من أوراق أبي الطيب المتنبي – جمع وتحقيق محمد جبريل

حكاية هذه الأوراق
تباينَت الروايات في أي الأماكن ترك أبو الطيب المتنبي١ هذه الأوراق، ومن الذي عثر عليها للمرة الأولى. قال البعض إن الأوراق عُثر عليها ضمن متعلقات أبي الطيب في الموضع نفسه الذي شهد معركته الأخيرة، ومصرعه. ورواية ثانية أنها كانت ضمن ما حمله أحد اللصوص من متاع المتنبي، أودعها بيته القريب من بغداد، ولحقته الوفاة دون أن يدرك قيمتها. فطن الأحفاد لخطورة ما تحويه، فأذاعوه. ورواية ثالثة أن أحد المارَّة وجد حقيبةً صغيرة، في الموضع نفسه الذي صُرع فيه المتنبي، فحملها إلى بغداد، وفحصتها الأعين الخبيرة فأعطت المقابل الذي استحوذت به عليها، وظلت في موضعها من مكتبة خاصة، حتى قيض الله كاتب هذه السطور، فأخرجها إلى النور.
•••
أما السؤال الذي طرح نفسه، قبل أن أعد هذه الأوراق للنشر، وبعد إعدادها كذلك، فهو: هل كتب أبو الطيب ما كتب في صورة مؤلف، يروي أحداث رحلته في مصر، أو أن أوراقه مجرد ملاحظات أقرب إلى المذكرات اليومية، التي يكتبها بعض المشتغلين بالحياة السياسية والفكرية في حياتنا المعاصرة؟
أيًّا كان الجواب، فإن هذه الأوراق التي كتبها أبو الطيب المتنبي إبان إقامته في مصر، وبعدها إلى مصرعه، كان ينبغي أن تحقق، وتنشر، بحيث يتاح للأجيال الحالية أن تتعرف إلى جوانب لم يسبق كشفها في حياة المتنبي.
حرصتُ في تحقيق الأوراق — وأعتذر لضياع بعضها وطمس كلمات، أو حروف، بعضها الآخر — أن أسوِّد ما كتبه أبو الطيب في زمانه، لا أغيِّر كلمةً ولا حرفًا، ولا أحذف أو أضيف. إنما أشرح ما يطلب الشرح، وأسلط الضوء على الأعلام والأماكن والأحداث، بما يعين على فهم الأوراق، واكتناه بواعثها ودلالاتها.
أمَلي أن تجد هذه الأوراق اهتمامًا، يساوي قيمتها التاريخية والأدبية، وما بذل فيها من جهدٍ كي ترى النور.
والله ولي التوفيق
محمد جبريل، مصر الجديدة ١٩٨٦م
١ هو أبو الطيب أحمد بن الحسين الجعفي. وُلد بالكوفة سنة ثلاث وثلاثمائة ﻫ. نشأ بالشام، وأقام بالبادية، وفيها تعلم اللغة والشعر. وقد تفهم — في نشأته — تعاليم القرامطة، ومارس طقوس الشيعة. تؤكد غالبية الروايات أن المتنبي عربي الأبوين، وأن أباه كان سقَّاءً في الكوفة، وإن ذهبت اجتهادات إلى أن غموض طفولة المتنبي، دفع الحاقدين عليه للادعاء بأن أباه كان سقاءً وأنه انتقل به من الكوفة إلى الشام. ولما سئل المتنبي عن نسبه، لماذا يكتمه؟ أجاب: إني أنزل دائمًا على قبائل العرب وأحب ألا يعرفوني خيفة أن يكون لهم في قومي تِرة (ثأر).
الأوراق من ٦ إلى ٨١
مصر
وصلت إليها في مطلع الصباح الشوارع تتثاءب وغلالة رمادية تلف الناس والأشياء والمشربيات لا تبين عما وراءها.
قطعت — وأتباعي — الطريق دفعةً واحدةً من الرملة إلى بلبيس٢ فالفسطاط.٣ دخلت من بابٍ هائل الارتفاع (علمت — فيما بعد — أن اسمه باب الصفا، منه تخرج العساكر، وتعبر القوافل). لم يكن أحد في استقبالي، وإن كنت أعرف مقصدي. سألت عن قصر الأستاذ أبي المسك كافور٤ فأبدى الناس عجبهم، وإن أشاروا بعبور شوارع وأخطاط٥ وأبواب، كي أصل إلى القصر المنشود.
حرصت على ركوب الحصان حرصت على الأمر نفسه لأتباعي: ولدي محسَّد، وتابعي مسعود، وقلة من الخدم والعبيد، حتى لا أبدو في الأعين كالآلاف من السابلة والعامة وذوي المهن الحقيرة، أمرت فأحسن الخدم اختيار جوادي، وطهمته وكسوته، فبدا مليحًا يسر الناظرين مشاعر الاعتزاز تمور في داخلي للنظرات المتطلعة، المشوبة بالإعجاب، تتقلص يداي على المقود، وأطمئن إلى الأتباع والأمتعة في جياد أخرى خلفي. لا يعرفون أبا الطيب، وإن حدسوا عظمة هذا الوافد، تبين نظراته المتطلعة عن غربته.
•••
كأنما العرب خلقوا للأحقاد، سيف الدولة يهبني لكافور بسوء تدبيره، وقلة تمييزه. خلَّفْت في الشام أبا فراس، وأبا الحسين الناشئ،٦ وأبا القاسم الزاهي،٧ وأبا علي الحاتمي،٨ وغيرهم عشرات، بذلوا المداهنة والملق، والقصائد التي تخفض ولا ترفع، أحكموا المكائد والمؤامرات، فبات سيف الدولة غضبًا خالصًا. قررت أن أترك لهم الجمل بما حمل، فأهجر الشام إلى بلاد أخرى غيرها من بلاد العرب. ناقشت أصحابي: أي البلاد نتجه إليها؟ اختاروا العراق واخترت مصر. لم يكن اختياري وليد اللحظة ولا مصادفة. أسرفت — في قصائدي — في النَّيل من معز الدولة والنَّيل من الخليفة نفسه. أهملت الحيطة والحذر فرميت ناس العراق بالجبن والخوف وغلبة الشهوات، باتت الطريق إلى بغداد — من يومها — غير ممهدة ولا مأمونة. زاد رسل الفسطاط، تعددت زياراتهم السرية إلى حلب، ضمنوا حماية الإخشيدي، ولوحوا بالأمل الذي كنت أتوق …٩
آذاني الإخشيدي من قبل بواسطة لؤلؤ، نائبه في حمص. صدَّق ادعاء نبوتي، فأسرني وأودعني السجن، حتى تبتُ عن الذنب الذي لم أرتكبه. هل يستقيم ادعاء النبوة وكتابة الشعر؟!
عفا الله عما سلف. الطريق وحيدة، وواضحة، إلى الفسطاط. الأمن والأمان، الحكم والسلطان. لا بد أن يلقاني الأستاذ أبو المسك كافور بما يليق بمنزلتي، ما أتيت إلى مصر إلا وقد شغلت بي الألسن وعمرت قصائدي مجالس الأنس، واستعانت بها أقلام الكتاب وأقوال الخطباء، ولحون القوالين والمغنين، وسهرت فيها الأعين، وكثر الناسخ لشعري، الغائص في بحري المفتش عن جماني ودرِّي، فشرَّق شعري حتى ليس للشرق مشرق، وغرَّب حتى ليس للغرب مغرب.
تكفي ثلاث قصائد، وربما قصيدتان. أتحدث عن مناقب الأستاذ، ومآثره. يهبني ما عجزَت مدائحي في سيف الدولة عن تحقيقه، وما كاد تلميح رسل الأستاذ به يبدو تصريحًا: ولاية عسكرية في صيدا، أو في …١٠
كان وصولي إلى دمشق هو المعبَر — الذي لا معبر سواه — كي أصل إلى مصر. الوالي — عبيد الله بن طغج١١ — في خدمة كافور. ما أسرع ما تصل كافور أنباء وصولي، وما أيسر أن يطلب استقبالي في مصر، وأن أنزل في ضيافته.
•••
وصلت في الضحى إلى قصر الأستاذ بخطة سوق العسكر. سامق البنيان، أشبه بقلعة أو بحصن أحاطت به الحدائق والمياه الجارية، لا أدري من أين تأتي ولا إلى أين تنتهي!
أمرني الأعوان، فخلعت بالباب نجاد سيفي.
كافور على عرشه. من أمامه وحوله الأعوان والأتباع. ميزت من بينهم — لكثرة ما سمعت من أوصافه — الوزيرَ ابن الفرات١٢ وهؤلاء الذين قدموا إلي لتعرفني بهم أيام القاهرة التالية: ابن الخصيب، قاضي مصر،١٣ ونقيب الطالبيين، عبد الله بن طباطبا، والشريف بن محمد العلوي، والوزير القبطي أبو اليمن قزمان بن مينا، وبدر بن هلال القاضي، وصالح بن رشدين الكاتب، وسمول الإخشيدي قائد العسكر، وأبو إسحاق النجيرمي النحوي، والناشئ الشاعر والكندي وابن القاسم١٤ وغيرهم من كبار أهل الدولة وعلماء الدين والوجهاء.
بدوا لا شيء في القاعة الفسيحة، زينت جدرانها وسقوفها بالنقوش والتهاويل، وطنافس جميلة افترشت الأرض وزرابي١٥ تناثرت في الأركان، ومساند تطمئن إليها الظهور حين تجلس.
هل أناديه بالأستاذ اللقب الذي أطلق عليه، منذ عهد إليه الإخشيد بتربية ولديه؟ أو أدعوه أبا المسك، كما كناه الخليفة العباسي، أو اللابي نسبةً — كما عرفت — إلى إقليم اللاب من بلاد النوبة؟
تظاهرت — عند دخولي — بتقبيل الأرض: أهلًا بشاعر العرب، أهلًا بأبي الطيب.
أضاف وهو يهم من مجلسه: لقد أبطأت علينا كثيرًا، والدولة لا تكمل عظمتها إلا بمثلك. إنك ستكون في ضيافتي، وأرجو أن تطيب لك الإقامة. أقبل علي أبا الطيب.
البداية لا بأس بها. أقبلت عليه. تظاهرت بتقبيل يده فسحبها، وأعفاني من الحرج.
جذبني من ذراعي، فأقعدني بجانبه.
•••
قبل أن أدخل عليه، كانت الروايات قد تحدثت، وأفاضت عن خَلقه وخُلقه، طريقته في الحكم. كيف يسوس الجماهير، ويحرك الأعوان. لم تختلف صورته الحقيقية كثيرًا عن تلك التي رسمها تعدد الروايات: ممتلئ الجسم إلى حد السمنة، متفلفل الشعر أسود البشرة مثقوب الشفة السفلى، تلتمع عيناه ببريق كأنه التوجس، أو محاولة استشفاف ما يضمره الواقف أمامه. هذا هو الذي ولي حكم مصر ببشارة منجم دفع له درهمين. العبد الخصي المملوك لمن لا يعرفه أحد من أهالي مصر. حمل نير المعصرة، داس الكسب، جر العجلات افترش الأرض، تمرغ في الزيت، لقي الكثير الكثير من العنت والإيلام.
رأى فيه الإخشيد النجابة والهمة. قال — يومًا — في يقين: والله لا ورث دولة ابن طغج١٦ إلا هذا العبد.
حاول سيف الدولة أن يظفر — في أعقاب وفاة الإخشيد — بشيء. أخذ دمشق، ومضى إلى الرملة. بدا أبو القاسم أونوجور — ابن الإخشيد، ومن تولى الحكم بعده — متخاذلًا، منهارًا، لا يقوى على التصرف. خرج كافور بالعساكر، وضرب الدباديب على باب مضربه، في وقت كل صلاة، وسار فظفر وغنم. سبقه صيته في عودته إلى مصر. هلل الناس لانتصاره، وهتفوا له. عزل أونوجور، وخصص له أربعمائة ألف دينار في العام، وولى نفسه مكانه. أحبه الناس والوزراء وأهل السيف وأهل العمامة، والتفوا حوله. خلع وحمل وأعطى، وانبسطت يده، فعزل وولى، وأعطى وحرم، وثابر على تدبير الأمور، تساعده الأقدار والأعوان، حتى عظم شأنه، فصار — في ألسنة الناس — أبا المسك، والأستاذ، واكتسب محبة حتى هؤلاء الذين يعيبون عليه سواده، ودعي له على منابر مصر والشام والحجاز.
في مساء اليوم نفسه، كان الوزير ابن الفرات قد صحبني إلى دار أبي بكر، القريبة من الساحل. أمر لي كافور بها، تطل على الصحراء والنيل والمدينة بقصورها وبيوتها وبساتينها وشوارعها وأخطاطها. الطابق الأعلى مخصص للنوم، والإيوان — في الطابق الأرضي — للمعيشة اليومية. في أثناء النهار، وللاستقبالات والضيافة، ملحق بالبيت إسطبل للدواب، وحواصل لحفظ المؤن، وتحيط به، وتتوسطه، الشاذروانات والفساقي تحف بها أحواض الزهور وأنواع الرياحين، وأصناف الشجر والورد.
۱۲-۱۱
الفسطاط
نزلت إليها عصر اليوم الثالث. تمتد على طول شاطئ النيل، محل الأمراء، ومنزل حكمهم. إليها تُجبى ثمرات الأقاليم، وتأوي الكافَّة. مدينة كبيرة، عظيمة، كثيرة الخيرات، رخيصة الأسعار، واسعة الرقعة. يحيط بها سور محكم، وأبواب مشهورة. مبانيها بالقصب والطوب، أو بالبوص والنخيل. يقطن فيها العرب المسلمون والأقباط جنبًا إلى جنب. بها بساتين فخيمة، ومتنزهات تكسوها الخضرة، وأسواق كثيرة، وشوارع وأخطاط ودروب ورحاب وأزقة. تزدحم بالناس من الباعة والمارة وأرباب المعايش وأصحاب اللهو والملعوب، وإن بدت ضيِّقة بالقياس إلى شوارع بغداد، أو الشام. بها من الحركة والسير في كل وقت ما لا ينقطع. الحمير وسيلة المواصلات الرئيسة. أما الخيل، فلا يركبها سوى الوزراء والوجهاء والجنود. بعض الأخطاط لا يستطيع المرء أن يمر فيه من ازدحام الناس إلا بمشقَّة. يتفرَّع بعضها من بعض على غير نظام محدد، وتعرجاتها بلا ضابط. وربما انتهى السير في إحداها بانسداد. وحين تُخلى السبيل لقباب١٧ فإنها للنساء، ينتقلْنَ فيها. الشوارع والأسواق المسقوفة (تسمَّى قيساريات) تضاء بالمصابيح؛ فضوء الشمس لا يصل إليها، ربما لتوفير الظل، وحماية السابلة من شمس الصيف اللاهبة، والكثير منها يغلق ليلًا من طرفَيه، توخيًا للأمن. والفسطاط تزخر بالوكايل والخانات والمتاجر التي تبيع من كل صنف، والمساكن الكثيرة، والبساتين العظيمة، والحمامات، والشُّوَن، والمناظر، والرباع، والفنادق، والبرك، والخلجان، والجزائر، والرياض، والدور، والقصور العالية، يصل ارتفاع بعضها إلى سبعة طوابق، وآلاف الدلاء تتدلَّى من شرفات بيوتها المطلة على النيل. مياه النيل ترفع بواسطة الأسطال والحبال والبكر، وعدد القوارب فيه أضعاف عددها في دجلة والفرات وبَرَدَى. بها ما لا يكاد يُحصى من الجوامع والمساجد والزوايا والتكايا، أشهرها جامع عمرو بن العاص، لا تخلو — ليلَ نهار — من القراء والفقهاء والمنشدين وطالبي التوبة. تعدد المناسبات الدينية يبين عن مشاعر غلابة. على جانبَي الأسواق، حوانيت بها كل ما يحتاجه المرء. ثمة الرفاءون والحيَّاكون والرسامون وباعة الأقماع، والبزازون والخلعيون والمجبرون، وباعة الظرائف والمغازل والكتان والشمع والصاغة والسروجية، والحدادون والدقاقون والصيارفة والصياقلة والطرازون والإزاريون، والجدالون والأساكفة والدباغون والنجارون والحذاءون والخشابون … وأنواع المآكل والمشارب والأمتعة تزيد عن الحصر؛ فثمة القصابون والملاحون والزياتون والجبانون والخبازون، واللبانون والطباخون والشوائيون والبوادرية والعطارون والخضريون والسماكون وباعة البقل، وأصحاب الخضر والفاكهة والأزهار، والسقاءون يحملون الماء في قرَبٍ كبيرة، على ظهورهم، أو فوق الجمال، والماء يحفظ في أزيار أو صهاريج، تحت الأرض أو فوقها، عندما لا يزيد البيت عن طابق واحد.
١٥-١٦
اختلفت — ظهر اليوم — إلى الجامع العتيق.١٨ صحنه ممتلئ على الدوام، بالطلبة والمريدين. يلزم الباب الخارجي مملوكان شاهران سيفَيهما، أمر الأستاذ، فهما عن يميني وشمالي كلما نزلت إلى الطريق.
سرت — بعد الصلاة — في الأسواق المحيطة. أطيل التأمل في سوق القناديل شمالي الجامع. سمي بهذا الاسم لاقتصار سكناه على طبقة من السراة. أمام دار كلٍّ منهم قنديل. لا يتبدد إعجابي أمام تنوع معروضاته.
تسابق الناس إلى لقائي. أظهروا بشاشةً وودًّا. غمرتني مشاعر الانبساط لما استمعت إلى قصائدي من أفواههم.
عرَفني أبو الوليد بن عيال — أحد مواطني الأندلس — وعرَّفني بنفسه. سألته عن ابن عبد ربه، مليح الأندلس، كنت أحبه وأعجب بشعره. أنشدني أبو الوليد من أبيات ابن عبد ربه:
يا لؤلؤًا يسبي العقول أنيقا
ورشًا بتعذيب القلوب رفيقا
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله
درًّا يعود من الحياء عقيقا
وإذا نظرت إلى محاسن وجهه
أبصرت وجهك في سناه غريقا
يا من تقطع خصره من رقةٍ
ما بال قلبك لا يكون رقيقا
لما انتهى أبو الوليد من إنشاد القصيدة، أعلنت إعجابي بالتصفيق. واستعدتها، وقلت: يا ابن عبد ربه … لقد تأتيك العراق حبوًا!
۱۹
كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا
وحسب المنايا أن يكن أمانيا
تمنَّيتها لما تمنَّيت أن ترى
صديقًا فأعيا أو عدوًّا مُداجيا١٩
ليلة العمر.
حتى الذين كنت أخشى حقدهم، علت أصواتهم بالثناء والاستحسان. كافور على عرشه بادي الفرحة والسعادة. فرغت منها، فأمر لي بعشرة آلاف درهم، سلمة أولى في درجات الصعود إلى المكانة التي أستحقُّها، عصا موسى التي ابتلعت أفاعيل الحواة.
علمت في اليوم الثالث — قبل أن أكتب هذه الكلمات — بتكاثر الأدباء في سوق الوراقين. ينشدون نسخًا من القصيدة. غالى النساخون في الثمن، وفرغوا لنسخ القصيدة وحدها. شغلت أحاديث الأساتذة والطلاب في الجامع العتيق. أتصور التأثير لما تصل القصيدة إلى حلب. يعرف سيف الدولة أنه دفع ثمن إنصاته إلى وشايات أبي فراس وسواه، من الذين بذلوا الإساءة، حين قصرت أشعارهم عن مطاولتي.
وما كمد الحساد شيئًا قصدته
ولكنه من يزحم البحر يغرقِ
۳۳-۳۲
حسن موقعي عند الأستاذ. مالت نفسه إليَّ، وأحبني. قرَّبني وأجازني الجوائز السنية، وأجزل لي العطاء. لم أتأخر عن مجلسه إلا لتوعك أو مرض.
لاحظت حرصه على أن يبتعد عن مواطن الشبهات، وما يغري بالفساد؛ فهو يقيم في قصره يكاد لا يغادره، يدير منه شئون الدولة، ويستقبل الوفود، ويجالس المريدين والأصفياء، ويستمع — في أوقات معينة — إلى شكايات الناس وتظلماتهم. من حوله ابن الفرات وسائر القضاة والفقهاء والشهود والأعيان والوجهاء. يسأل ويناقش، ويستوضح، وينصت إلى المشورة. يعلن رأيه، فيقبله الجميع، ويعملون على تنفيذه، يقصده المظلومون وأصحاب الحاجات، فيلبِّي حاجاتهم وما يطلبون، لا يُرفع إليه رقعة إلا وقَّع عليها، ولا يُسأل في حاجة إلا قضاها، ولا يقدم على شيء فيه مساس بالحرمة أو الخلق الكريم، ويصدع بالحق، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويقيم الهدى.
روى لي ابن رشدين أنه كان يداوم الجلوس، غدوة وعشية، لقضاء حوائج الناس. وكان سريع المدمعة٢٠ يبكي لأقل موعظة ويتهدَّج، ويمرغ وجهه ساجدًا، ويقول: اللهم لا تسلِّط عليَّ مخلوقًا.
هالني كرمه؛ فهو لا يني يوزع عطاياه بين عالِم وزاهد وفقير، ولديه أموال خاصة بالفقراء والمحتاجين، يجري توزيعها بإشرافه، ويُجلب إلى قصره كل يوم: مائة خروف، مائة حمل، مائتان وخمسون أوزة، خمسمائة دجاجة، ألف حمامة، مائة خابية ملأى بالحلوى، يغيب في بطون الآكلين ما يزيد على ألف وسبعمائة رطل من اللحم، عدا الطيور والحلوى.
عُني بالتشييد والعمران، فبنى العمائر والقصور والدور والمساجد والزوايا والخوانق، والحصون والقلاع والجسور والقناطر والطرق، والعديد من الأسبلة والسقايات والمارستانات٢١ والكتاتيب والحمامات والأحواض ومساقي الدواب، أوقف عليها الكثير من الأموال والحبوس.٢٢
سهل الانتقال بين البلاد، وازدهرت التجارة، وكثرت الخيرات. وأقيمَت أحياء وقرى جديدة، وزادت رقعة الأراضي الزراعية، فلم يعُد الأغنياء يجدون فقراء يؤدُّون إليهم الزكاة.
قرب منه العلماء والفقهاء، وأجرى عليهم الرواتب والصدقات، واجتمع على بابه من الأدباء والشعراء عدد كبير، يجالسهم ويبرهم ويقدرهم، بما يعطيهم من أموال، وما يقدم إليهم من تكريم.
صادقت — في مجلسه — الأمراء والوجهاء، وأهل العمامة والسيف، وأهل القلم والرتب، واستمعت إلى السيَر، وأخبار الأُمويين والعباسيين. وشاركت — أحيانًا — بما أعلمه، فلم أجاوز إلى سيف الدولة من قريب أو بعيد.
لاحظت أنه يعتمد على المال والهبات والعطايا في السيطرة على الجيش. أغدق الرواتب والمنح والهدايا على القادة والجند، فاكتسب رضاءهم وإخلاصهم. حتى أنصار أولاد الإخشيد، بذل لهم من المال والرعاية، ما جعلهم يطمئنون إلى حكمه، ويدينون له بالولاء.
قلت لعبد الرحمن السكندري٢٣ — هذه الليلة — وهو يُرافقني إلى بيتي: بنى الأستاذ لنفسه في قلوب الناس …
لم أفهم قوله: للمرء حواس أخرى غير الأذنَين.
أردف لنظرات التساؤل في عيني: أعوان السيابي يهدمون كل ما يبنيه.
وهو يضغط بيده المصافحة: غدًا، أدعو السيابي لزيارتك!
٣٨-٣٩
أعفَتني الزيارات — في مدى أيام ثلاثة — من مغادرة البيت. فيما عدا ابن الفرات زارني الوزراء وأهل الدولة وزعماء الصوفية وأرباب القلم والسيف وأهل النظر والقضاء. بذلوا الحفاوة والود.
قدَّم السكندريُّ شابًّا في بداية العقد الرابع: حسن البلبيسي. لم أرَه في مجلس الأستاذ، وإن أكد السكندري — في حضور الشاب — دوره في حماية الدولة وأمن المواطنين. بدا قريب الشبه من عبد الرحمن السكندري في قامته الطويلة المعتدلة، وبشرته القمحية، وعينَيه البنيتين وشعره الأسود، المنسدل على قفاه، وإن حلق ذقنه وشاربه. أما السكندري، فقد أحفى الشارب، وأطلق اللحية.
سألني حسن البلبيسي: هل أنت علوي؟
قلت: قال لي أبي إني رضعت من امرأة علوية من آل عبيد الله … فأنا إذن أخو العلويين من الرضاعة.
قال البلبيسي: لماذا سُميت بالمتنبي؟
قلت: اسأل من أطلق التسمية.
قال: قيل إنه قد روي لك قرآن.
قلت: لا أعرف غير القرآن الإلهي.
قال: لكن النبوة تحتاج إلى قرآن.
قلت: النبوة، ولستُ نبيًّا!
قال: اذكر ما تلوته على أهل البراري من قرآنك.
واعتدل في جلسته، كمن يهمُّ بالتلاوة: «والنجم السيار، والفلك الدوار. إن الإنسان لفي أخطار. امضِ على سننك، واقفُ أثر من كان قبلك من المرسلين، فإن الله قامع بك زيغ من ألحد في دينه، وضلَّ عن سبيله …»
قلت: هذه كلمات مخترعة.
قال: فلماذا سميت نفسك المتنبي؟
غالبت ضيقي: قلت لك يا أخي إني لست صاحب التسمية.
برقت عينا عبد الرحمن السكندري بالتماع غاضب: أسئلتك تسرف في الإيلام، ما أعرفه أن حاسديه لاحظوا كثرة دوران أسماء الأنبياء في شعره، وتشبيه أنفسهم، فميزوه بلقب المتنبي.
قلت: إنما لقبت بالمتنبي لقولي:
ما مقامي بأرض نخلة إلا
كمقام المسيح بين اليهودِ
أنا تِرْب الندى ورب القوافي
وسمام العدى وغيظ الحسودِ
أنا في أمة تداركها الله
غريب كصالحٍ في ثمودِ
أذكر أني سُئلت ذات يوم: لماذا تكتم نسبك؟
قلت — عفو الخاطر: إني أنزل دائمًا على قبائل العرب، وأحب ألَّا يعرفوني، خيفة أن يكون لهم في قومي ترة.٢٤
هل ما زال نسبي يشغل الناس؟
أنا أبو الطيب المتنبي، الشاعر الذي يلتقي الناس حول أشعاره …٢٥ حذرني السكندري — عقب انصراف الشاب — من الكلمات التي قد تفقد براءتها في أذن قائد البصاصين، وظيفة حسن البلبيسي غير المعلنة.٢٦
٤١–٤٣
عيد الغطاس٢٧
حين دعاني عبد الرحمن السكندري إلى رؤية الاحتفال به، أبديت ترددي، ثم اعتذرت.
ألحف في دعوته: هذه احتفالات عظيمة، لا تتكرَّر إلا مرةً كل عام.
ذهبنا إلى موقع بالقرب من كنيسة قصر الشمع. شاهدت ما لم يُتح لي مشاهدته من قبل: العشرات من النصارى يخرجون من الكنيسة إلى شاطئ النيل، يرددون الصلوات بنغمات ملحنة، وإن لم أتعرف إلى معاني الكلمات. يحمل غالبيتهم الصلبان المشهورة، وفي وسطهم أسقف ذو وقار، يعلو صوته — عكس ما يردده من صلوات — بلغةٍ عربية واضحة ومستقيمة. يخطب في الجموع المحيطة، ويدعو للأستاذ.
سعى الناس — من بعد — مسلمين ونصارى إلى النيل. نصبت الخيام على جانبَيه، ارتدوا فاخر الثياب وأبدوا الميل إلى الفرحة واللهو. استقلوا المراكب الصغيرة والزوارق. غابت — في ابتعادها — أصوات الموسيقى والأغنيات والرقصات …
– هل هذا هو الغطاس؟
قال السكندري: غطسوا في النيل عند السحر … من يغطس في تلك الليلة، يأمن الضعف طيلة السنة.
أضاف موضحًا: هذه بقية الاحتفالات.
سعى البعض — ممن غادروا الكنيسة — إلى ناحية سوق الشماعين. قال عبد الرحمن لنظْرتي المتسائلة: شراء الشموع ضرورة في عيد الغطاس.
أما بواعث الاحتفال …٢٨
ظلَّت الدكاكين والأسواق مفتوحةً إلى الصباح، والسفن المضيئة تسير في النيل. نمط من الحياة يغاير مألوف حياتي. أشاهد وأسأل وأناقش وأسمع وأحاول كتم الشرود. غادرت البادية والشام وحلب وسيف الدولة، لأظفر بالمكانة التي أستحقُّها. أتيت لهدف محدد، فلا أجاوز الطريق إلى دروب وأخطاط لا شأن لي بها.
٤٦-٤٧
لا جديد
اختلفت بين وقت وآخر إلى الجامع العتيق. مَباءة نحل، يشتار فيها طلبة العلم أثمار اللغة والأدب والشعر. يغشى مجلسي من أعرفه، ومن لا أعرفه. يحفظون شعري، يأخذون عني، وأغريهم بالمساجلة.
ابن جني،٢٩ أين هو الآن! كم أشتاق إليه. أول راد لديواني وحافظي، وناقلي، ومحاوري في الكثير من المسائل والدقائق. هل ما زال في حلب؟ هل يلزم — ما زال — مجلس سيف الدولة؟ يسألني الرجل عن شيء من دقائق النحو والصرف في شعري، أقول له: سل صاحبنا أبا الفتح؛ فإنه يعرف من شعري ما أدري وما لا أدري، أضيف في تأكيد: ابن جني أعلم بشعري مني.
ابتدرَني شاب، عقب صلاة الظهر: نحن نزكي في الشعراء ثلاثةً، هم أبو تمام والبحتري وبشار، من عداهم أقل منزلة!
غلقت على مشاعر الغضب بابتسامة اصطنعتها: إني أرى في شعراء الجاهلية المثل الأعلى للشعر.
قال الشاب: ألا ترى في شعراء زماننا من يطاولهم؟
قلت في ثقة: ربما ابن الحسين وحده!
قال إمام الجامع: قاتل الله الغرور!
قلت:
خليليَّ إني لا أرى غير شاعرٍ
فلِمْ منهم الدعوى ومني القصائدُ
قال الشاب: لقد امتدحت البحتري وأبا تمام في زمن قريب.
قلت: ولا زلت عند رأيي.
– وما رأيك؟
قلت، ربما دون أن أفكر: أنا وأبو تمام حكيمان … والشاعر البحتري!
قال رجل في أواسط العمر: فماذا عن سرقاتك لحكم أرسطو؟
قلت: فلسفتي عن ابتداع لا اطلاع.
قال الشاب: أرى في بعض أبيات قصائدك توافقًا مع قصائد شعراء يسبقونك في الزمن، ليس في المعنى وحده، وإنما في اللفظ أيضًا!
قلت: طالما ألقي عليَّ هذا السؤال من قبل. وكان جوابي أن الشعر جادة.
قال الشاب: كان أبوك يبيع الماء في الكوفة … فمن أين جاءتك هذه النزعة المتعالية؟
قلت: لو أن أبي كان سقَّاء الكوفة، ما اعتذرت عن ذلك ولا أنكرته.
أردفت:
وكم من غلامٍ علَّم المجدَ نفسَه
كتعليم سيف الدولة الطعن والضربَا
٤٨
لو لم أرَ ما حدث بعيني، ما صدقت. دخل جماعة من الخصيان السود، لا أدري إن كانوا من داخل قصور الأستاذ، أو قدموا من الخارج. دخلوا الإيوان الكبير، تسبقهم، وترافقهم، طبول ومزامير وأهازيج.
لمح ابن الفرات في عينَي الأستاذ نظرة إعجاب، فصفق لأصحاب الشكاوى، يأمرهم بالانصراف.
خلَت الساحة أمام المجلس إلا من الخصيان يغنون، ويرقصون … بلغ الطرب بالأستاذ مبلغًا، فحرك كتفَيه، وهمَّ بالنزول من كرسيه لمشاركة الخصيان رقصتهم.
هتفت بعفوية: كيف يا أستاذ؟
لكزني القاضي بدر بن هلال، تكرر ذلك منه كلما أبديت ملاحظةً في مجلس الأستاذ، كأنه يختار الوقوف بجانبي لممارسة فعلته القبيحة، لا يتدبر مكانها، أو إن كانت آلمتني. كأنه يخشى ملاحظاتي أن تصل إلى أذن الأستاذ.
لم يكن الأستاذ — كما رأيت — يضيق بالملاحظات. إن غلبه الانفعال، أو ساير نفسه، يبتسم، ويهتز رأسه، ويبتر القول الذي بدأه، أو التصرف الذي ربما أقدم عليه بعفوية.
٤٩
سألني شابٌّ في سوق الوراقين: من كنت تخاطب بهذا البيت:
بعيشك هل سلوت فإن قلبي
وإن جانبت أرضك غير سالي
قلت: أنا لم أقُل هذه الكلمات … لقد زيدت في قصيدة رثيت بها أم سيف الدولة، لتفسد حالي عنده!
قال الشاب: وهل أفسد حالك بالفعل؟
قلت: لمَّا سألني سيف الدولة، أنكرت هذا البيت مثلما أُنكره الآن!
أحب هذه السوق.
ألفت — من قبل — ملازمة الوراقين والنساخين. ألفت الأقلام والأوراق والنسخ، والتنقل بين الدكاكين، وقراءة ما تصادفه يداي، والاختلاف إلى مجالس العلماء والأئمة.
٥٠
أرنو لثاني أيام الانتصارات. يجمعون مكرهم، ويلقون حبالهم الرفيعة المتخاذلة، ألقي عصاي فتبتلع أفانين الحواة:
إنما التهنئات للأَكْفاءِ
ولمن يدَّني من البُعَداءِ
وأنا منك لا يُهنِّئ عضوٌ
بالمسرَّات سائر الأعضاءِ٣٠
٥۱
هل هجرت مؤامرات أبي فراس ورفاقه في حلب، لأواجه مؤامرات مَن لا أعرفهم في الفسطاط؟
قال لي ابن القاسم الشاعر: الملق في قصيدتك أضعاف ما فيها من الشعر.
أردف في عجب: كيف يصبح السواد شمسًا؟
قلت: وكيف تصبح الزلازل رقصات فرح، بما كان يتمتع به كافور من فضائل …٣١
قال في عجبه: هذا أميري … ومن واجبي أن أشيد بمناقبه.
قلت: وهو الآن أميري … ومن واجبي كذلك أن أشيد بمناقبه.
– أنت تمتدح من كنت تهجو مثلهم، وتدعو إلى الخروج عليهم.
هل يقصد الأستاذ؟ … فلماذا لا يذكر الاسم صراحة؟ … هل يخشى أن أشي به؟
– قصائدي تعبر عن قناعة اللحظة التي أكتبها فيها.
– ما أشدَّ تغير لحظاتك!
وما أسهل أن أهمس باسمك إلى الأستاذ، أو إلى واحد من المحيطين بمجلسه! … لكن الهدف يبين عن تألقه في الأفق القريب، فيبدد الظلال.
٥۲
فاجأ المشهد كافورًا، وفاجأنا. كان يتقدَّم الموكب في طريقه إلى قصره بخطة سوق العسكر. اعترضته امرأة وهي تهتف: ارحمني يرحمك الله!
دفعها أحد الحراس فسقطت على الأرض.
بدا على الأستاذ غضب، وأمر بقطع يد الحارس: هل تؤذي امرأة؟!
ذهل الأستاذ، وذهلنا؛ لنهوض المرأة من عثرتها، وتشفعها للحارس.
قال لمن حوله: اسألوها عن أصلها … فما تكون إلا من بيت عظيم.
قالت المرأة إنها علوية بالفعل. عظم الأمر على الأستاذ، وقال: قد أغفلَنا الشيطان عن نساء الأشراف!
وأحسن إليها، وواصل سيره.
٥٣-٥٤
جرت عصر اليوم واقعة غريبة، ظلَّت شاغلي حتى جلست إلى الأوراق: لكزني عبد الرحمن السكندري بكوعه، وهو يومئ بذقنه إلى الشيخ بدر بن هلال القاضي، في أقصى الصالة التي تناثر فيها رجال، شغلتهم أحاديث جانبية، وإن تحلَّق ثلاثة — اثنان في أواسط العمر، وشاب — حول القاضي، استند إلى الجدار، وأعطاهم انتباهه: هذا الشاب يسعى — بوساطة هذَين الرجلَين — عند الشيخ بدر في تولِّي وظيفة بولاية الحسبة.
همست بالسؤال: وما شأن القاضي بهذا؟
وهو يغمز بعينه: كلمته نافذة.
أضاف، قبل أن أسلم نفسي إلى الشرود: طلب مقابل التزكية مبلغ ذهب ثلاثمائة.
أيقظ انتباهي: وماذا فعل الشاب؟
قال: علمت من أحد الرجلَين — يسكن بالقرب من بيتي — أن الشابَّ سيدفع شيئًا، ويكتب الباقي عليه إلى المغل بحجة.
هتفت بالدهشة: أي كلام؟!
استطرد: واشترط الشيخ أن تسجل الرشوة على هذا النحو، كأنها عقد زواج أو بيع.
كنت ألحظ — في مجلس الأستاذ — مكانة القاضي الممتازة، يقدمه على سواه من الوزراء والوجهاء والأعيان، يزوره — أحيانًا — في بيته بجبل يشكر.٣٢ يخلع عليه، ويجزل له، ويخصص له الجند والأعوان، يقفون ببابه، يُعاونونه على أداء وظيفته، ويدافع عن أحكامه، مهما تلفَّعت بالقسوة.
خلت السجون من نزلائها؛ لأن السجن — في تقديره — راحة إنما ينزل العقاب الأشر على المخالف، بحيث يكون مثلًا وعبرة.
ليس القتل مجرد فصل الرأس عن الجسد. يسبق إزهاق الروح، سمل العينَين، أو قطع اللسان، أو بتر الذراعَين، وتعليقهما في العنق … والذنب الصغير عقوبته الحبس والقتل، وكثيرًا ما أسرف في التوسيط، وقطع الأنوف والآذان والأطراف. وكان لا يتحرَّج من تفتيش بيوت كبار الموظفين والأعيان، ويؤكد السير في طريق العدل في الأحكام، وإقامة الشريعة والسنة، وإبطال البدع والمنكرات، ومنع الشهود الذين يقفون على أبواب المحاكم لشهادة الزور.
كان يفضِّل بيته للفصل في الخصومات والشكايات والمنازعات، ردهة واسعة، تطلُّ على الطريق بحيث يسهل الوصول إليها، ولا تخدش حياء أهل البيت. ربما انتقل إلى مكان الحادث، إذا احتاج الأمر لمعاينة من جانب القاضي.
روى لي السكندري — ونحن في طريق العودة — ما أفزعني. تذكَّرت القاضي التنوخي، مبتدع أسطورة النبوة، وأبوة عبدان السقاء لي. أسرفت في السؤال، فحدَّثي: الرجل يشغل نفسه بالوساطة في حاجات الناس، لقاءَ معلومٍ يتقاضاه من كل الأطراف، هو الذي يحدده، فلا يعنيه إن ناءت به الكواهل، أو عجز الناس عن دفعه. وهو يتصرَّف في كل القضايا، على اختلاف أنواعها: عقود الزواج والطلاق، البيع والإجارة، الوصية والوقف. وفتح أبوابه فقصده الناس لطلب الوظائف بمال. يضع كل واحد في وظيفته بمقدار ما يعطي له من مال. مَن لا يفتح ذهنه، أو يتقاعس عن دفع المطلوب، فإن عليه ألا يأمل في شيء. عندما يشتري الموظف وظيفته، فإنه لا بد أن يسترد ما دفعه بأسرع وقت. وأيسر وسيلة؛ فهو لا يأمن بقاءه في الوظيفة، أو أن المرتشي سيتقاضى من آخر، أو أن المستقبل ربما يهبه وظيفةً أكثر ملاءمةً لمواهبه. يلغي وعده إذا دفع آخر أكثر من سابقيه. ربما تقلَّب على الوظيفة الواحدة بضعة رجال. بدا جمع الأموال همه وديدنه، وشاغل حياته. يتجر بالفتوى ويقبل الرِّشا، ويتحايل على مصادرة الناس في أموالهم، ويصالح٣٣ على تركات الأغنياء. زاد، فحاز لنفسه تركات العديد من الموتى، وحرم منها وارثيها. وضم إلى إقطاعه وملكه الخاص أماكن موقوفة. إذا مات شخص، بعث عماله إلى أهل الميت لاستلام حق الدولة في تركته، وهو حق يجب أن يزيد — في مجموعه — عن كل ما يتقاضاه الورثة. وربما آلت التركة كلها — بحيل وأفانين — إلى الأعوان، يستلبون أكثرها، ويودعون بيت المال أقلها. قد يتهمون أهل الميت بإخفاء التركة، وتبديدها. يسلطون عليهم من القسوة والعذاب، ما يبلغ حد الشناعة، كي يتنازلوا — في النهاية — عن بعض ما يملكون، باعتباره ملكًا للمتوفَّى. تعاظم جور أعوانه على الناس بالأذى، فكرهته العامة، وضاقت به الخاصة. أرهقوا الناس بالمغارم والجبايات. حتى الأراضي البور، كان الأعوان يستخرجون من الناس ضرائب عليها. وكانوا يأخذون الكثير من المكوس، فلا يصل إلى الدولة منها شيء.
أما شهود القضاء — هؤلاء الذين أعلن بطلان شهاداتهم — فقد شدد عليهم ليشهدوا — زورًا — فيما يريد أن يضمه لإقطاعه وأملاكه من حجج الأحباس٣٤ والتركات. ثم تحول عن وظيفته، فصار جابيًا يجمع الأموال والمغارم من البلاد، ويقبل — في الوقت نفسه — ما يقدمه له الأهالي من هدايا ورشًا. لا يحصِّل شيئًا بنفسه؛ فهو في بيته بمصر الفسطاط، أو ديوانه، إنما يوجه أعوانه وموظَّفيه إلى هذه البلدة أو تلك، فيحصلون منها ما حدَّده. وربما أضافوا إلى ما سبق تحديده، ليوسعوا على أنفسهم.
نبَّهه مُتولِّي الخراج إلى تعارض نشاط أعوانه مع وظيفة معاونيه، فاحتج بأن الأستاذ ائتمنه على أموال المسلمين، فنشاطه لا يجاوز الميراث والوقف، وما يتصل بالصلة بين الحياة والموت.
خطر لي أن أسأل عبد الرحمن السكندري: كيف حصل على وظيفته؟
أعفاني من السؤال لما حدثني، اليوم، عن أستاذه النساخ الشيخ، استعان به في عمله، داخل قصر الأستاذ. فلما قضى الشيخ، تثبَّت السكندري في وظيفته.
٥٥
أطلق الأستاذ ضحكةً مجلجلة: أرأيتم ما قال واعظ مسجد عبد الله: ما أنجب من ولد حام — كما يرى — إلا ثلاثة: لقمان وبلال المؤذن وكافور!
عرفت الحكاية من عبد الرحمن السكندري.
خطب الواعظ في المصلين فقال: انظروا إلى هوان الدنيا على الله تعالى، فإنه أعطاها لمقصوصين ضعيفين: ابن بويه ببغداد، وهو أشل … وكافور عندنا بمصر، وهو خصي …
نقل البصاصون كلمات الرجل — بنصِّها — إلى الأستاذ. لم يثُر، ولا أظهر الغضب، إنما أرسل إليه خلعًا ومائة دينار، وقال: لم يقُل هذا إلا لجفائي له.
وحدث ما توقعه الأستاذ، بدل الواعظ كلماته.
٥٦
أبا المسك هل في الكأس فضلٌ أناله
فإني أغني، منذ حين، وتشربُ
إذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية
فجودك يكسوني وشغلك يكسبُ
٥٧
الشائعة حملها لي صديق من الشام. حين أخبروه بأني على قيد الحياة، لم يصدق إلا أن يراني بنفسه.
صحبه خادم من قصر الأستاذ إلى بيتي، أكد المحيطون بسيف الدولة نبأ موتي. سألت إن كان الرجل صدَّق ما قيل.
رسم صديقي على وجهه ابتسامةً لا تهب إجابة محددة.
٥۹
واقعة قديمة رواها لي اليوم عبد الرحمن السكندري:
عرف الأستاذ أن عبد الله بن وليد يتصرَّف في أموال كثيرة، لا صاحب لها. أخبره بذلك عمر بن الحسن الهاشمي، الذي تقلد القضاء بعد عزل ابن وليد.
أمر الأستاذ، فأودع الرجل سجن دمياط. ظلَّ فيه، وإن لم ينله تعذيب، حتى أفلحت شفاعات وجوه الناس، والهاشمي من بينهم، فأمر الأستاذ بالعفو عنه، وإن ظلَّت نفسه متغيرةً عليه. أذن له بالظفر بحياته، فلم يسلمه إلى السياف، لكنه أبعده عن وظيفته، وألزمه قبره، لا يبرحه ستة أشهر تالية.
٦٠
قال لي ابن القاسم، ونحن نغادر — هذا المساء — مجلس الأستاذ: قد طال وقوفك في مجلس أبي المسك.٣٥
لا يتحدث إلا عما يأمره الإخشيدي بدسه.
قلت:
يقل له الوقوف على الرءوسِ
وبذل المكرمات من النفوسِ
٦٢
قالوا هجرت إليه الغيث قلت لهم
إلى غيوث يدَيه والشآبيبِ
إلى الذي تهب الدولات راحته
ولا يمن على آثار موهوبِ٣٦
٦٤
شهدت الاحتفال بوفاء النيل. عيد يركب فيه الأستاذ بعساكره، ينزل في المراكب لتخليق مقياس النيل عند الخليج.
خرج الأستاذ من قصره بالعسكر في موكب عظيم، تحوطه الفرحة والأبهة، وقدامه وحوله أهل الدولة والوجهاء والأعيان وأرباب العمامة والسيف، والناس قد ملَئوا ما بين المقياس إلى ما قبل الفسطاط. لم يبقَ بيت بمصر الفسطاط إلا خرج لرؤية ذلك، والمشاركة فيه بما وسعه. تعالت الألحان والأهازيج، وأبدى الناس مظاهر البهجة، حتى وصل مركب الأستاذ إلى المقياس، ففتح الخليج بحضرته، وعاد إلى قصره.
٦٥
ثار القاضي بدر بن هلال، ومتولي الخراج أبو بكر محمد بن مقاتل، في مجلس الأستاذ.
بدا عليه غضب. روى ما حدث — ذات يوم — أمامه — في ولاية محمد بن طغج الإخشيد — بين القاضي الشافعي أبي بكر بن الحداد والقاضي المالكي أبي الذكر محمد، والقاضي عبد الله بن وليد. تنازعوا في مجلس الإخشيد، وخرجوا عن حد الأدب. وقال الإخشيد، عقب انصرافهم متأسفًا: يجري هذا في مجلسي! … كدت والله أن آمر بأخذ عمائمهم.
علا صوت الأستاذ: أما أنا، فكدت أفصل رءوسهم عن أجسادهم بنفسي.
٦٦–٦٨
ليست كل قصائدي مما يصح إلقاؤه أمام الأستاذ، أو في المناسبات. أحرص — بعد تدوين القصيدة — أن تظل في أوراقها، لا يطالعها أحد، أو أقرؤها على أحد. غاية ما أفعله أني أكلف أحد الوراقين بنسخ القصيدة مرتَين أو ثلاثًا. أبعث بها مع مسافر إلى حلب أو بغداد أو الكوفة. يودعها — مع غيرها — عند الأقارب والأصدقاء والخلان. إذا تنوعت أماكن إيداعها، فهي لا تضيع. من يصادرها — أو يستولي عليها — في بلد، لن يتاح له الفعل نفسه في بلد آخر، مدينة أخرى.
لاحظت أن عبد الرحمن السكندري أسرف في اقترابه مني، يعجب بديواني، ويحفظه، ويتمثَّل بأبياته، يتحدث بما يمليه خاطره، كأنه اطمأن إلى صداقتي. يلبي مطالبي الخاصة، وما أحتاجه من الأسواق، عمله في القصر الذي بناه الإخشيدي على النيل، أتاح له الدخول والخروج إلى الأماكن المحظور دخولها، فلا يشك فيه أحد. تصورته — في حرصه الملحِّ على ملازمتي — أحد بصَّاصي السيابي، وإن حذرني منه. أراهم، وألتقيهم، في البيوت والقصور والشوارع والأسواق. أهملت التحدُّث أو الإنصات إليه. نبَّهني علمه الوافر إلى ما غاب عني. روى لي أن عائلته تأخَّرت في دخول الإسلام. مع ذلك، فقد كان حسن الإيمان والسيرة، وينأى بنفسه عن مواطن الشبهات؛ فهو لا يكاد يغادر عمله أو بيته، أو أنه في الطريق إليهما، ولا يعرف أماكن السمر واللهو، ولا يتحدث إلا بما يوجبه مقتضى الأحوال.
طلبت أن يدلني على نسَّاخ واضح الخط. لم أكن قد اطمأننت إليه تمامًا، فطلبت مرافقته.
أبطأت الخطوات في سوق الوراقين. ناسخون ومجلدون اقتعدوا المصاطب، وانشغلوا بزخرفة الكتب بخطوط منسوبة، وزخارف ذهبية وفضية.
غادر بي السوق إلى دروب. انتهينا إلى دكان صغير، في زقاق بالقرب من الجامع الكبير. امتلأ وجه الشيخ — لقدومنا — بابتسامة مرحبة: أهلًا بشاعرنا ابن الحسين.
أضاف لنظرتي الداهشة: من لا يعرف سيد شعراء العربية؟
بدا لي أفضل من المهنة التي يعمل بها، وبدت العلاقة بينهما لا كالعلاقة بين نسَّاخ وطالب علم، أو بين تاجر ومشترٍ. ذكرني الشيخ بقصائد لي، أنشدتها في الكوفة وحلب ودمشق وبغداد وغيرها من مدن وأقطار، لم أتصوَّر وصول أنبائها إلى الفسطاط.
قبل أن أغادر الدكان، وفي حوزتي ما نسخه الشيخ، دسَّ الشاب في يده أوراقًا. قال بصوت غلبته ارتعاشة: أعود بعد يومَين لتسلم نسخها.
هذا الشاب، عبد الرحمن السكندري، أثق أنه ليس من بصاصي السيابي، لا لأنه حذرني من الآذان المتصنتة، والأعين المتلصصة، والأذهان التي تسيء الفهم والتفسير، علمه وأسئلته وملاحظاته، تبعد به عن عالم الريب والظنون، تجعله صديقًا يسهل الارتكان إلى صداقته.
حضر الأستاذ صلاة الجمعة في مسجد بناحية سوق القناديل أنشأه — على نفقته — القاضي بدر بن هلال.
بدا المسجد — من داخله وخارجه — جميلًا، مزينًا بالمقرنصات والنقوش والزخارف الجميلة. منبره من أغلى أنواع الخشب، وفرشت أرضه بسجاجيد أعجمية، وزوده بمكتبة حافلة بكتب العلوم الشرعية.
قال لي عبد الرحمن السكندري بصوت كالهمس: يتصور القاضي بدر بن هلال أن بناء مسجد يكفل له مغفرة الله من اغتيال حقوق الناس.
أضاف لتساؤلي الساكت: الكل يعلم أنه جمع أمواله بطريق الظلم والمصادرات.
غمغمت بما ينبئ بتهيُّئي للكلام. ثم فضَّلت الصمت.
ما شأني بذلك كله؟!





