شعرية الموت ومديح الصداقة من خلال كتاب أحبولة الوجود لكاتبه لحسن وحي – ذ. هشام أيت القائد

يختلف التعبير عن المشاعر من شخص إلى آخر، سواء مشاعر الفرح والغبطة والسرور، أم مشاعر الحزن والفقد والألم، وقصدنا هنا هذه الأخيرة، حيث تجد من يعبر عنها بالصمت والكبت، ومن يعبر عنها بالبكاء والصراخ، وهناك من يعبر عنها بالكتابة: إما بالشعر وإما بالنثر، وأما الشعر فيجد الشاعر نفسه أمام حادث الفقد الذي يشعل جذوة قريحته حزنا وألما، فيصوغ ذلك في قالب شعري بإيجاز محكم، يلبس فيها للكلمات معان ثقيلة تشعر بثقلها وأنت تقرأ مرثيته، فيجمل في تعبيره، ويجمع ما يمكن أن يتفرق من معان في شطر بيت أو في بيت شعري، وأما الكاتب يترجم مشاعره في كتابته بإسهاب، حيث يجد حريته في تفصيل ما في مكنونه بعبارات عميقة، وتصوير الحادث تصويرا دقيقا، بأسلوب سلس ينصهر معه القارئ، ويستحضر شعور الكاتب بين كل فاصلة وفاصلة، ونقطة ونقطة، بين كل كلمة وكلمة، وجملة وجملة، بين كل سطر وسطر، وصفحة وأخرى… وقد عبر الرافعي عن هذا بقوله ” الشعر إجمال والكتابة تفصيل”.
والكاتب الحاذق الأستاذ سيدي لحسن وحي قد اختار للتعبير عن الألم المكلوم، والقدر المحتوم، وما خلفه موت أصدقائه من جرح غائر في قلبه، وحزن وتصدع في نفسيته بالكتابة، وقد أخرجها إلى الوجود وأعطاها حياة لتكون مرآته، فوسمها بأحبولة الوجود، فوضع القارئ أمام أحبولة لا مناص من الوقوع فيها، حيث لا يمكنك أن تبدأ في قراءته وأنت بين قوس البداية وقوس النهاية، إلا وتجد نفسك أخيرا وقعت في أحبولة الأحبولة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على حصافة الكاتب وحسن ذوقه في اختياراته العبارات المناسبة، وترصيعها ووضعها موضعها، محملة بالمشاعر الآنية والماضية والآتية، ومضمخة بالفصاحة والبيان. وفي مثل هذا قال سعيد العريان “وما قرأت من قول مزوق، وبيان منمق، ومعنى يلد معنى، وفكرة تستجر فكرة، وعبارة تتوكأ على عبارة، فهو من أداء الفن، وولادة الفكر“(1). وقال الرافعي: “روحية الكلام المكتوب يا صديقي، هي وحدها التي تجعل الكتاب عالما من العوالم، يحمل دنيا مستقلة وإن كان هو يحمل في اليد“(2)
والكتاب جاء ترجمة لمشاعر الفقد التي تحولت إلى كتاب يلمس ويقرأ، ليس مجرد رواية عابرة أو كتاب للاستئناس فقط، بل هو كتلة من المشاعر رصفها الكاتب رصفا، يجعلك تعيش معه تقلبات الأحداث والمشاعر، فتحس أنك المتحدث، أنك المتألم، أنك الفاقد والمفقود، تشعر بوجع الأخذ والنزغ الذي انتاب فقيده. وأول ما يشد انتباهك: عنوانه الذي يعطيك تصورا وانطباعا أوليا عن محتواه، وإن كان يقال لا تقرأ الكتاب من عنوانه، ولكن العنوان هو الكتاب، لأنه ملخص لأفكاره، ومجمع لما تفرق فيه، فإذا توقفنا قليلا عند هذه الجملة “أحبولة الوجود” قد تعطيك إشارات عديدة، وقراءات متعددة، ومن زوايا مختلفة. فالأحبولة في اللغة هي المصيدة والشرك والفخ. “والوجود” يختلف معناه حسب السياق، قد يقصد به حقيقة الشيء أو كينونته، وتحقق الذات، وهو ضد العدم. وقد يشير إلى كيفية وقوع الإنسان في متاهات الوجود، أو التناقض بين البحث عن الحرية والوقوع في قيود العالم المادي. وأما قراءتي له من خلال تصفحه أن الأحبولة التي يقصدها الكاتب هي: الظروف الصعبة التي يعيشها الإنسان ويقاومها، والأقدار المحتمة عليه، وعبر مجازا بالوجود عن الموت، ليعلق بذهن القارئ أن الموت خيط ناظم للوجود، قد يتقطع في أية لحظة وينصرف من الزمكانية إلى أللازمكانية، وقد عبر عن هذا صراحة بعد قطع أشواط في سرد سمفونية الحزن الكسير، وألم الفقد الذي جعله للقلق والحسرة كالأسير، تمهيدا لحقيقة لا يمكن إنكارها ولا الهروب منها، حيث قال: “أحبولة الموت، لا تفارق الأحبة، فخذوا حذركم أحبتي، فالحياة لا تنتظر أحدا”(3)
وفي مثل هذا قال الشاعر أبو ذؤيب:
وإذا المنية أنشبت أظفارها::ألفيت كل تميمة لا تنفع
وقد أحسن في اختياره للعنوان، لأن كل الأحباب الذين سقطوا واحدا تلو الآخر كما عددهم، وقعوا في شراك الظروف التي أجبرت كل واحد منهم على مقاومتها بأسلوبه الخاص، لترميهم إلى أحبولة الموت، فمنهم من ذبحته آلة صماء فأسكتت أنفاسه، ومنهم من وضع حدا لحياته بالمشنقة، ومنهم من أنهكه المرض فأسقطه رغم محاولة التخطي والتعافي، ومنهم من سقط ضحية لبندقية لا تعرف أين سترمي رصاصها إلا بوضع الأصبع على الزناد، وأيا كانت الوجهة ستنطلق إليها، وإن تعددت أسباب الرحيل فالمصير واحد. وقد عبر عن هذا بقوله:
“ولأن الموت تنعكس صوره المختلفة في فقدان الآخرين، فإنه مصيرنا الموحد والأوحد، أعدل قسمة بيننا”(4)
كما عبر أبو العتاهية كذلك عن هذا المعنى بقوله:
تعددت الأسباب والموت واحد فمن لم يمت بالسيف مات بغيره.
فصديقه الأوحد الذي كان الشرارة الأولى، والنفخة التي ألقت في روعه تخليد ذكرى وفاته، ودغدغت فيه حس البوح: “هلال” عبر عن رحيله المفاجئ: الذي خلف جرحا غائرا في كل من يعرفه، فكيف بمن صاحبه وتقاسم معه أفكاره وأسراره، بما يبكي العين، ويدمي القلب، فكلما ضاقت عنه عبارة استعار أخرى أشد منها تأثيرا حيث يقول: “ وكم هي قاسية أحبولة الوجود، حين لا تصيد إلا الطيبين والطيبات، ذوي النفوس الطاهرة، يا له من شرخ قلبي حين يسرق توأم روحك وقد كنتما البارحة تلعبان سويا. “
تلمس تأثره البليغ بفقده، والألم الذي يعتصره وهو يبعث برقية تعزية إلى روحه التي ارتقت إلى باريها، ويحدثه بحرقة كأنه سيقرأ رسالته ويجيبه برسالة مثلها مطرزة بتفاصيل ما وقع له، ويتحسر على رحيله، ويتمنى بقاءه، لأن الحياة تستمد بريقه في مراكش من وجوده، حيث قال:
“ كم تمنيت أن يبقى ذاك الإنسان حيا،
مراكش الحمراء دونه كساءه الميت.
كم تمنيت أن يبقى ذاك الرجل حيا،
مراكش الحمراء دونه جفاء وجو مميت.
كم تمنيت أن يبقى ذاك الطيب حيا،
مراكش الحمراء دونه تفاصيل قاتلة.”(5)
وقد استعمل هنا أسلوب التمني، الذي يوحي بدلالة الاستحالة كما هو معروف في اللغة العربية، أن التمني طلب أمر محبوب يستحيل تحقيقه، أو يكون صعب المنال، مما يوحي إلى الصدمة الكبرى من رحيله المفاجئ، الذي لم يمنحه حتى فرصة الوداع الأخير، وغير هذه من العبارات التي ألبسها الكاتب الأبيض حدادا على أصدقائه، فكانت حياته غير ما كانت عليه، فأنتجت لنا هذا الإبداع الأدبي والفلسفي حيث يقول:
” كيف لا؟ وقد كان الموت حليف أصدقائي وصديقاتي.
كيف لا؟ وقد أعلنتُ الحداد على الفرح والبهجة.
كيف لا؟ وقد رسم لي الموت طريقًا لا رجعة فيه.”(6)
وقال الشاعر أحمد شوقي:
ولا ينبيك عن خلق الليالي::كمن فقد الأحبة والصحابا
وفقد الأحبة يفقد الحياة طعمها، ويفرغها من معناها، ويجعلها بدون قيمة، لأن كل الأشياء الجميلة لا تكون كذلك إلا بمشاركتها مع من نحب، وأي ألم يجعلك تسطر بالدم قبل المداد مثل هذا الكلام:
” رفيقي ” الهلالي “
طيورك كلها لم تعد تشاركني نسيم الصباح،
سجائرك كلها لم تعد تؤنس ألم السهر،
قصائدك كلها لم تعد تهدن الصياح،
أقلامك كلها لم تعد تفي بغرض الكتابة.”(7)
إنه ألم الفقد، وجع الرحيل المفاجئ، ثمرة المحبة الصادقة، والمودة الصافية، أن تبكيك العبارات، وتستنزفك المعاني، وتفجعك الذكريات والأماني، وتشعر بنفسك حيا ميتا، استلت منك الروح، فأصبحت صورة قاتمة لجرح لا يندمل، ولألم لا يتوقف، ولذاكرة لا تبلى، ترى وجود رفيقك في كل موجود، ويتمثل لك في كل صورة، وظله لصيق بظلك، هكذا يخاطب الكاتب رفيقه، ويخاطب فيه أناه بقوله:
” رفيقي ” الهلالي”،
أنا حزن أمك الذي يأبى الرحيل،
أنا أنين شقيقاتك الذي لا يود الانقطاع،
أنا بكاء أبيك الذي تمرد عن التوقف،
أنا ذاكرة شقيقك التي تصارع النسيان.”(8)
والكتاب كله عبارة عن وداع ما بعد الأخير، لأن قبل لم تمكنه منه، فجاء محبوكا بهذا الشكل، يستنطق الذكريات بجميع تفاصيلها، والقلب بكل ما يحمله من المودة والمحبة، والألم والحسرة، والزمان بحلوه ومره، بليله ونهاره، بقصره وطوله، بربيعه وخريفه، بشتائه وصيفه، يستنطق الجدران والممرات والجامعات والأثاث والأشجار والأحجار، وكل من وما له علاقة به، وهذا وداعه الذي لم يكن وداعا، بل كان نعيا ودعاء بعد الواقعة، يجعلك تقف وقفة تأمل حول الوجود عامة، وحول وجودك خاصة، وحول فلسفة الحياة التي تجعلك تحت ضرسها وتمضغك مضغا، حيث يقول:
” لروحك السلام رفيقي ” ولد با حماد” ولرب عملك ألف لعنة.
لروحك ألف سلام صديقي ” ولد لآلة فاطمة “، ولمحاميهم ألف لعنة ولعنة.
لروحك السلام عزيز الأشقاء: ” محند، فاطمة، عائشة “، وللشركة ألوف اللعنات.”(9)
وهكذا استرسل في رسم خريطة أحزانه، من محب إلى آخر، فأتى عليهم جميعا بما يليق بمقام كل منهم، والناس مقامات كما يقال. ما أصدق القلب حينما يوجع ويفجع، وينبض بمشاعر كانت حبيسة الفؤاد، فتخرج لكن بعد فوات الأوان، فتبحث عن كلمة تستطيع أن تبلغ ما لا يبلغ، وتشرح ما لا يشرح، وتترجم ما لا يترجم، أية فائدة من البكاء على الميت، وأية فائدة من رسالة بدون وجهة، أية فائدة من رسالة تذريها الرياح وتشتتها، هكذا يتحسر الكاتب بكل أسف وحزن وحرقة وامتعاض حيث يقول:
” بأية لغة نكتب لكِ أنا ورفاقي يا صديقتي آسية الآن؟ أي رسول هذا الذي سيوصل رسالتنا إليك؟ أنكتب لك بلغة الأرواح لغة الميتافيزيقا، أم بلغة ألم الفراق لغة الدم، أم بلغة أمَرَّ من الدموع؟ أنراسلك برسول المحبة والرحمة؟ أم نبعث لك بمبعوث الشوق والحنين؟”(10)
ويقول معتذرا:
” آسية اعذرينا، فلم نكن ندري أن الموت أحكم مقابضه الخشنة على روحك الطيبة، لينتزعها بين ضلوعك. حقا نحن لا نشعر، أناس ما قبل الحرب أصيبوا بنزلة نسيان قاتلة.
آسية اعذرينا، لن نتقبل رحيلك ولو بعد حين. حقا نحن لا نتقبل، زمرة من الرافضين.
آسية اعذرينا، ما لم نكن في مستوى أصدقاء قلبك. حقا نحن لم.. وأخاف أن أقولها ويغتالني ما في قلبي وما في قلب كل الرفاق اتجاهك.
آسية عذرا، إن لم أكن أنا شخصيا في وعلى صورة ذاك الصديق الذي تمناه وتصوره قلبك النقي، في سكونه وصخبه. حقا لم أكن الصديق المناسب الذي كان من المفروض أن تلتقين به في ذاك المجمع الفلسفي والفكري باب الرواح بمدينة الرباط.”(11)
وبعد أن أوفى حق الصديقة التي ما زال الاعتذار إليها قائما لعدم الرد بالقبول من عدمه، انتقل بنا إلى فقيد آخر، ومصاب جلل هز قلبه المكلوم، أسامة الذي قتلته البندقية، وليس الذي قتل نفسه بالبندقية، وقد خلق حوارا بينه وبين هذه الآلة الصماء، فجعل لها لسانا وشفتين، يحدثها وتحدثه، ويوجه إليها أسئلته التي حيرته، وشاغبها كعادته، لتخبره عن حقيقة الأمر قائلا:
” البندقية،
لماذا اخترت أسامة بالذات؟
لماذا فتحت أبواب العدم؟
لينشق صدر ابن من اشتراك.
البندقية،
لماذا وفيت بموعدك؟
فصار أسامة بلا حراك،
ليختزل الوجود بك،
ليشق عدمه بك.”(12)
ولكي تكتمل أجزاء الحوار غير وجهته إلى أسامة، وشكل صورته في مخيلته، فطرح عليه أسئلته، فتكلم بلسانه، وتقمص دوره كأنه الفاعل والمفعول به، كأنه القاتل والمقتول قائلا:
” أسامة،
أية فكرة كانت تجري في دمك،
قبل أن تفعل فعلتك؟
الحب أكانت؟
الفقر أكانت؟
المرض أكانت؟
العنف أكانت؟
الشك أكانت؟
الحيرة أكانت؟
الضعف أكانت؟
الجنس أكانت؟
الحرمان أكانت؟
الظلم أكانت؟ “(13)
وهذا الأسلوب الحواري قد اعتمده الكاتب في غير ما موضع في كتابه. وهكذا نجده يطرز ما يعتريه من رعشة الألم، بريشة القلم، بإبداع وإتقان، بروح التفاني والامتنان، ويتابع سرد الأحداث متتالية منتظمة، كعقيق الجمان، مستصحبا معه روح الفلسفة، وما يمليه عليه الثلث الأخير من الليل، من تعويذات القضاء وحتمية القدر.
الإحالات:
- مصطفى. الرافعي صادق . أوراق الورد ت، ت: سعيد العريان، ص 10.
- المصدر نفسه، ص 17.
- لحسن، وحي. العابث الثالث: أٌحبولة الوجود، تقديم: ذ. امحمد ورزوق، ط1(مطبعة وراقة بلال- فاس/المغرب، 2025)، ص 44.
- المصدر نفسه، ص 68.
- نفسه، ص 16.
- نفسه، ص 153.
- نفسه، ص 17.
- نفسه، ص 28.
- نفسه ص 43.
- نفسه، ص 50.
- نفسه، ص 54.
- نفسه، ص 94-95.
- نفسه، ص 97.





