صلاة العارفين.. راوية المصري

الحب …ليس سوى الشيفرة البدئية التي ارتجف بها الكون في أول رعشة وجوده، ذلك السرّ الأثري الذي تتهجّاه الأرواح منذ كانت ذرّات تائهة في فوضى الأزل.
هو نهرٌ سرمديّ، تنبع ينابيعه من تجاويف الروح المعتمة، لا تطاله شوائب الحيلة، ولا تجرؤ أقنعة الزمن على تشويهه.
لا يسأل عن سبب، ولا يفاوض على حضور، ولا يختبئ خلف ستائر الرياء. ليس وعدًا يُعقد في عتمة الانتظار، ولا ظلّا يطارد أطياف الغياب، بل هو تجلٍّ مطلق، حضورٌ يفيض من الشقوق الخفية… يملأ الصمت بأصداء المعنى، ويمنح الغياب موسيقى لا يسمعها إلا من أرهف قلبه..
الحب هو سكينة تكسو القلب برداء من نور، تغنيه عن صخب العالم، وتمنحه يقينًا لا يتزعزع. لا يرتدي الحب أقنعة زاهية، بل يمشي عاريًا من الزيف، نقيًّا كما ولدته الروح الأولى، متجردًا من شوائب الخوف، متسامٍ عن صغائر الفناء..
يأتي الحب عاريًا من الشك، شفافًا كالدعاء المنسي في آخر الليل، عميقًا كصلاة العارفين في محراب الوحدة. يرمّم ما هدمته رياح الحياة، ويزرع في خرائب القلب حدائق من ضوء، حيث تتفتح أزهار المعنى على ضفاف الألم.
في معارج هذا السرّ، يتداخل الزمان والمكان، وتتماهى الفيزياء مع الروح، ويغدو الإنسان مجرّد ومضة عابرة في مجرّة المعنى، يبحث عن ذاته بين ظلال الحنين، ويكتشف أن الحب هو وحده، يعيد للإنسانية ملامحها الضائعة في صخب العدم…



