أمانة القاعة 1- الدكتورة فاطمة الديبي

(إهداء للأستاذ الفاضل عبدالرحيم الإدريسي)
في ركن هادئ من بيتها، وبينما كانت شمس الصباح تنسلّ عبر النافذة لتضيء رفوف مكتبتها العتيقة، وقفت الأستاذة نهاد تمسح غبار الوقت عن أوراق مكدسة. وبينما كانت تقلب في الذاكرة، وقعت بين يديها حزمة صور قديمة، سحبت منها واحدة ومسحتها بحنوّ؛ كانت تجمعها بزملاء العمل في ساحة الثانوية، ويتوسطهم السيد المدير بوقاره المعهود.
تذكرت تلك اللحظة جيداً؛ فقد أُخذت الصورة في أيام الدعم التربوي الذي تجندت فيه المؤسسة كقلب رجل واحد لضمان نجاح الأبناء. اعتصر قلبها مزيج من الفخر والحنين وهي تتأمل الوجوه؛ فمعظم أولئك الزملاء غادروا الدفة إلى التقاعد، لكن ذكراهم ظلت نابضة في هذه اللقطة التي توثق زمن العطاء الصادق.
عادت بها الذاكرة إلى أيام اشتغالها مع ذلك المدير، الذي لم يكن مجرد مسؤول إداري، بل كان نموذجاً إنسانيّاً فريداً؛ أستاذاً في خلقه، وأخاً للجميع، وأباً حانياً للتلاميذ. وبفضل إخلاصه، تحولت الثانوية على يديه إلى منارة للتميز والنشاط، بعد أن كانت لسنوات تتذيل قوائم النجاح.
استرجعت نهاد مشهداً مهيباً لا يمحوه الزمن؛ ذلك الصباح من يوم جمعة، حين قرر السيد المدير قبل تقاعده أن يودع مملكته التربوية بجولة مَرّ فيها على الأقسام قسماً قسماً. تذكرت طرقته الهادئة على باب القاعة 1 وهي بين تلاميذها في قسم “الثانية علوم إنسانية”. دخل بوقاره المعهود، وبصوت يملؤه النبل، استأذنها بكل احترام ليتحدث إلى التلاميذ لبضع دقائق.
وقف وسط الفصل، وبنبرة خفتت فيها صرامة المسؤول لتفسح المجال لصدق الأب، طلب من الجميع “السماح” بقلبٍ واجل؛ سألهم العفو إن كان قد صدر منه تقصير أو قسوة في نصيحة. حثهم على العناية بمؤسستهم، وبالعلم كونه السلاح الأوحد لتحقيق الآمال. ولم ينسَ وصيته الأخيرة بأساتذتهم: “إنهم الجنود الذين يتفانون ليضيئوا لكم دروب المعرفة، فاحترموهم وقدروا عطاءهم”.
في تلك اللحظة، انهمرت دموع نهاد بحرقة؛ فقد كان وداعاً مرّاً لإنسان تجاوزت روعته حدود المنصب؛ كان الأخ والسند والأب الذي يجمع الشتات بكلمة طيبة.
لبثت نهاد صامتة تستنطق الوجوه في الصورة، ثم قامت ببطء وفتحت درج مكتبها لتخرج إطاراً زجاجيّاً كانت تحتفظ به لسنوات. وضعت الصورة داخله بعناية وثبتتها في واجهة المكتبة لتتصدر المكان. ابتسمت ابتسامة خفيفة وهمست: “بعض الراحلين لا يتركوننا… بل يعلّموننا كيف نبقى”.
جمعت أوراقها وعدّلت وقفتها بخطى ثابتة نحو الباب. وقبل أن تخرج، التفتت مرة أخيرة إلى الصورة… وأدركت أن المدير لم يغادر تلك القاعة أبداً؛ فقد ترك روحه أمانة في قلب كل أستاذ كـ “نهاد”، تُسلمها بدورها لكل جيل جديد.





