مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

مقاربة التجريدي بين التغييب والتحديد في ديوان أبواب للشاعرة السورية بسمة شيخو ✍عادل ضرغام

  • تشتغل الشاعرة السورية بسمة شيخو في ديوانها (أبواب) على بناء الوعي ومصادره، وتوزّع أساليب اكتسابه من خلال تقسيم يمكن القبول به على المستوى النظري للتفريق بين وعي بالذات بنفسها، ووعيها بالحياة وديدنها في تنميط حركة الإنسان. في نصوص الديوان هناك فارق يتشكل بين التعبير والمراقبة، يستدعي مساحة من الانتباه. فالشاعر- ربما على المستوى السطحي- لا يتقيّد بتجربة ذاتية قائمة على الغنائية، وإنما قائمة على الارتباط بالكون المعرفي الإنساني، حيث تبدو الشعرية أو النصوص المنجزة جزئية أو قالبا داخل شعرية ممتدة، تحاول أن تنحت وجودا متناميا.
  • يشعر القارئ- نتيجة لذلك- أن الجانب الذاتي الجزئي ذائب في المعرفي الكلي. فحين تتوجّه القصائد نحو موضوعات مثل (الأمل) و(الخير) و(الشر) فهذا يعني أن هناك دمجا بين ما هو ذاتي محدود، وما هو معرفي تجريدي، يحاول هذا الدمج أن يخلق تصوّرا لهذه المفاهيم، ويقدم معاينة تعتمد على التأمل والمراقبة في إنجاز الوجود الذاتي الفردي داخل سياق أكبر، في ظلّ تجربة حياتية منفتحة على المؤسس الإنساني جاهدة أن تضيف إليه.
  • النصوص الشعرية في هذه المجموعة تحاول الإمساك بالمتعالي الفني، وتكديس أشياء متفلتة لا يمكن الإمساك بها، يمكن فقط الإيمان بوجودها والالتفاف حول وجود تجريدي متخيل غير مادي. فليس هناك- على سبيل المثال والحال تلك- قدرة على الإمساك بالصمت وتنوّعه ودرجاته وتصانيفه، لكنّ النصوص تجعلنا نشعر بثقل وجوده، وتوزّع استجاباتنا بين اليقين والشك في وجوده. تتمحوّر النصوص حول نسق تأملي تجريدي في الجزء الأول (باب كبير- الحياة)، وهو نسق لا يأتي منفصلا عن وعي الذات، لكنه ينطلق منه.
  • هذه العمومية أو التجريدية تتحوّل في الجزء الثاني (باب أوسط- أنا) إلى معاينة أثر الصراع أو النزال بين الذات والواقع، وكأن النصوص ترصد أثر الانفتاح على الحياة، فنجد الذات في مقاربتها للعالم مثقلة بانفعالها داخل الوجود، ومثخنة بابتعادها عن مثاليتها التي تتهشّم لحظة الصراع الذي يفضي إلى الهزيمة. فالذات لم تعد فاعلة، بل منفعلة، بالانفتاح على الآخر، وحركتها لم تعد مستقيمة نحو الهدف، بل أصبحث مملوءة بالتحويرات والمناورات والفجوات التي تؤثر على عملية التوجّه إلى الأمام.
  • يكشف عن ذلك الفهم التبويب الخاص بالديوان، فالجزء الأول تجريدي يحاول أن يتعاظم على غنائية وتعبيرية الذات، من خلال العناية بمفاهيم تجريدية ورصدها. وفي الجزء الثاني تأتي المعاينة مشدودة إلى الذات وتجاربها، فتصبح النصوص مساحة لصراع جانبين، كل واحد منهما يحاول أن يطغى على الآخر في إسدال منطلقاته وقناعاته. أما في الجزء الأخير (باب صغير- قلبي) فإن نصوصه تأتي متساوقة ومتجاوبة في البنية والرؤية مع نصوص الجزء الثاني، وكأن التغييرات التي تلحق بالذات، تمارس التأثير ذاته على الجزء الفاعل منها، فالمتغيرات ليست بعيدة عن متغيرات الذات.
  • نصوص الديوان تمثل مساحة للإمساك بالوعي والمعرفة الإنسانية، وسبيلا لتشكيل الإدراك الذي يبدأ من القلب وتجاربه، وينمو مع الذات في انفتاحها على العالم والوجود، وكأن الارتباط بالحياة والوعي بها، يأتي من هذه السبل العديدة، وهي سبل لا يمكن الفصل بينها إلا بشيء من التجوّز. فالتجارب والجزئيات متداخلة، ومساحات الانغماس بالحياة- وكذلك مساحات القلب والذات- تتبادل المواقع والتأثير في نصوص الديوان وأقسامه الثلاثة.
  • الذات والانفتاح على التجريدي
  • مقاربة المفاهيم التجريدية في هذا الديوان تستند إلى التصفية والتفرّد في الرصد والمعاينة الفنية، ولكن هذه المقاربة لا تنجو من المؤسس السابق في إطاره الواسع، وإن حاولت أن تستند إلى رؤية ذاتية تبعدها عن الانزواء في شرك السابق. فحين تقارب تيمة الأمل الإنساني، تقاربه بوصفه منطلقا إنسانيا أثيرا في الشعر العربي خاصة لدى شعراء الرومانسية، مثل علي محمود طه، واستمر ذلك الحضور لدى نازك الملائكة من شعراء التفعيلة. ونصوص الديوان لا تبعد كثيرا عن الخطوط الفنية المؤسسة مثل خضرة الأمل، وقيمته وعلاقته بالانتظار، بوصفه أداة للاستمرار وللحلم وللقدرة على معاينة الوجود والصراع معه.
  • الأمل في نصوص الديوان- وفي النصوص السابقة- وجود أبدي، يتولّد ويتشكّل تدريجيا، سواء بالتحقق أو بالانتقال إلى أمل متخيل جديد، أو بالاستعصاء، واستمرار الملاحقة في انتظار المجيء، وتكمن قيمته في استمراره بعيدا عن التحقق. الأمل في النص الذي جاء بالمسمّى ذاته له قدرة على إسدال التعلّق والارتباط المستمر. فحين تقول الشاعرة (يغنّي/ فيبدّد صمت العالم/ يمدّ ذراعه/ ويراقص الفرح/ له ابتسامة عريضة/ تحضن الحزن/ وذراعان قويّتان/ تعانقان الحياة/ ما إن تقترب حتى يتلاشى/ وتذوب جدران بيته) نشعر أن النص يستقوي بالأمل على الحياة، فخضرته في انتظار تحققه براح للاستمرار وللنسج والتشكيل في ملامحه بشكل متوال مستمرّ.
  • لكن لحظة الاقتراب منه- لحظة تحققه- يتفكك ويتحلل، لأنه ليس معطى نهائيا منجز الإطار. فالأمل في هذا النص تمثال يعاد تشكيله مع كل رجوع وتأمل لملامحه، ومن ثم فهو في معرض دائم للحذف بفعل التحقق والوصول، وللإضافة بفضل انفتاح جزئياته على القادم انطلاقا من التوالد المستمر للأمل، وتلاحم أجزاء مكوناته، بفعل المقاربة اليومية أو المعاينة للجزئيات التي تحققت أو التي أضيفت تدريجيا بوصفها مقترحا جديدا للتحقيق.
  • وتتمدد هذه الرؤية في النص التالي مباشرة، وكأن هناك ترابطا بينهما، حيث يتمّ التركيز على تعاقب الليل والنهار، ليس بوصفهما وسيلة لقياس الزمن الأبدي داخل حساب بشري ملموس ومحدد، بل بوصفهما أداتين لقياس الاقتراب أو الابتعاد عن المتخيل النموذجي للذات المرتبط والمنطلق حتما من الأمل الإنساني المطروح للتحقيق، بوصف الحياة إمكانية دائمة لشيء لا يتحقق أبدا.
  • وتنبع قيمة المقاربة الشعرية في تشكلها من إسدال الفكرة في نسق تصويري جديد، لا يخضع للمألوف، فالنص مهموم بعقد ارتباطات تصويرية جديدة، تبني من خلالها مقترحاتها الدلالية. ففي نصّ (صفير) يتحوّل إدراك (الليل) و(النهار) إلى منحى صوتي يسدل خصوصية في رصد الأشياء والارتباط بها، فصفير الليل والنهار يشير إلى تأسيس ارتباط جديد في بناء منظومة الصور المرتبطة بهما، لأن كل صفير له تأثير خاص في قيمته الدلالية، فالنهار أو الصباح في ظلّ الصفات المسدلة عليهما، يأتيان بداية للرحلة اليومية، بوصفها لحظة ميلاد وبداية للسعي.
  • يقول النص (الأوّل يطلقه الصباح/ يوقظ أذني النائمة/ ويمسح غبار ذاكرتي/ الآخر صوت المساء/ يلمّع قلبي/ ويشدّ ابتسامتي/ ويهدهد لي لأنام). الصفير هنا يلازم الإنسان أو الذات من لحظة الميلاد إلى لحظة الموت، وينقسم إلى نوعين: واحد متعلق بالنهار وبداية السعي، والآخر يرتبط بالليل والعودة إلى الذات، وتأمل المنجز. وهذا الصفير بشقيه يجعل الحياة تتجلّى على وقع الموسيقى المصنوعة أو المتخيلة.
  • ويرتبط بالحياة ونمط الوجود وطبيعته التي تشد الإنسان إلى تتبّع الصوت والتعلق به. فالصوت حركة واندياح بلحظتي النصر أو الهزيمة، ولحظتي الابتعاد أو الاقتراب من المتخيل.
  • أما في قصائد الجزء الثاني هناك اتكاء على ضمير المتكلم في النصوص، فهو الخيط الذي يلضم المعاني والدلالات، وهذا يجعل نصوص هذا الجزء منفتحة على صراع الذات والعالم أو الوجود. وفي هذا الصراع لا يمكن رصد الذات والعالم إلا في لحظة اشتباك أو نزال، او في لحظة تورّط، أو تدنيس كاشف عن ارتباط الذات بالعالم. فحركة الذات في هذه النصوص ليست حركة أحادية المنزع أو مستقيمة، أو مكتفية بذاتها مسيّجة بانعزالها، بل تتجلّى بوصفها وجودا منفتحا على العالم متصارعا مع ذوات أخرى، حتى لو كان الرصد أو المعاينة واقفين عند حدود الذات.
  • الذات في هذه النصوص- نصوص الجزء الثاني- تصوّر وجودها القلق في العالم، وطبيعته الهشّة التي تصنع عوالم خاصة خافتة واقعيا، وشديدة القلق والحركة داخليا، وتفور ذاتيا من الثبات. فالهدوء الذي تحاول خلقه وتثبيته في النصوص يواري هزائم وتطلعات مكبوتة وآمالا مقهورة بالعجز. يتجلّى ذلك في نصوص عديدة مثل (عجوز سيئة)، و(ندم)، و(جدار متصدّع)، و(طريق سيزيف). في النص الأخير يمكن أن يكون الوقوف أمامه كاشفا عن مراحل إدراك متوالية بداية من الطفولة، ومرورا بالوعي وتفتح الإدراك، وانتهاء بمرحلة النزاع والصراع.
  • والمراحل الثلاث مراحل مؤسسة في الإبداع الشعري العربي والعالمي، ولكن النص يفرض فرادته وتميّزه من خلال اختيار الصور المجهرية الجزئية وتجاوبها فيما بينها، للكشف عن كل مرحلة من المراحل. ففي الأولى تبدأ الحياة أحادية التوجه خالصة دون منغصات لانتفاء فعل الصراع، لكن في نهاية هذه المرحلة يظهر الإحساس ببداية المغايرة من خلال تصدّع هذه الأحادية والخطية الواضحة في الوصول إلى الهدف، ويبدأ الشعور بالهموم الصغيرة في المرحلة الثانية في قول النص عن الهموم وأحجامها وأشكالها (كبرتْ أكثر/ وأصبحتْ ككرة البلياردو البيضاء/ تلاحقني لترميني في الحفر/ أقفز عاليا/ ألتفّ بمرونة وأنجو).
  • فالحركة والميلان والمطاوعة كاشفة عن فاعلية الصراع وعن انتفاء وتلاشي الخطية المباشرة في الوصول إلى الهدف، وعن نوع من القدرة- في البداية على الأقل- في مراوغة المتاعب والمضادات التي يمكن أن تقدمها الحياة في عرقلة الإنسان عن نموذجه أو هدفه، ولكن هذه النجاة تعطي القدرة على الصراع نوعا من المشروعية. في المرحلة الأخيرة التي تتقاطع مع العنوان (طريق سيزيف)، وتشير إلى وعي فائق بالحياة وطبيعتها، تنمو هذه الجزئيات أو الهموم البسيطة التي كانت الذات تفلح في مراوغتها في مرحلة سابقة، وتتحوّل في النهاية إلى صخرة قاهرة وقادرة على إرساء الثبات وتشكيل الهزيمة أمام سطوة الواقع وطبيعة الحياة التي تمارس فعل التنميط على الجميع، وتحديد الطرق والتوجهات.
  • في ظل الحركة المتكررة المهزومة تبدو الحياة- والبشر بداخلها- نمطية شبه ثابتة، وأفرادها يدورون في حلقة أو دائرة دائمة التكرار من محاولة الصراع والقدرة على الفعل، وتتحوّل إلى كائنات أمامها طريق سابقة التجهيز مجبرة على السير فوقه بوتيرة واحدة، يقول النص (الآن همومي تجمّعت/ صارت صخرة ضخمة ملتصقة بظهري/ أكمل بها طريقي/ أجتمع بسيزيف/ نتبادل الابتسام/ ونمضي كلّا في طريق).
  • وقد تكبر الفجوة بعد الصراع مع الواقع، فنجد أن هناك انقساما لافتا للذات، فالأولى منهزمة متماهية مع هزيمتها في صراعها مع الواقع ذائبة فيه، وتسير وفق المحدد والجاهز في تشابه مع الآخرين المهزومين، والأخرى تظلّ وجودا أثيريا محافظا على مشروعية وجوده وتشكّله ولو خيالا، لأن الصراع يخلّف ذاتا تبتعد عن متخيلها النموذجي الذي يظلّ موجودا ومؤسسا في إطار بعيد تعاينه بمفردها.
  • في نصّ (عند صخرة صغيرة) يتجلّى هذا الانقسام الواضح للذات. فحين يقول النص (أتفقد أسناني أمام المرآة/ بيضاء لامعة وكبيرة/ تكفي لتمزيق الستارة أمامي/ أفتح نوافذي للضوء/ تتبعني الشمس/ فيسبقني الظل/ يملّ وقوفي المتكرر/ يُغرم به الكثيرون/ يظنونه أنا/ لكنني هناك/ عند صخرة صغيرة قرب البحر) ندرك أن محاولة الانفكاك أو الابتعاد عن الواقع أو الترقع عن الانغماس فيه التي تطل في بداية النص لا تستمر، فدائما هناك بوادر صراع تتجلى في النص في المقابلة بين الأسنان والستارة التي تطلّ بوصفها فاصلا بين جانبين جانب الذات وجانب العالم.
  • تبدأ ملامح الخروج عن الخطية وظهور المناورة والانغماس في صراع مع الواقع في محاولة الوصول إلى المتخيل من خلال فتح النوافذ للضوء بوصفه معادل اندماج، ليطلّ الوقوف المتكرر الكاشف عن عراقيل الواقع التي ينتج عنها هذا الانقسام بين المتخيل النموذجي وسلطة الواقع، فتظهر لنا حدود المتخيل في الصورة المجهرية الأخيرة في النص (عند صخرة صغيرة عند البحر). وتظهر الدلالة ذاتها في نصوص عديدة حيث تحتمي الذات وتستقوي بالمتخيل للحفاظ على الوجود النموذجي والمثالي، أو على التمثال الذي يحفظ للتصور المفارق لحدود الواقع مشروعيته، بالرغم من وجود التناقضات والانقسامات التي تلحّ في كل جزء من النص، وعلى نحو ما يمكن أن نرى في نصّ (فوق العرش).
  • وفي النصوص التي تأخذ الهزيمة فيها شكلا تجريديا معرفيا، تظل الذات محتمية بمتخيلها الذاتي كما في نصّي (تفاصيل) و(العدم)، متخذة من ضمير المتكلم مظهرا للكشف عن حضور الذات، ومعتمدة على ملمح آخر ليكون دالا على الحضور الذاتي، وإثبات نوع من الخصوصية. يتمثل ذلك في فاعلية التنكير في عناوين بعض القصائد، لأن التنكير في النص الشعري يقوّض السابق المؤسس، ويجنح نحو تشكيل الخصوصية، وإثبات المغايرة عن المؤسس والمقيس لدى الآخرين السابقين.
  • التنكير في عناوين بعض القصائد مظهر خصوصية في الرصد، ففي قصائد مثل (حريق) أو (جنين) ثمة خصوصية تتشكّل في تقديم الفكرة أو الإطار المعرفي. فالحريق في نص (حريق) ليس الحريق المعهود، لكنه الحريق الذي يتماس مع فكرة الكتابة، بوصفها سبيلا أساسية للكشف عن الذات التي يتشكّل لها وضع مغاير نظرا لخصوصية التجربة المملوءة بالفقد والخيبات. فحين يقول النص في نهايته (أتلمّس ما حولي/ من ورق مجعّد/ أصنع منه قلبا/ وابتسامة وعينين…/ أنام/ أستيقظ على رائحة الحريق) ندرك أن النص يوجّهنا نحو حرق خاص مشدود إلى الكتابة الفنية، وإلى فعل المراودة للإمساك بالمعاني والدلالات التي تأتي منسجمة مع نهايات الواقع السابقة.
  • الاتساع وغياب التحديد
  • ارتباط جزء من نصوص الديوان بمقاربة مفاهيم تجريدية جعل الدلالة الفنية منفتحة على الاتساع من جانب، وعدم التحديد من جانب آخر. فلا يتولّد لدى المتلقي عند قراءة النصوص شبه يقين يجعله ينعم بالراحة في تأويله إياها، فهناك دائما الوجود الفوقي المتعدد الذي ينسحب من أسر الذات، لينفتح على مناح عديدة للقراءة، لكن دون تحديد أو قدرة على اختيار واحد منها دون غيره في إطار نهائي. فالنص حين يتأسس أو يتشكّل حول فكرة تجريدية أو معرفية يظلّ محافظا على غموض شفيف، لأنه ينجز وجودا جديدا، فحين يستقر أو يميل إلى معنى أو تأويل سرعان ما يقدم ما يقابله أو ما يهشّم يقين وجوده.
  • النصوص في هذا الديوان تؤسس ارتباطها الجديد من خلال خلق استعارات هادئة وصور مجهرية، وفي الآن ذاته لا تتوجّه توجها قائما على التحديد أو التعيين، بل تعمد إلى التغييب المستند إلى الاتساع. حين يتوقف المتلقي عند نصّ بعنوان (الصمت)، يدرك أنه أمام صمت عام، لا يستند إلى تجارب إنسانية حياتية محددة، بل إلى صمت جامع يصور الماهية في اتساعها أو في تجليها المثالي.
  • الصمت في هذا النص ليس صمتا عن هزيمة تتعلق بسؤال محدد، قد يكون وجوديا أو فلسفيا أو حياتيا، لكنه الصمت الذي يحتوي كل التفصيلات السابقة، خاصة أن النصوص في مجملها تستند إلى فكرة التجسيد، حيث يتحوّل الصمت إلى كائن يومئ إلى الكلمات، يقول النص (يومئ برأسه/ فينهمر فوق رؤوس الكلمات/ مطر غزير/ يغرق الحكاية/ لكن المعنى ينجو/ يسبح في مياه الصمت/ يرتفع فوق جثث الثرثرة/ يصل شط اليقين/ عابرا حصى الشك). إنه صمت خاص ليس مشدودا لتجربة محددة، بل صمت البياض الذي يطلّ دون مبرر واضح أو صريح.
  • معظم نصوص الديوان يكتنفها بحث واشتغال على الماهية في تجليها العام لكل فكرة مجردة، مثل الأمل أو الصمت أو الحلم. وتحديد ماهية المفاهيم التجريدية لا يؤسس وجوده من العناية بالتفصيلات أو النثارات المحددة لتجربة الذات، ولكن من محاولة التعاظم على الأطر الجزئية للوصول إلى أصل الشيء وأساسه. في نصّ (الحلم) يتمّ الاستناد إلى كونه معطى عاما غير مشدود إلى تفصيلات جزئية، فالأحلام في النص خفيفة كالبالونات حين تكبر وتتمدد بالهواء، ولا تستمر على هذا الوجود الضخم.
  • الأحلام في أحيان كثيرة لحظة المساءلة تتعرّى، ويتغير شكلها مثل البالونات حين تثقب، ويتحوّل هذا الوجود المنتفخ الهش إلى فراغ أو شظايا أو إلى أوراق يابسة، تتساقط وتصبح ذكرى. النص هنا على بساطته اللغوية لا يخلو من محاولة للوصول إلى أصل الشيء الذي يقاربه. فالحلم في النص حلم منفتح على فصائل عديدة، وتعاين الذات تشكّله واستواءه أمام العين، ولكن الحلم- لطبيعته القائمة على التوالد المستمر والتناسل- لا يتحقق كاملا نتيجة للصراع مع الحياة والوجود، بل يصل إلى صفرة النهاية والموت. النص أقرب إلى سيرة للأحلام بداية من الميلاد مرورا بالنمو والاكتمال، وانتهاء بالموت والتلاشي، والبساطة هنا ليست قرينا للسهولة، لأنها
  • تشير إلى تكوينات معرفية ترتبط بالإنسان في مقابل الحياة والوجود الكبير، وطبيعة العلاقة المتوترة بينهما، فالحياة لا تلين بسهولة في السماح للأحلام بالتحقق.
  • وقيمة هذا المنحى من التعدد الجنوح نحو التغييب ودمج التفصيلات في أطر جامعة، تتبدّى للمتأمل في كل الأجزاء النصية من الديوان، وإن كانت بتجليات مختلفة في كل جزء، من خلال رصد الأشياء في وجودها المتعالي الفوقي المتعاظم على التقسيم والتفصيل. ويمكن أن نجد له صدى في بعض نصوص الجزء الثاني، مثل نص (جنين) الذي يعيدنا إلى رموز مؤسسة في نصوص شعرية سابقة، في انفتاحها على التعدد الدلالي.
  • إن قراءة النص لا تفصح عن يقين يمكن أن يُسلم بالدلالة الواقعية لهذا الجنين، وليس هناك يقين بالانفتاح على مساحة الرمز المستند إلى التعدد الدلالي في عمقه التجريدي، فكلاهما حاضر، ويؤسس لنفسه نوعا من المشروعية. فإذا كانت النصوص في الجزء الأوّل مرتبطة بالمتعالي التجريدي القائم على تعدد الفصائل المندرجة بداخله، فإن نصوص الجزء الثاني- نظرا لانفتاح القسيمين: الذات والعالم على بعضهما- تعطي القارئ إحساسا بالمراوحة والتوزّع بين التجريدي المتعالي والتفصيلي المحدد. وهذه المراوحة في الجزء الثاني تفتح الباب في بعض النصوص نحو التوجّه إلى التحديد المباشر الذي يفقد النص بعضا من قيمته، ويجعله متلبّسا بالوضوح والعراء والخطية الدلالية.
  • في بعض النصوص- وخاصة في الجزء الأخير (باب صغير- قلبي)- ثمة تحديد لهذا الانفتاح والتعدد الدلالي الذي يعطي النصوص حركة مستمرة دون ثبات لحظة القراءة والتلقي. وهذا التحديد يفقد النص بعضا من سموقه وتعدد طبقاته. فتحديد طبيعة الضيف- في نص (ضيف)- الذي شُكّل من خلال صفات أثيرية تندّ عن التحديد الواقعي والمادي، وقادرة على النفاذ والتغلغل، جعل المتلقي ينتقل من الحركة إلى الثبات ومن التعدد والاتساع إلى المعنى الفردي المحدد، ومن ثمّ فقد النص حركيّته الأولى التي ظلت حاضرة إلى الجملة الأخيرة. فجملة النص الأخيرة (إنه الحب) قوّضت هذا التعدد المنفتح إلى تجليات متباينة. كان يكفي الوقوف عند الصور المجهرية التي توحي دون تحديد، وتلمح دون أن تصرّح على نحو ما قدّم صلاح عبدالصبور في نصيه الشهيرين (طفل) و(العائد).
  • في الديوان نوع من الاشتغال على الثقافة الأدبية والشعرية، ويلمح القارئ محاورة فنية لنصوص سابقة، تركت أثرا ممتدا في نصوص تالية، مما يشكّل نوعا من الحركة النصية المزدانة بالتوالد والتمدّد. ولا يقف الأمر عند حدود الاشتغال على الرمز المعرفي كما رأينا في قصيدة (ضيف)، بل يمتدّ إلى الاشتغال على النماذج المؤسسة في شعريات سابقة، ويأتي تشكيل النموذج وثيق الصلة بالأجيال الشعرية الأولى التي قامت بمغامرة الشعر الحر، لأن ميلاد هذا التوجّه أو تلك الآلية جاء من متغير وثيق الصلة باللحظة الحضارية الخاصة بهم من الانفتاح على الواقع ورصده، والوقوف أمام نماذجه البسيطة التي تخلق اختلافها وفيمتها من عاديتها.
  • وتحاول النصوص الآنية في هذا الديوان المرتبطة بتقنية تشكيل النموذج- بالرغم من استنادها إلى منطلقات صورية شبه جاهزة- إسدال نوع من الاختلاف. في نص (عجوز سيئة) نجد أن هناك نوعا من توزاي المنطلقات التصويرية مع نصوص أخرى سابقة، منها على سبيل المثال (المرأة الشمس) لعبدالصبور، و(غرفة المرأة الوحيدة) لحجازي. فهناك ارتباطات بين هذا النص- بالرغم من استناده إلى تصوّر متخيل عن المستقبل- والنصين السابقين، خاصة نصّ عبدالصبور الذي يقوم على المقارنة بين الماضي النضير لتلك المرأة ولحظتها الراهنة، وفاعلية الذكرى، بالإضافة إلى النهاية أو الموت المتوحّد بالابتسام.
  • ولكن هذا النص لا يسلم قياده في تشكيل نموذجه النسوي المستقبلي لنص عبدالصبور، بل يخلق انزياحات فارقة أو إضافات فنية يتطلبها المدى الزمني، ويحتمها السياق الحضاري والتطور الشعري، في مساحة الحرية التي تتيحها القصيدة النثرية. فندرك أن النص قادر على التقاط إضافات تتعلّق بهذه المرأة النموذج في صناعة عالمها والاتكاء على وحدتها، وتحملها للعزلة اعتمادا على فاعلية الذاكرة في صناعة عالم مملوء بالخضرة التي تباين جفاف اللحظة الآنية. والذاكرة هنا تتجلّى في النص ليس بوصفها بناء جاهزا، وإنما بوصفها دوائر متشابكة رجراجة يتغيّر تشكيلها في كل مرة، حسب احتياجات الذات لإحداث نوع من العلاج والاستشفاء الجزئي أو اللحظي.
  • ويتجلّى الحوار مع النصوص السابقة واضحا من خلال الوقوف أمام النص الأخير في الديوان (انتظار)، حيث يقول (كالغبار فوق العتبة المهجورة/ يجثو الحب بهدوء/ أمام بيتي/ينتظر خطواتك/ ليتطاير). الوقوف عند العنوان (انتظار) سوف يحيلنا بالضرورة إلى نصّي (في انتظار إلى ما لا يجيء- واعترافات العمر الخائب) لفاروق شوشة، ويعيدنا بشكل واضح إلى نص (الزائر الذي لم يجيء) لنازك الملائكة. وهذا الترابط يجعلنا نعيد القراءة والتأمل وفق المنحى الفكري للنصوص السابقة.
  • قراءة النصوص الثلاثة تجعلنا ندرك أن هذا النص يمثل نوعا من إعادة الاشتغال على الفكرة المعرفية ذاتها التي تشير إلى أن قيمة الشيء في انتظاره، وليس في تحققه، وأن ديمومة الانتظار هي الأساس في الشعور بالقيمة، وأن الغياب يلقي مسوحا من التقديس على هذا الغائب، فإذا حضر سوف تزول كل هذه المسوح، ويصبح شخصا عاديا مثله مثل الجميع. والنصوص- بالرغم من بلاغة نصّي شوشة، ومباشرة وخطية نص نازك الملائكة، وشعرية النص الآني المتوارية والمحتمية بالفكر والحوار مع السابق من النصوص- متمحورة حول الفكرة المعرفية، ويُعاد تشكيلّها في كل مرّة بامتدادات مغايرة، وإضافات والتواءات كاشفة عن النمو والإضافة.
  • إن النص الآني (انتظار) يدور حول الفكرة ذاتها، لكنه في مقاربته إياها، يتأثر بالجماليات أو الآليات وثيقة الصلة بقصيدة النثر. فهذا النص يبتعد عن البلاغة المحتشدة، وعن الصور العمدية التي تخرق المواضعة اللغوية التي نراها دائمة الحضور في نصّي شوشة، ويبتعد في الآن ذاته عن المباشرة الفنية في نصّ نازك الملائكة المحتمية بغنائية عروضية وإيقاعية، يسهم في خلقها بحر المتقارب. وهذا النص- فوق كل ما سبق- يوجّهنا نحو معاينة مغايرة للفكرة، من خلال المغايرة في نسق طرحها وبنيتها، وطريقة تقديمها في النص الشعري على نحو متوار ورهيف، ويعتمد على الإيحاء وعلى الحركة الذهنية، وعلى المفارقة الحادة بين الانتظار واعتبار الحضور في الآن ذاته نوعا من الخسارة والفقد، وهي مفارقة تجعلنا نعيد قراءة النص
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading