مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

ميلاد الشيخ صالح – بختي ضيف الله – الجزائر

66

بعد حصار طويل نقلت خبرَه الدنيا عبر القنوات التلفزيونية والإذاعية، سقطتُ في وسط المدينة المدمرة مقطعا أشلاء، تحضنني الأرض بقوة كطفل مدلل، أخذت كل شيء من لحمي وعظمي ودمي.

لا حديث في صفحات التواصل الاجتماعي إلا عني، بين كذب وحقيقة، بين مدافع عني ولاعن لي. تستضيف القنوات خبراء من بقاع العالم بمختلف اللغات الحية، كأنهم سكنوا بجانبي أو تقاسموا معي طعاما في يوم ما. كانت إحدى القنوات العربية أكثر احترافية؛ استضافت الدكتور الذي اطلع على بطني أمي وتعرف عليّ من بداية تشكلي في بطنها، وأخذ صورا لمراحل عمري في ذلك الظلام وكلّ حركة تفردتُ بها في عالمي الضيق. وقفَ ومقدمةُ الأخبار ذات العينين الزرقاوين أمام شاشة كبيرة عليها صوري البطولية، من يوم رميت حجرا إلى يوم حملت رشاشا. أمطرته بأسئلة مفخخة أُعِدتْ من قبل خبراء في الإعلام والسياسة وعلم الاجتماع؛ أفشى فيها أسرار حمْل انتظره والدي كثيرا، لم يكن راضيا بأن يلمس بطنها غريب، تذكره الحال بأرضه المسلوبة. هل كنتُ ذا قيمة من بين الذين سقطوا بجانبي وامتزجت دماؤهم بدمي؟

حين زرعتُ الشك والحيرة في نفوسهم، فكروا في قطع رأسي كما فعل المحتل الفرنسي بالجزائريين، لتشابه بين الرأسين، لأنّ يدا مُدّت من هناك إلى هنا أيام الناصر صلاح الدين، تشرّبَتْ هويةً مقدسيةً، فتراها لا تقبل الضيم من الغرباء. اختلفوا فيما بينهم؛ فمنهم من يقول: لا بد أن ندخله المخبر لنعرف سر قوته وشجاعته؛ كيف لرجل تجاوز السبعين يقاوم (الميركافا)، ويصبر على حصار خانق ضرب عليه من كل الجهات، ومنهم من يقول: انتهى كل شيء، لقد مات الرجل؛ أما رأيتم لحمه ملتصقا بالأرض.. أسر كبيرهم  الذي غرس فيهم الغدر على رأيه، أن أدخلوه لنعرف حقيقته أكثر؛ هل كان يشك بأني ما زلت على قيد الحياة؛ في كل مرة يضع يده على قفص صدري المحطم إن كان فيه نفس يعيد لي الكرّة عليهم.

لم يعلم أني غادرت عالمه الصغير، يتمسك به ليصنع لنفسه انتصارا وعظمة بين جنوده الذين يصيبهم الرعب  كلما كشفوا عن وجهي الذي حاولوا أن يسرقوا علامات النصر منه، يرفعه اليقين. ها أنا أعيش في عالمي الشفاف كطائر تخلص من حبل الزمان والمكان؛ لقد انتصرت غزة كما وعدها ربها، وعاد المحتل إلى شتاته مهزوما مدحورا، لم أعد أتسمك بعقارب الساعة التي تخدعنا أحيانا، لا حاجة لي بالانتظار الطويل الممل وكوابيسه المزعجة.

تمنيت أن لا يقطعوا رأسي حتى يعرفني أولادي الجياع وقد أتعبهم الحصار القاتل والنزوح من الشمال إلى الجنوب بأقدام حافية، يعيدون صور الأجداد الذين نزحوا من حيفا ويافا، فارين من العصابات التي سلبت أراضيهم.

لا أدري كم استغرقت من زمن في هذه الحياة الدنيا وأنا أتقلب على فراشي البالي، أيقظني كبير السجانين، يضرب الأبواب بعصاه، وهو يصرخ: كيف أدرج اسم (الشيخ صالح) في قائمة المفرج عنهم في صفقة تبادل الأسرى.. كيف؟ اللعنة.. كيف يخرج ولم أشف غليلي منه؟

استيقظتُ والفرحةُ تملأ صدري، والرفاق حولي يباركون لي ويهنئونني بخروجي غير المنتظر من سجن سرق مني نصف العمر أو يزيد..

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading