مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
الشعر الحر

هذه البلاد شقة مفروشة – نزار قباني

A middle-aged man with short white hair, wearing a blue suit and a patterned tie, resting his chin on his hand while looking thoughtfully at the camera.

هذي البلاد شقةٌ مفروشةٌ،

يملكها شخصٌ يسمى عنترة …

يسكر طوال الليل عند بابها،

ويجمع الإيجار من سكانها..

ويطلب الزواج من نسوانها،

ويطلق النار على الأشجار …

والأطفال … والعيون …

والأثداء …والضفائر المعطرة…

هذي البلاد كلها مزرعةٌ شخصيةٌ لعنترة …

سماؤها.. هواؤها …

نساؤها … حقولها المخضوضرة …

كل البنايات – هنا – يسكن فيها عنترة …

كل الشبابيك عليها صورةٌ لعنترة …

كل الميادين هنا، تحمل اسم عنترة …

عنترةٌ يقيم في ثيابنا … في ربطة الخبز …

وفي زجاجة الكولا، وفي أحلامنا المحتضرة…

مدينةٌ مهجورةٌ مهجره …

لم يبق – فيها – فأرةٌ، أو نملةٌ، أو جدولٌ، أو شجرة …

لا شيء – فيها – يدهش السياح إلا الصورة الرسمية المقررة..

للجنرال عنترة …

في عربات الخس، والبطيخ …

في الباصات، في محطة القطار،

في جمارك المطار..

في طوابع البريد، في ملاعب الفوتبول،

في مطاعم البيتزا …

وفي كل فئات العملة المزورة …

في غرفة الجلوس … في الحمام.. في المرحاض..

في ميلاده السعيد، في ختانه المجيد..

في قصوره الشامخة، الباذخة، المسورة …

ما من جديدٍ في حياة هذي المدينة المستعمرة …

فحزننا مكررٌ، وموتنا مكررٌ،

ونكهة القهوة في شفاهنا مكرره …

فمنذ أن ولدنا، ونحن محبوسون في زجاجة الثقافة المدورة …

ومذ دخلنا المدرسة، ونحن لاندرس إلا سيرةً ذاتيةً واحدة …

تخبرنا عن عضلات عنترة …

ومكرمات عنترة … ومعجزات عنترة …

ولا نرى في كل دور السينما إلا شريطاً عربياً مضجراً يلعب فيه عنترة …

لا شيء – في إذاعة الصباح – نهتم به …

فالخبر الأول – فيها – خبرٌ عن عنترة …

والخبر الأخير – فيها – خبرٌ عن عنترة …

لا شيء – في البرنامج الثاني – سوى:

عزفٌ – على القانون – من مؤلفات عنترة …

ولوحةٌ زيتيةٌ من خربشات عنترة…

وباقةٌ من أردئ الشعر بصوت عنترة …

هذي بلادٌ يمنح المثقفون – فيها – صوتهم، لسيد المثقفين عنترة …

يجملون قبحه، يؤرخون عصره، وينشرون فكره …

ويقرعون الطبل في حروبه المظفرة …

لا نجم – في شاشة التلفاز – إلا عنترة …

بقده المياس، أو ضحكته المعبرة …

يوماً بزي الدوق والأمير … يوماً بزي الكادحٍ الفقير …

يوماً على طائرةٍ سمتيةٍ.. يوماً على دبابة روسيةٍ …

يوماً على مجنزرة …

يوماً على أضلاعنا المكسرة …

لا أحدٌ يجرؤ أن يقول: ” لا “، للجنرال عنترة …

لا أحدٌ يجرؤ أن يسأل أهل العلم – في المدينة – عن حكم عنترة …

إن الخيارات هنا، محدودةٌ، بين دخول السجن، أو دخول المقبرة..

لا شيء في مدينة المائة وخمسين مليون تابوت سوى …

تلاوة القرآن، والسرادق الكبير، والجنائز المنتظرة …

لا شيء، إلا رجلٌ يبيع في حقيبةٍ تذاكر الدخول للقبر، يدعى عنترة …

عنترة العبسي … لا يتركنا دقيقةً واحدةً …

فمرة، يأكل من طعامنا … ومرةً يشرب من شرابنا …

ومرةً يندس في فراشنا … ومرةً يزورنا مسلحاً …

ليقبض الإيجار عن بلادنا المستأجرة

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading