مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

 الشاعرة المصرية مروة أبو ضيف ..الغوص في الذات والبحث عن حلم – حميد عقبي

491070492 1496780824918894 437207483626325841 n

تستمر الشاعرة المصرية مروة أبو ضيف في مسيرتها الشعرية الإبداعية دون أن تفتعل الضجيج من أجل الشهرة ودون أن تستجدي النقاد ورغم أنها تُنضج تجربتها في الظل والصمت إلا أنها صاحبة تجربة شعرية أنيقة تستحق الدراسة والنقد،

كلما توقفت عن البحث، مؤخرا صدر لها ديوان (مدينون لك أيها اليأس) وسيكون لنا معه وقفات تأملية مستقبلية، في هذه التأملات سوف اختار بعض من نصوصها المنشورة والتي تزخر بشعرية متدفقة بديعة.

 ادعوكم لمشاركتي متعة تذوق هذه النصوص والإبحار في عالم مروة أبو ضيف وهو عالم بعيد عن التصنع والزخرفة والزيف.

 عالم الشاعرة مروة بسيط كأحلامها الطفولية النقية، سبق وأن نشرت مقالة نقدية بعنوان (الشاعرة المصرية مروة أبوضيف.. ديناميكية وكيمياء الصورة) وأود أن أذهب إلى نقاط وعناصر جديدة لم أتطرق لها في مقالي السابق، حيث أننا سنلمس تطورات جيدة في شعرية مروة أبو ضيف وكذلك محافظتها وتطويرها لأدواتها وخاصة ما يخص الميتافور، نصوصها تتدفق بإستعارات واشارات مجازية لتمنح النص عبقا صوريا يفوح بالأحلام والعوالم الخفية واللامرئية.

النموذج الأول:

ازدادت حيرتي

وكلما مشيت أكثر

طال الطريق

وحين مزقت نتيجة الحائط

على أمل أن أنسى هذا الزمن قليلا

سكن وجهي

لكن الدموع عزت

والأيام صاحبت النور قليلا

فابتهجت

لولا هذه البحيرة

التي تتبعني أينما ذهبت

حتى على سريري

حتى في منامي

حتى في وجهك

تقف أمام عيني لأطالع وجهي

فيبتسم الزمن بخبثه المعهود

والآن

وأنا لا أدري ما الضائع

ولا أعرف على وجه الدقة

في أي زمن تضيع الحياة الان أمام أعيننا

ثمة طريق يطول

وحيرة تشدني من رأسي المعطوب

وألم كبير يختبيء في بحيرة تسير أمامي

ودمعة معلقة

تنتظر إشارة واحدة.

هنا في هذا النص، نرى أو تدعونا الشاعرة إلى المشاهدة والرؤية وهذه من عناصر القوة لأي نص شعري،  يصبح الفن وخاصة (السينما، الشعر، الرسم والمسرح) مثل أغنية الروح، يضج  بالسحر والغموض عندما يحرر المبدع روحه وخياله ويعود إلى معدنه الطفولي وهذا ما يمكن أن نتلمسه في هذا النص ونصوص كثيرة للشاعرة مروة أبو ضيف، هي كمن يرسم دون أن يأبه بحجم اللوحة ولا بنوعية الفرشاة والألون فتخلق صورا من تجربته الذاتية وخاصة تجربة الغربة والبعد عن الوطن لتزج بنا في عوالم متعددة تبدو في الوهلة الأولى بسيطة وعفوية لكننا كلما تعايشنا معها ندرك ونشعر بقوتها وتعقيداتها المتعددة.

سنجد في هذا النص تعلن الشاعرة حيرتها ثم تمشي وتدعونا أن نمشي معها، فجأة تُقدم على فعل تمزيق (نتيجة الحائط) وهذه الأداة شيء مادي ورغم بساطة الفعل إلا أن دلالاته كثيرة متعددة كرغبة في نسيان دوران الزمان، كأن الشاعرة تحكي عن حالنا جميعا وتعبر عن بعض رغباتنا في نسيان هذا العالم المجنون بالحروب والدمار وضياع الأحلام، ثم تنقلنا إلى ذاتها فالزمن سكن وجهها وكأن لديها رغبة للبوح والبكاء، ترى بصيصا من النور وتنجذب لحلم طفولي فترى بحيرة وهذه البحيرة تتبعها :

(لولا هذه البحيرة

التي تتبعني أينما ذهبت

حتى على سريري

حتى في منامي

حتى في وجهك

تقف أمام عيني لأطالع وجهي

فيبتسم الزمن بخبثه المعهود)

هنا مزج بديع بين الواقع والحلم ليصبح الحلم واقعا تعيشه هذه الإنسانة لتهزم بشاعة الزمن بأحداثه المرعبة أو ما يتركه من حزن وتقدم الأيام، البحيرة كأنها مرآة أو بوابة للولوج إلى شيء آخر غير مرئي، مشهدية باذخة الجمال، تتحرك بعفوية لتخلق الكثير من الرعب، نهاية المشهد تظهر ابتسامة الزمن بخبثه وغدره وتقلباته لينهي الحلم ويتحول إلى كابوس.

كثيرا ما تضج نصوص مروة أبو ضيف بأسئلة لا تملك لها اجابة ولا نحن، وفي نهاية النص ثمة تحولات بديعة وكأن الألم أو بعضه تحول ليختبيء في البحيرة، البحيرة أصبحت جزء من ذات الشاعرة من روحها وفكرها ولم تعد مجرد أداة أو شيء يلاحق الشاعرة، نرى أن البحيرة بكل ما فيها من حياة وغرائب وكذلك ألم أصبحت تسير أمام الشاعرة، ونشعر برجفة مع اللقطة الأخيرة

(وألم كبير يختبيء في بحيرة تسير أمامي

ودمعة معلقة

تنتظر إشارة واحدة.)

دمعة معلقة يمكن فهمها أيضا كدلالة استعارية متعددة المدلولات وكأن الشاعر تهمس لنا ثمة خوف أكبر قسوة ورعبا يخبئه لنا الزمن، فالزمن هنا يتحول من الماضي إلى الحاضر المعاش ثم تختم الشاعره هذا النص الأنيق بسؤال عن المستقبل.

النموذج الثاني :

وكلما كبرنا

احتجنا عصاك أكثر يا أبي

وحتى نزاعات أمي

والكمائن الدائمة للبهجة

تزداد الحاجة لها

أيام تمضي

“ينسرق الضي من النني”

وأري بيتنا بكل تفاصيله

على بعد قارات وأزمنة وهزائم

كأننا نكبر في التجاعيد

وتكبر في القلب الرهافة

يكبر الطفل حتى يملأ الأطر كلها

أضع الصغار في السرير

وأبكي في سريري

بابا كابوس

وكلما كبرنا

وكبر البياض في العين

الصرخة في الحلق

الوجع في القلب

احتجنا عصاك يا أبي.

هذا النص أيضا معجون بعفوية طفولية ثم تتفجر منه مشاهد مفزعة، الشاعرة لا تنسى وطنها البعيد جدا والبعد هنا ليس بالأميال القليلة هو أكبر وأصعب، فالشاعرة تعيش في كندا لكنها لا تنسى وطنها وأرضها مصر وقريتها في الصعيد وتستغل مروة أي فرصة في نصوصه لتعبر الزمان والمكان وتهزم الجغرافيا والمسافات لتعيش ولو للحظة في ذكرى طفولية لتنعس وتنام في اطمئنان كصبية صغيرة، فهي هنا ترى بيت العائلة بكل تفاصيله، بضجيجه وأفراحه وحكايات البيت والجيران.

المدهش في الصورة الأولى بالنص منح القداسة إلى عصا الأب وكأنها تحيلنا إلى عصا المجزات وحتى عصا السحر والخيالات،  إنها الآن أم ولكنها أيضا طفلة، إنسانه تهرب من الفجائع وقسوة العالم الذي لم يعد يحب الأطفال ولا يخاف عليهم من الجوع والتشرد والموت بسبب الحروب المنتشرة والقسوة والأنانية المفرطة، مروة شاعرة خلاقة لا تستند على اكليشهات مكررة وبكائيات وميلودراما مفتعلة، تغترف من ذاتها وخيالاتها لتخلق شيء أكبر من مجرد رفض عنف العالم.

أعجبني جيدا هذه اللقطة (يكبر الطفل حتى يملأ الأطر كلها) والتي تتحول إلى مشهد سريالي باذخ في جمالياته وأناقته ومدلولاته ويحتاج منا لتأمل وتذوق خاص.

تختم النص بمشهدية معبرة وبليغة وأسئلة مفتوحة وشائكة :

أضع الصغار في السرير

وأبكي في سريري

بابا كابوس

وكلما كبرنا

وكبر البياض في العين

الصرخة في الحلق

الوجع في القلب

احتجنا عصاك يا أبي.

إنها الأم التي تضع صغارها في السرير وكأنها تبتسم للحظة ينامون فيها بعيدا عن ضجيج العالم ثم تعود مروة الطفلة تشتكي من وجع الغربة وقبح العالم وتستنجد بالأب من هذه الكوابيس المرعبة وحتى الأب هنا يمكننا أن نفهه ونشعر به كدلالة استعارية لها مدلولات ميتافيزيقية وقداسة أنيقة قد يفهمه بعضنا أكبر وأعلى من مجرد مناجاة للأب بل مدلولات أكثر قوة وأبعد، وقد تكون الشاعرة تقصد الأب فقط لكن مناخات النص تزج بنا إلى عوالم تتعدى وتتجاوز الواقع والماديات ووقت الشاعر بخاتمة هذا النص (احتجنا عصاك يا أبي.)، يؤكد بلاغة وشعرية النص فهذا ليس تكرارا للصورة الأولى بالنص بقدر كونه سؤالا ميتافيزيقيا لآن الحاجة للعصا ليست فردية وشخصية ولكنهاجمعية وضرورية لها ولمن حولها وربما لنا جميعا ويمكن لكل قارئ أن يتذوق ويفهم النص كما يشاء.

النموذج الثالث والأخير :

لا أدري ماذا يحدث

أنا هنا

جالسة داخل جسدي

وأنحسر بعيدا عني

مخلفة فوهة ودخان خفيف في رأسي

كأن الرصاصة قد أطلقت للتو

ضجيجها يخفت بسينمائية عالية

وجهي يرسمه البارود الحر

أبتسم للغريب بجواري

أقدم الشاي للجارة

الحلوى للصغار

ومن خلف زجاج النافذة

أحدق في هذا كله.

 سنلمس في هذا النص الشعور بالسجن والاختناق والوصول إلى حالة التبعثر والضياع في عالم لم يعد يستمع إلى الأسئلة والسؤال الأكبر (ماذا يحدث؟)، ماذا يحدث لها ولنا والعالم حولنا وهذا سؤال شائك ومقلق وخاصة في عصرنا الحاضر لآن الإنسانية كلها في خطر وثمة تفاهة حولنا تقذف بنا إلى اللأشيء وإلى الضياع الذي لا نهاية له ولا عودة منه.

تستخدم مروة أبو ضيف ببرعة لرسم بالصورة تقدم لنا لقطة وهي كالمسجونة في هذا الجسد، ثم تتحرر من الجسد لكن كل شيء ضيق ومرعب ومخيف كأنه تعيش مشهد من مشاهد الحروب المرعبة وتشعر برعب الدمار وتقدمه بشكل مادي ودلالي  (وانحسر بعيدا عني/مخلفة فوهة ودخان خفيف في رأسي) صورة الدخان الخفيف في رأسها يفتح بوابة خيال المتلقي فرغم عدم المبالغة وتقديم مشهدا بسيطا إلا أنه يجذبنا لنرى ونقترب.

 وتأتي الصورة التالية حتى تربكنا أكثر (كأن الرصاصة قد أطلقت للتو) وكأن حركة الرصاصة بطيئة جدا ولكن تأثيرها المدمر سبقها وأحدث الألم والدمار فلسنا مع مونتاج يراعي منطقية السرد وزمنه وتبدع مروة في خلق مشهدية يمكن أن توصف بالسريالية لبراعتها في الهروب من الصناعات البلاغية وقدرتها الدمج بين الذات والعالم حولها والقفز من الداخل وحالات شعورية لا تبالغ في وصفها ثم تتحول إلى مصورة  ومتأملة لما يحدث لها ولهذا العالم، تهرب من أي عنصر بلاغي أكليشي مستهلك لتخلق أدواتها بعفوية وإنسانية.

 في نهاية هذا النص تعود إلى أفعال حياتية بسيطة وهنا تؤكد أنها إنسانة بسيطة لها أطفال وجيران وبيت ونافذة وهناك في الأراضي التي تحرقها الحروب وتفتح الرصاصات فوهات في رؤوس أمهات وجدات وطفلات هم مثلها يحبون السلام ولهم صغار وجيران، يحبون الحلوى والأغاني، ثم تاتي اللقطة الأخيرة:

ومن خلف زجاج النافذة

أحدق في هذا كله.

 لتؤكد وعي الشاعرة لما خلقته من مشاهد وصور وأنها ليست صدفة لأننا نشعر بالألم الداخلي والشاعر وتود أن نشاركها هذه الحالة وكل هذه الأسئلة المفجعة.

أختم بقولي أن نصوص مروة أبو ضيف تتوغل وتغوص بنا إلى عوالم شائكة وفيها الكثير من تأمل واقعنا الإنساني المرتبك ورفض للبشاعة المرعبة التي نعيشها، تخلق الشاعرة رموزها ودلالاتها بخيال طفولي ورغم ما تعكسه من ألم إلا أنها تدعو الحلم كمنقذ من أجل لحظة حياة مطمئنة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading