في ظلال الليلة الأخيرة، وبين جدرانٍ شاخت من الانتظار، وقفت الأم تُحدّق في وجه ولدها الوحيد. كان الفجر يوشك أن يبزغ، والمركب تنتظره على الضفة الأخرى من الحلم. قال أكمل بصوت اختلط فيه العزم بالحنين: – أمي، سأخرج مع أول خيط للشمس… المركب على موعد، والبحر لا ينتظر أحدًا. عانقته عيناها قبل أن تعانقه ذراعاها. أردفت وقد شقّ صوتها السكون: – ولدي… لا طاقة لي على وداع آخر، فقدتُ والدك، ومن بعده أخيك ويكفيني ماذاقت نفسي من طعم الفقد. لا أعرف وجهتك، ولا حتى ما ترجوه من هذه الهجرة القاسية. – أمي… سأجوب البلاد بحثًا عن الرزق الحلال، عن الحرية، عن الكرامة والإنسانية. هل يعقل أن أتخرج من كلية الهندسة لأجمع حبات العنب ؟ تعلمين كم هي المعاناة ثقيلة، ليس عليّ وحدي، بل على جيلي كله. غدًا… سنكون معًا، وسنرى ما يخبئه لنا القدر. سامحيني… ، لن تطأ قدماي أرض الوطن إلا عندما تصبح الأرض ممهدة لخطوات الرجال. تأملته الأم مليّاً، ثم تمتمت بدموع مكابرة ورضا بقضاء الله والأمر الواقع: – كان الله معك يا قرة عيني. تخللت خيوط الفجر ستائر الغرفة، نهض أكمل، حمل حقيبته على كتفيه، وقلبه على راحتيه. ودّع أيام الطفولة، ورفوف الشباب، وكتب الهندسة، وماكيت مشروع التخرج الذي حلم ذات يوم أن ينهض به فوق أرض الوطن. وداعٌ مُر، وحنين يغرس مخالبه في صدره. وقبل أن يعبر الباب، توقف أمام بيت ريم. طرق الباب بخفة، فتحت وهي لاتعلم أن الحزن والألم سيعبران إلى ثنايا روحها ويسلب الفرح والسعادة من وجنتيها حدّق في عينيها التي خبّأت سنوات من الحب الصامت، وربّت على يدها المرتجفة. قال بصوت مبحوح: – لا تنسيني… ولاتنسي أني رحلت… من أجلك. انفجرت ريم باكية، بينما الأم خلفه، واقفة كجذع شجرة ضارب في الأرض، مثمرة رغم العواصف، تودّع غصنها الوحيد، لكنها تمده بالقوة. قالت بصوت عميق متماسك: – أنا في انتظارك، يا باشمهندس. أغلق الباب خلفه، تاركًا عاصفة من الذكريات، وآهات الوداع، ونظرات لا تنطفئ. ماضياً… إلى حيث يشاء القدر.