي في التفكير إلى مخالفة كلية.

من هنا نؤكد أنّه لا إبداع بلا حرية؛ فالحرية بما هي طاقة قادرة على التحرر من القيود المادية والمعنوية التي تكبّل الإنسان، هي الضمان الوحيد لإبداع حقيقي، يقترب من الواقع ويأخذ في الحسبان ثوابته وضوابطه، لكنه في الوقت ذاته يفتح المجال لانطلاقة خلّاقة، تستجيب لتغيرات العالم الواسع من حولنا.

في جوهر الأمر، الحديث عن الحرية والإبداع هو حديث عن الإنسان وكينونته. فالهدف الأول والأساسي للإبداع هو الإنسان، والحرية في هذا السياق تسير على خط موازٍ يضمن له تحقيق متطلباته وحاجاته وسعادته، ويقوده نحو كمال نسبي مقبول. فإذا غابت الحرية، بقيت الأفكار مكبّلة داخل العقل، عاجزة عن الخروج إلى ضياء العالم.

هنا تظهر أهمية الإدارة الفاعلة للحرية، تلك التي تمكّنها من تحقيق الأهداف بأعلى درجات الإشباع. إنّها أعلى درجات الإبداع والابتكار الأدبي والاجتماعي، حيث يلتقي الإنسان برؤيته للعالم، وتتكامل الحرية مع الإبداع لتشكّل الطريق نحو التطلعات الكبرى، أي نحو إنسانية أسمى وصراع دائم لتجاوز الواقع إلى واقع أفضل.

فالحرية بهذا المعنى تلبي حاجات الإنسان المادية والمعنوية، وتحافظ على وجوده الإنساني بأرقى صورة. والإبداع المتماهي مع الحرية يفتح المجال للتفوق والسبق، ويحتاج إلى رؤية واضحة تميّز بين النجاح والفشل، وتُخضع المستحيل لطاقات العقل المبتكر. ومن أجل أن يتحقق، لا بد للإبداع من شروط: أن يكون أصيلاً جديداً، مفيداً ذا هدف، وأن يتضمن عنصر المفاجأة، لأنه ثمرة لحظات تنويرية مباغتة، قد تُعزى إلى قدرات إلهية أو عمليات عقلية معقدة، لكنها في النهاية لحظة اكتشاف فارقة.

وهكذا يمكن أن يبدع أيّ إنسان في لحظة من لحظات حياته، أو في مسار عمره كلّه، فالإبداع لا يقتصر على مجال واحد، بل هو ثمرة جهد عقلي وجمالي، وانفتاح على الآخر، وتقبّل لوجهات النظر المختلفة. غير أنّ هذا كله لا يتحقق إلا في مناخ الحرية؛ إذ إنّ السلطات القمعية، الدينية أو السياسية أو المجتمعية، تمثّل المقصلة التي تذبح روح الإبداع. فالإبداع، في حقيقته، لون من أسمى ألوان القرب من الخالق، الذي منح الإنسان هذه الطاقة والملكة ليكون خليفة في الأرض، وليبلغ مراتب التكامل الممكنة.

_ هنا تتبدّى الحرية بنوعيها:

حرية داخلية، يحرّر فيها المثقف نفسه من قيود الماضي البالي والتقاليد المتكلسة، ويعيش قلق الإبداع الخلّاق، متمرّداً تمرّداً إيجابياً على الرث والفاسد.

وحرية خارجية، يتجاوز فيها المثقف قمع السلطات المستبدة، والسلطة الدينية المنغلقة، والسلطة الاجتماعية الغارقة في الماضي.

لقد تناول الفلاسفة مفهوم الحرية بعمق، ومنهم كانط الذي فرّق بين الحرية السالبة، أي الحق الطبيعي في اتخاذ القرار دون إكراه، والحرية الموجبة، أي القدرة الممنوحة لممارسة تلك الحرية عملياً. وهنا يظهر مصطلح “الحرية المسؤولة” التي تنبع من الداخل، لا من أدوات القمع الخارجي.

إنّ العلاقة بين الحرية والإبداع هي علاقة عضوية متكاملة، لا ينفصل أحدهما عن الآخر. فالإبداع لا يولد إلا من رحم الحرية، والحرية لا تثمر إلا إذا تجسّدت إبداعاً. ومجتمعنا العربي، الساعي إلى التقدم، لن يبلغ أهدافه إلا حين يدرك أنّ الحرية هي رئة الإبداع، وأن الحياة بلا إبداع حياة رتيبة قاتلة للعقلانية وللمواهب الخلّاقة. فالحرية هي المنبع الأصيل لكل القيم الإبداعية المدهشة التي صنعت حضارات الإنسانية.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading