مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
دراسات أدبية

لغز المتنبي للدكتور نزار بريك هنيدي- وفاء حميد

لقطة لرجل يرتدي بدلة، يظهر تعبير وجهه الجاد، مع نظارات وقصة شعر قصيرة.

من المعروف عن المتنبي جمالية شعره، وهو من الشعر القديم، إلا أنه ترك بصمته إلى يومنا هذا، ففاق كل الشعراء القدماء والحديثين في شعره. تشعر كأنك تستحضر الماضي، ويتجسد لك الشاعر بأصالته وتفاصيل حياته من خلال ما كُتب عنه في هذا الكتاب. وقد ضم الكتاب عدة عناوين لتأخذنا في رحلة فيها من البساطة والجمال ماتترق إليه الدكتور نزار هنيدي

فمن أسطورة المتنبي الشخصية
جعل المتنبي من نفسه أسطورة تتناقلها الأجيال. ونرى الدكتور هنيدي ذكر لمحة عن حياته، من سقاء فقير في الكوفة، وهي مهنة لا تتناسب إلا مع دركات الدنيا من السلم الاجتماعي، فكان المتنبي ذلك الفتى الصغير له جرأته ومعتقداته وطموحاته. كابد السجن، ثم تشرد وحيدًا غريبًا لا أرض يركن فيها ولا صديق يأنس به، سوى عقله النير الذي يحمله في قلمه ليصبه في ورقه.

وأما موقف المتنبي من الزمن
لم يكن المتنبي من الذين تقهرهم نائبات الدهر، بل يثبت في وجه المصائب وخطوبها، حتى عرف الزمن مدى قوته وصلابته. فقد كان الصبر عند المتنبي رفيقًا في حياته منذ صغره، حيث يتربص له الكائدون أينما حل. لكنه في الوقت نفسه يرى حلاوة الزمان ممكنة لمن يتمتع بالقوة لخوض الأهوال في سبيلها من أجل الحصول عليها. والمشكلة في الناس الذين يتكاسلون ويتقاعسون في تحقيق رغباتهم وآمالهم؛ فهم صغار وإن كانوا يدعون غير ذلك، وإن كانت لهم جثث ضخام.

وبالنسبة لعروبة المتنبي
كان المتنبي غيورًا على عروبته، متعصبًا لها، طموحًا في استعادة عزتها وسيادتها، والتخلص من سيطرة الملوك الأعاجم. لقد قرأ المتنبي عصرنا مستشرفًا له، وما تجول به الأيام على أمتنا، وهذا دليل على إحساسه العميق بانتمائه العربي. وذكر لنا الدكتور هنيدي في مدحه لسيف الدولة، نرى كيف أنه هو من يحدد شروطه؛ فكل الشعراء يطلبون المدح، أما هو فيعتبر شعره وقصائده نفيسة، وقد كان محط حسد الشعراء والجلساء فيكيدون له. لهذا نجد أن المجد والإبداع والعبقرية ليست هدية من السماء، إنما هي جهد مبذول من صاحبه. وهذا يعني أن النجاح لا يعتمد على الموهبة أو “الحظ” بقدر ما يعتمد على الاستمرارية. وقد يكون هناك مبدعون وعدد كبير من الموهوبين الذين أنجزوا أعمالًا جديرة بالتقدير، إلا أنهم لم يروجوا لأعمالهم، كما أن الظروف لم تخدمهم، فضاعت إنجازاتهم لتنتظر من يكتشفها.

بين سلطة الشاعر وسلطة الأمير
لكنه أيقظ وعيًا بأن الشعر ليس ركوعًا أو عاديًا، بل جعل من شعره مرجعًا تُفتن به الأجيال.

ومن الحكم والأمثال
كثيرًا ما قرأت لشعره وأعجبت به، حتى أصابتني الدهشة؛ فإن شعره اختراق للزمان، بل هو بصيرة شاعر لا يمتلكها غيره من الشعراء، فقد كان شعر المتنبي في صياغته معجزة يرددها الناس إلى يومنا هذا، ويجدون فيه انعكاسات لواقعهم ومواقفهم الحياتية المختلفة، ويستوحون منها ما يساعدهم، وإن كثيرًا من الأمثال الشائعة التي تدور على الألسنة اليوم هي من أبيات المتنبي، ومنها قوله:

وَمَنْ تَكُنِ الْبِلَادُ طِوَالَ عَرْضٍ وَلَمْ يُرِدِ الذَّوَاتِ، فَمَا أَرَادَا

وقوله:

لَا يُسْلِمُ الشَّرَفُ الرَّفِيعُ مِنَ الْأَذَى حَتَّى يُرَاقَ عَلَى جَوَانِبِهِ الدَّمُ

وقوله:

إِذَا أَكْرَمْتَ الْكَرِيمَ مَلَكْتَهُ وَإِنْ أَكْرَمْتَ اللَّئِيمَ تَمَرَّدَا

وقوله:

مَصَائِبُ قَوْمٍ عِنْدَ قَوْمٍ فَوَائِدُ

وغيرها الكثير من الحكم والأمثال. وكان المتنبي هو المعرفة بذاتها، أي يمتلك العلم والمعرفة، ويكاد علمه يدرك ما لا يعلم. بل إن علمه أكبر من أن تسعه الأزمان نفسها، وهو أقدر من الأيام؛ لأنه يملي عليها ما يجب أن تفعله، فتعجز عن تتبعه، ومن شعره

وَمَا تَسَعُ الْأَزْمَانُ عِلْمِي بِأَمْرِهِ وَمَا تُحْسِنُ الْأَيَّامُ أَنْ تَكْتُبَ مِثْلِي

فأصبحت أشعاره قواعد حياتية، ليثبت المتنبي أنه صاحب معتقد وخلق، ليختزل التجربة البشرية بصيغ من الجمال والإبداع.

وأما بالنسبة للإنسان الكامل وموقف المتنبي من الزمن

ويرى المتنبي أن الإنسان هو أساس الوجود ومركز الكون، وإذا كان الدهر لفظًا، فالإنسان معناه وجوهره، كما قال:

النَّاسُ ما لَمْ يَرَوْكَ أشباهُ … والدَّهرُ لفظٌ وأنت معناهُ

استطاع المتنبي ببصيرته النافذة أن يكتب عن الإنسان بشكل مطلق، وليس الإنسان بالحالة الآنية.

ولثقافة المتنبي
لم يكن المتنبي ينام ملء جفونه كما يدعي في شعره، بل يسهر على العناية بشعره والترويج له، وكان يخوض السجالات الطويلة لمناقشة شعره والدفاع عنه، ولا يتوانى عن تعديل بيت أو تصحيح لفظة أو حذف قصائد كاملة من ديوانه. يتميز شعره عن سائر الشعراء المعاصرين له والسابقين عليه. وهنا تتكشف عبقرية المتنبي: أنه لم يكن في شعره عفويًا، بل نتاجًا شاقًا، ليكون لذاته أول ناقد، بل مفكرًا ومهندسًا. وهذا يتوافق مع مقولة إديسون (التي أوردها الكاتب) حول أن النجاح 99% ترويج وصناعة مجد، حتى إن المتنبي اشترط على سيف الدولة أول اتصاله به أنه إذا أنشده مديحه، لا ينشده إلا وهو قاعد، وأنه لا يكلف تقبيل الأرض بين يديه. ويعد اشتراطه هذا على أمير أو ممدوح ضربًا من الجنون، وهو ما ذهب إليه من نسبه إلى الجنون. ودخل سيف الدولة في هذه الشروط. ونجد أن عادة الشعراء أن يحملوا قصائدهم لقادتهم، وينتظرون رضا الأمير فيأذن لهم بقراءتها عليه، لقد خرج المتنبي على المألوف بقوة، وكان المبدع الكبير الذي بعث كينونته جمالية لا حدود لها في الشعر العربي.

وعلى ما يقال عنه وسيقال، فقد اجتاز الأزمنة والآفاق، فإن كان لكل أمة عظيم، شكسبير عند الإنجليز، وباشو عند اليابان، وشيرازي عند إيران، وطاغور عند الهند، فإن للعرب المتنبي، الذي يجب علينا أن نعيد اكتشافه ونقرأه مرة بعد مرة. فلقصائده سحر يجذب ويفتن الأجيال على مر العصور، وهو شاعر متنوع في شعره بين الحرب والمديح والفلسفة والفكر والحكمة، لا تجدها عند غيره من الشعراء قديمًا وحديثًا.

فنجد بهذا أن المتنبي، رغم الصعاب التي مرت في حياته، وفقدانه الصدر الحنون (الأم)، ومعايرته بأنه ابن سقاء، إلا أنه استطاع أن يثبت لنفسه وللعالم اللقب الذي أعطاه لنفسه والذي بقي معه حتى عصرنا هذا. فهو ليس الشاعر الذي ينسج الحروف لتتسرب إلى المشاعر في حالة الحزن والفرح، إنما كان المبصر المحلل والسياسي والمفكر. فقد اجتمعت فيه كل نواحي الشعر، فكان شعره مرجعًا للحكمة وشاهدًا على مر العصور.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading