📰 آخر الأخبار
أَنتِ الصَّبَاحُ /أحمد أبوراشدThree Poems By Park Chul Unجناح الضوء / عارف عبد الرحمنأنواع الكوميديا الحديثة/محمد عنانيمنذ أنْ رحلَ ساعي البريد لا توجد رسالة صادقة/غدير حميدان الزبون-فلسطينعرفاء الصف / جواني عبدالThe day you arrive /Elisa Mascia - Italyالدولة والشعب / حميد المصباحيمنتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنان
أَنتِ الصَّبَاحُ /أحمد أبوراشدThree Poems By Park Chul Unجناح الضوء / عارف عبد الرحمنأنواع الكوميديا الحديثة/محمد عنانيمنذ أنْ رحلَ ساعي البريد لا توجد رسالة صادقة/غدير حميدان الزبون-فلسطينعرفاء الصف / جواني عبدالThe day you arrive /Elisa Mascia - Italyالدولة والشعب / حميد المصباحيمنتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنان

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
فنون تشكيلية

فخاريات ذهبية – قراءة في لوحات للفنان د. اياد الحسيني

صورة شخص يرتدي حجابًا أزرق ومئزرًا مخططًا باللونين الأبيض والأسود، يجلس مع وضعية تفكير مع يمسك ذقنه.

   تأمّـل الإنسان في التاريخ فـوجده سجلات تراكمت الأحداث بأزمانها وأماكنها على سطورها، لتدوّن وتحفـظ وتعـلن لقارئها ماضيًـا ثريًـا يعـين على رؤية الحاضر بشيء من الفهم، كما يمكن أن يعمل باتجاه التنبـؤ بالمستقبل بشكل من الأشكال.

   من هنا كان توقف الفنان اياد الحسيني متأملا تلك الفخاريات، التي صنعها أجداده العراقيون القدماء في وادي الرافدين، بوصفها شواهد عظيمة تحكي صور حضارة تميّـزت بتطـوّرها وعطائها، فاشتغل منطلقًـا من فكرته في اعادة اكتشاف هذا التاريخ واختزاله في لوحات، ولكن بوجهة نظره الخاصة، فاشتغل باتجاه تحويلها من مُـكـوِّنات نحتية، مجسّمة بأبعادها الثلاثة إلى مُـكـوِّن ذي بعدين، أي لوحة تشكيلية مرسومة على القماش.

   من هذه السجلات ما تركه لنا أجدادنا من مدوّنات وشواهد نحتية، تحكي قصة حضارة ثرية أثارت العالم بإبداعاتها التي لم تترك مجالا إلاّ وأبدعت فيه، من هذه الشواهد إناء الوركاء الذي سنتوقف عند وصفه بشكل مختصر، حيث يشير أ.د. زهير صاحب إلى أنَّه أُنجِـز في حدود 3200 ق. م، من رخام كريمي اللون ليمثِّـل الاحتفال بالزواج المقدس الذي ينشِّط قوى الطبيعة، ويفـعِّـل تناسلها من وجهة نظر العراقي الذي عاش آنذاك.

   اعتمد الفنان العراقي القديم إنجاز هذا الإناء على تكوين اشتمل على أربع مساحات مشغولة، وثلاث مساحات فارغة لتؤدي وظيفة الفصل بين في الموضوعات المطروحة في حيـّـز الاشتغال. وكان النحت البارز الذي اعتمده هذا الفنان يكشف عن مادة الخلق الأُولى، وهي الماء الذي يشغل المساحة الأُولى بداية من أسفل الإناء، وفي الثانية صوّر مشهـدًا لسنابل القمح النامية على ضفّة النهر، وفي الثالثة صوّر مجموعة من القرابين المتمثلة بالأكباش والنعاج، وفي المساحة المشغولة الرابعة صوّر صفًـا من الرجال العراة، وهم يحملون سلال الفاكهة والخضار وآنية من الفخار مملؤة بالحليب واللبن، وفي الجزء الأعلى اتخذت الكاهنة الممـثّـلة للآلهة إنانا موقعها بين مجموعتين من القصب المعقوف للترحيب بالكاهن، الذي يُـعـدُّ ممثلا للإله تموز إله الربيع والخصب وتجدد الطبيعة.

   سأتناول أولا لوحته {إناء الوركاء الفخاري.. هـلاّ ارتويتم} حيث اعتمد التكوين على اعادة رسم شكل الإناء ولكنه تعـمّـد عرضه بشكل مُشوّه ليؤدي الدلالات التي سأقف عندها تاليًـا، كما اعـتمد شكل الدم المنثور في النصف العلوي من الإناء، والشكل الأسود المضطرب في الجزء الأسفل منه، فيما تشكّـلت أرضية اللوحة باللون الرمادي.

اتخذ الإناء موقعـه في وسط اللوحة ليكون نقطة سيادتها، وهي بهذا يلتقي مع موقع الإناء الأصلي في وسط معبد الإلهة {إنانا} في الوركاء القديمة؛ للدلالة على قيمته الاجتماعية والعـقائدية معًـا.

   وبما أنَّ النتاج التشكيلي الإنساني على مدى عصور متراكمة كان يعتمد فكرة تموضع نقطة السيادة في محاور متعددة داخل حدود إطار اللوحة، فإنَّ واحـدًا من هذه المحاور هو 1:2، أي أن يشغل الموضوع الرئيس منتصف أرضية اللوحة إذا قسّمناها بخطين متقاطعين الأول عمودي والثاني أُفقي، وهذا الموقع كان الفنانون يخصصونها للقديسين والأبطال الأُسطوريين والشخصيات الفاعلة في مجتمعاتها؛ للدلالة على أهمية حضور هذه الشخصيات.

   من هنا كانت فكرة الفنان اياد في موقعة الإناء ولكن.. لماذا تعـمّـد الفنان تشويه شكل هذا الإناء؟

ولماذا تعـمّـد إزالة قاعدته التي كان يستند عليها في شكله الأصلي؟

   سبق أن أشرتُ الى أنَّ هذا الإناء يزخر بقيمته الدينية والمجتمعية معًـا، بوصفه تجسيـدًا للاحتفال بالزواج المقدس المرتبط فصليًـا بالربيع ، فصل التجدد الحياتي والخصب والنماء، الذي تؤشره عـودة الإله تموز من عالم الموت السفلي إلى عالم الحياة العلوي ، ناشرًا الحياة بعد الموت ، لكنَّ ذاكرة الفنان اياد الثريّـة تؤشر معطيات حياتية سلبية تقوم بها أيدي الدمار والقتل ومسخ الإنسان العراقي تاريخًـا وحاضرًا ومستقبلا، إنّـه تدمير ذلك الإرث الحضاري الموغل في القدم ، وهو في الوقت ذاته هوية الشعب العراقي، إذًا هي محاولة لهدم هذا الترابط العميق، التي جسّده الفنان بتعـمده تشويه تفاصيل الطقوس المرسومة على الإناء وإزالة معالمها، فلم يظهر منها غير أشكال مبعـثرة تنفرش على جسد الإناء، مُـحيلة إيّاه إلى شكل لا هوية له ، لكنَّ الفنان اياد استدرك هذه المسألة فأطلق عليه تسمية اللوحة {إناء الوركاء النذري} وبذلك أحال المتلقي إلى دلالات التضييع والدمار المتعمد الذي يفرضه الأعداء على تاريخنا ، يـؤيد دلالتنا هذه ما رمى إليه الفنان من إزالة قاعدة الإناء .

  المعروف في الواقع العياني أنَّ القاعدة هي الجزء المستقر على الأرض، والرابط ما بينها وبين الأجزاء الأُخرى التي تعلوها، ولهذا يجب أن تتصف بالقوة والاستقرار لتكون مرتكـزًا للشكل، إذًا الإزالة مقصودة وواعية تمامًـا لأنّـها تـؤشِّر محاولة قـوى الظلام فصل العراقي عن إرثه الحضاري.

   اشتغل الفنان العراقي القديم هذا الإناء بخامة هي الرخام ذي اللون الكريمي، لكنَّ وعي الفنان اياد وعمق الدلالة لديه؛ دفعاه لرسمه باللون البني المتـدرّج ما بين الغامق والفاتح، وصولا إلى اللون الأبيض المطفأ في بعض أجزائه.

هنا سيبرز تساؤل: لماذا عـمد الفنان إلى تغـيير اللون بالكيفية التي نراها في هذه اللوحة؟

للإجابة عن هذا التساؤل لا بُـدَّ لي من الإشارة الى أنَّه لون التراب الذي ينفرش على وجه الأرض، وتشير الديانات السماوية إلى أنَّ الإنسان خُلِـق من تراب، كما أنَّـه عاش في كهفه الأول الحجري وهو نوع من التربة الصلبة، وبنى أول بيوته من الطين، إذًا كان الفنان اياد واعيًـا تمامًـا بهذا الترابط الحميمي بين الإنسان والتراب، فاستعمل اللون البني للإناء، وبهذا يجمع الأرض والإنسان وما أنتجه برابط لا يمكن له أن ينفصم.

   إنَّ إناء اياد – حفيد ذلك الفنان الوركائي المبدع – كان لابُـدَّ له من اعـتماد التـدرّج في اللون البني، حيث أنَّ هذا التدرج يـؤكّـد الأبعاد الزمنية، فالجزء الأوسط اتخذ اللون البني الأغـمـق للإيحاء بالاستمرار الحياتي من النقطة الزمنية الأبعد إلى الأقرب، فهي تراكم حَـدَثي زمني، فيما تـؤشّر الأجزاء الفاتحة اشراقات حَـدَثية تجسّدت في مسيرة هذا الشعب تاريخيًـا.

   تتشكّـل فلسفة الفنان الحياتية من مجموعة معطيات تطرح نفسها في اشتغالات ذاكرة الفنان، هذه الذاكرة التي تعمل باتجاه اعادة انتاج ما استلمته من معطيات؛ لتظهرها بشكل معـاير يقف أمامه المتلقي باحثًـا متأملا، من هنا سنؤشِّر وجهة نظر الفنان في تشكيل منظور لوني مـوازٍ للمنظور الفكري، ولم يجد أفضل من اللون الأحمر لتشكيل تكامله مع اللون البني أولا، ولتأشير دلالة القتل والدماء التي تتناثر ثانيًـا، سواء أكان هذا التناثر هو دماء الأجداد أم دماء الأحفاد ، فالدم من وجهة نظر الفنان اياد لا يتغـير لونه رغم التباعد الزمني.

   هنا لَفـتَ نظري توجّه الفنان نحو طريقة نثر الدماء وليس اسالتها، حيث كان بإمكان الفنان أن يجعل الماء يسيل من حافة أو حافات الإناء ويـغـطي أجزاءً منه، لكنَّ هذا التوجه سيبدو أقرب إلى النمطية شكلا ودلالة، ولهذا اختار الفنان طريقة نثر الدماء مُـحيلا متلقيه إلى دلالة استمرار الحدث من، خلال إلغاء المسافة بين الزمنين الماضي والحاضر وصهرهما معًـا من جهة ، ومن جهة مغايرة يحمل دلالته في تأشير طريقة القتل التي تنتهجها المفخخات التي تنفجر بشدة؛ لتُـسبب نثر الدماء التي هي رمز للإنسان المُـغـيّـب شكلا والحاضر دلالة .

   من جهة ثالثة يؤشّر اعتماد الفنان اياد اللون الأحمر القاني والمُـشبّـع أيضًا؛ للتدليل على استمرارية حَـدث القتل رغم التفاوت الزمني، لكنَّ الدم العراقي سيبقى قانيًـا متجددًا، رغم محاولات الإمحاء التي أشّرها الفنان من خلال الشكل البني الغامق المتدرج إلى اللون الأسود، والقابع بالقرب من قاعدة الإناء، حيث يتخذ شكلا هلاميًـا متداخلا مؤشرًا ظلامية الفعل، إذًا يمكنني القول أنّ هذه اللوحة تكشف دلاليًـا عن ديمومة الحياة رغم محاولات الإمحاء عبر فعل القتل.

   يعود الفنان اياد الى قراءة التاريخ قراءة روحية قبل أن تكون مادية، ولهذا نراه في لوحة {وطني} يتخـذ من مسلّـة الملك الاكدي العراقي نرام سين موضوعًـا ليعيد انتاجها، والمسلّـة عـمل نحتي أنجزه الفنان العراق القديم؛ ليُـخـلِّـد انجازات الملوك والحُـكّـام التي يقدمونها للآلهة، أو يدونون عليها القوانين التي سيُعـمل بها في المملكة مثل مسلّـة الملك نرام سين ومسلّـة الملك حمورابي.

   أُنشئت مسلة الملك نرام سين من الحجر الرملي، بارتفاع يقارب المترين، وعرض بحدود متر واحد، متخذة شكلا مستطيلا له حَـنية متوسطة في القسم العلوي منها، وتقدم مشهـدًا للملك نرام سين وهو يصرع مجموعات لولوبي وينتصر عليهم، هذه إذًا مسلّـة الملك نرام سين، أمّـا مسلة الفنان اياد فقد أنجزها على شكل لوحة مستبدلا خامة المسلّـة {الحجر الرملي} بخامة مختلفة هي قماشة اللوحة، ولكنه اعتمد مقاربة الشكل الخارجي للمسلّـة، من حيث كونها مستطيلا له حَـنية متوسطة ايضًا في قسمه العلوي ، واستغل المساحة المتكونة من هذا الانحناء؛ ليُسجِّـل بالحرف العربي مفردة {وطني} وهي في الوقت ذاته عنوان اللوحة، فيما اتخذت الكتابة العربية تموقعها في الجزء المتبقي من اللوحة، وهي جـزء من آية الكرسي بخط الثلث، ولِما لهذه الآية من قدسية اختارها الفنان اياد ليؤشّر البُعـد العـقائدي للعراق، وهكذا سيمكننا تأشير الترابط الأصيل بين شكل المسلّة بـبُـعـدها التاريخي ومفردة وطني بـبُـعـدها الاجتماعي، وآية الكرسي بـبُـعـدها العـقائدي.  

   كما أنَّ الفنان عمد إلى رفع الشكل المستطيل {المسلّـة} على قاعدة متـدرِّجة ومزخرفة الزوايا ، فبدت وكأنّـها إطار لوحة، ولكنها شكّـلت قاعدة تقف عليها المسلّـة باستقرار وتوازن.

   تشكّـل الفتحة الواقعة قريبًـا من وسط اللوحة، فارشة وجودها على الجزء الأسفل منه بؤرة سرد اللوحة ، ومكان سيادتها، حيث تلفت نظر المتلقي بوصفها فتحة سوداء تضيع بعض ملامح الكتابة بوجودها ، لكنّ التدقيق البصري فيها يؤشّر كونها ناتجة عن قذيفة حربية متفجرة ألغت هذا الجزء من المسلة ، وأوقعته في عتمة الضياع والسواد .

   إذًاهو النوع الثاني من أدوات القتل، حيث أشرتُ سابقًـا إلى أنَّ لوحة {إناء الوركاء النذري ..هلاّ ارتويتم} تؤشّر القتل بواسطة مفخخة، لكنَّ هذه اللوحة تؤشر اصابتها بقذيفة، وهي بالتالي الدلالة ذاتها رغم اختلاف الأداة .

   ولا بُدَّ لي أن أُشير إلى أنَّ القذيفة لم تتسبب بتكسير المسلّة، أو ترك فطور عليها؛ لأنَّ الفنان تعامل مع الحالة بوعيِّ عالٍ جـدًا، فأبقاها شامخة رغم اصابتها، إذًا العراقي سيستمر وجوديًـا رغم كل محاولات إمحائه.

   سأُحاول قراءة المنظومة اللونية التي فرشها الفنان على اللوحة وأشكالها، حيث اتخذ اللون البني المتـدرّج أيضًا الذي سبق أن توقّـفتُ عند دلالاته وارتباطه بالوجود الإنساني، إلاّ إنَّ الفنان اياد استعمل اللون الأزرق الغامق قليلا وبدرجة واحدة ليتخذ موضعته على أرضية المسلّـة ، وليشكِّـل بالتالي أرضية لجزءٍ من الكتابة في القسم الأيمن من اللوحة.

   واللون الأزرق رغم كونه لونًـا باردًا إلاّ أنّه يرتبط بلوني الماء والسماء عند انعكاسها عليه ، وبالتالي فهو يؤشر قيمًـا جميلة تعلن التفكير والتأمل والسكينة والهدوء، من هنا سنتعـرّف على فكرة الفنان بإنجاز لوحة هذه المسلّة، بوصفها رمـزًا للوطن وقيمًـاعليا يؤشّرها تاريخ طويل من الابداع، إلاّ إنَّ هذا الابداع هو الآخر محكوم بالقتل ومحاولة الإمحاء، لكنَّ الوطن {العراق} سيبقى رغم قسوة هذه المحاولات مستمـرًا وجودًا وإبداعًـا.

   إنَّ الموضوعات والأفكار التي يطرحها الفنان بشكل تكراري تكشف عن أنها تعتمل في ذاكرته، فلا تكفيه لوحة واحدة للتعبير عنها، ولهذا اشتغل الفنان اياد باتجاه إنجاز أكثر من لوحة؛ ليصل إلى اقتناعٍ بتوصيل هذه الأفكار إلى المتلقي وإيجاد تواصل فاعل بينهما، وتخصيصًا أنَّ هذه اللوحات تأخذ بُـعـديها التاريخي والإنساني، واستمراريتها مستمدة من استمرارية الهجمات والأحداث التي تعصف بالعراق، ولهذا نجده يعود إلى تأشير هذه المحاولات في قتل هذا البلد انطلاقًـا من تدمير تاريخه، لكـنّـه في لوحة {جدلية الجمال والحياة والموت} يتخذ من الرقيم الطيني التاريخي أداةً تثبت حضورها في هذه اللوحة.

   لنتوقف أولا عند الرقيم الطيني لنعرِّف به، حيث أنَّ رقيم الأمس هو كتاب اليوم، ولكنه كان يُصنع من الطين النقي الممزوج بالماء بعد أن تُزال عنه الشوائب، فيُعمل على شكل قوالب ثم يجفف قليلا، ويُـستعمل للكتابة عليه عن طريق خدوش تُرسم عليه بالازميل، ووجِدت الرُقم الطينية محفوظة في المكتبات السومرية والآشوربة والبابلية، حيث سجّل عليها الناسخون الأحداث التاريخية وأخبار الآلهة وأنسابها والقوانين المقدسة والتراتيل الدينية، وحكايات بدء الخليقة والطقوس والأساطير وغيرها كثير، فكانت شاهـدًا حافـظًـا لهذا التاريخ العظيم بمختلف أوجهه.

   من هنا سيمكنني القول أنَّ الفنان اياد امتلك وعيًـا مـدقِـقًـا يميل إلى انتقاء رموزه، معتمدًا على قدرته الذاتية في جمع هذه الرموز؛ لتؤدي دلالات زرعها في لوحته.

   سأتوقف أولا عند التكوين في هذه اللوحة، حيث يكشف المسح البصري لها عن الأشكال التالية:

1/ الأشكال الهلامية والخطوط المتشابكة والأشكال المبعثرة داخلها.

2/ الرقيم الطيني.

 3/ الهالة الدائرية البيضاء.

4/ الشكل الإنساني داخل الهالة وارتباطة بالأشكال الهلامية الحمراء.

5/ الشكل العام الذي يبدو أقرب إلى المربع بدون أضلاع واضحة.

6/ الخلفية البيضاء للوحة.

   وقد اعتمدتُ في قراءتي لهذه اللوحة على عزل الأشكال حسب قربها من مقدمة اللوحة ثم الأبعد، وهذا العزل إجراء بحثي لا غير، لأنَّ اللوحة كل متكامل تحمل دلالاتها داخل حدود إطارها الخارجي.

لوحة {جدل الجمال والحياة والموت} رقيم طيني من العراق القديم

للفنان اياد الحسيني 

   إنَّ الشكل الذي اعتمده الفنان اياد في مقدمة اللوحة، هو الشكل الهلامي والخطوط المتشابكة الذي يضم في تشابكاته عجلات متناثرة تبدو وكأنَّها دراجتين لطفلين مزّقت الأحداث جسديهما، ولم يتبقَ منهما غير رأسين مُشوَّهين، ترتسم علامات الرعب عليهما وهما يغيبان داخل هذه الأشكال والخطوط.

وهذا ما سيجعلني أبحث عن جواب التساؤل التالي:

لماذا اعتمد الفنان على اللون البنفسجي المتدرج لإنجاز هذا الشكل؟

للإجابة عن هذا التساؤل لا بُـدَّ لي من الإشارة الى أنَّ المتعارف عليه في الذاكرة الجمعية، والتي انتقلت إلى الذاكرة التشكيلية أيضًا، أنَّ حوادث القتل والانفجارات تتخذ الألوان السوداء والحمراء وتدرجاتهما غالبًـا، لكنَّ الفنان اياد في هذه اللوحة اشتغل باتجاه تأكيد أكثر من أمر:

الأول هو محاولة الفنان الخروج عن هذه النمطية المتعارف عليها لونيًـا، والثاني هو تأشير روحانية الحدَث ، رغم أنَّه قاسٍ جـدّا إلاّ إنّه لم يُفقِد الحياة جماليتها واستمرارها، والعراقي عظيم حتى في موته .

   واستخدم الفنان اياد لمسات من اللونين الأصفر المطفأ وهو لون الموت، واللون البني الغباري مؤشراً حركة الغبار وحضور الموت عند حدوث الانفجار. والأمر الثالث هو منح اللوحة روحًـا من خلال الحركة وتشابك الخطوط؛ لتؤدي دلالات التأثير القوي واللا استقرار، مؤشرًا محاولات متعمدة لتضييع الطفولة العراقية الجميلة. أمّـا الرقيم – وهو الكتلة الأثقل وجوداً في اللوحة – فبدا مُحمّلا بدلالة الحضور التاريخي البعيد زمنيًـا، إلاّ إنَّ الفنان اشتغل باتجاه مزج الأزمنة واختزال المسافات، فكتب على وجهه آيات من القرآن الكريم بالخط الكوفي، وهو الخط الذي كُتبت به المصاحف في القرن الأول الهجري؛ ليؤكِّـد على ترابط التاريخ بقدسية القيم الاسلامية السامية.

   في اشتغاله عمد الفنان هنا إلى اسقاط ما يشبه القطرات المتوالية الذهبية من الرقيم إلى الأرض، لكنها رغم سقوطها شكّلت لها وجودًا آخر على الأرض ، ولم تفقد جمالها لأنَّ القدسية موجودة سواء أكانت مكتوبة على الرقيم أم على الأرض، وهو بهذا يحيل متلقيه إلى الترابط العميق بين الثلاثي: الرقيم، الأرض، الآيات القرانية لتشكِّل بمجموعها وجودًا قدسيًـا للعراق ، وهذا ما دعا الفنان إلى اختيار الهالة البيضاء التي كانت تُرسم حول رؤوس الأنبياء والقديسين والشخصيات الفاعلة، لكـنَّـها هنا اشتغلت باتجاه منح الفارس الأحمر وحصانه مكانة ووجودًا مميـزًا، حيث يؤشر اتجاه حركته صعودًا إلى الهالة بُعدًا مكانيًـا يبدأُ من يسار اللوحة حيث كان القتل على أشدّه مما حوّل بعض أجزاء الجسد إلى أشلاء، أو كتل هلامية حمراء لكثرة ما سال من دمائها، لكنَّ الفارس – الرمز – لم يقبل بقتله أو فنائه، ولهذا كانت حركة صعوده دالّة فاعلة على اصراره الوجودي، وارتباط هذه الحركة بفكرة الفنان في منح اللوحة روحًـا متحركة بعيـدًا عن الجمود.

   يتخذ الشكل المربع حضورً مستقرًا متكامل من خلال تقابل أضلاعه وتساويها، لكنَّ الفنان اياد أخرج هذا الشكل التكويني من جموده واستقراريته؛ ليحيل إلى جسامة الحدث الحاصل حيث أخفت الأشكال الهلامية والخطوط المتشابكة غالبية حدوده. كما أنّه في الوقت ذاته أرضية لها قيمتها البصرية والتشكيلية من خلال دورها في اظهار عناصر التكوين. ومنح الفنان هذا المربع لونًـا بنفسجيًـا، وهو من الألوان الملكية حيث يعطي انطباعاً بالفخامة والعَظَمة لارتباطه بالملوك والأباطرة، ويحيل أيضًا إلى دالات القوة والمثالية والروحانية، من هنا كان اختيار الفنان واعيًـا تمامًـا للون البنفسجي؛ ليؤشر هذه الدلالات رغم محاولات الإبادة، ويؤازر هذه الدلالة دلالة اللون الذهبي التي تلتقي مع البنفسجي، يقابلهما اللون الأحمر وهو لون الدم المُراق .

هنا سيطرح التساؤل نفسه :

لماذا اتخذ الفنان هذا التكوين ليموضعه على أرضية بيضاء؟

   إنَّ الأرضية هنا هي الفضاء الذي تدور فيه الأحداث، ورغم سوداويتها واشراقها إلاّ إنَّ الفنان أراد الإشارة إلى أنَّها أحداث ستنتهي يومًـا، ويعود الصفاء والنقاء –  ممثلا باللون الأبيض – إلى أرض العراق.

   إذًا اللوحات الثلاث تُشكِّـل تأرخة فلسفية حاول الفنان طرح مداليلها من خلال تحويلها إلى عالم افتراضي هو اللوحة التشكيلية، ولم يظهر الإنسان العراقي بشكل كامل وواضح؛ لأنَّه أحاله إلى وجود تفاعلي ضمن مشهدية اللوحة التي امتلكت أبعادها الزمانية والمكانية معًـا.   

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة