سارق نعال – لحسن والنيعام ـ المغرب
ـ هل ترغب في المتابعة؟
بصوت جاف وحاد يوجه رجل الشرطة كلامه مباشرة إلى الضحية المفترض..نظرة حازمة تؤكد أنه لا مكان للتردد..أنا كنت هناك..
الضحية شخص في العقد الخامس من عمره، له لحية تتدلى، وعلى جبهته بقعته سوداء..
بينما في الزاوية المقابلة من غرفة التحقيقات طفل بلباس رث ونعال ممزقة وشعر أشعث..عوامل تعرية واضحة..لاحظته يبكي بقوة ..الدموع تنسكب من عينيه واضحة..
ـ ل ل ل لدي شريط فيديو يوثق…
يحاول الرجل الملتحي أن يرد، لكن الشرطي أوقفه بحزم:
ـ سؤالي واضح..هل ترغب في المتابعة أم لا؟ نحن نحتاج إلى استكمال الإجراءات وإشعار النيابة العامة
الكثير من الضجيج يعم الغرفة، وحتى خارجها..وقت متأخر من الليل..شاب في حالة سكر يحتج على توقيفه وتقييده..زوج يصرخ ويتحدث عن نزاعه المفتوح مع زوجته التي اشتكت به مرة أخرى..ورجال الأمن على ما يظهر له معرفة مسبقة بالملف..مسن جاء ليشتكي بابنه العاق الذي حاول الاعتداء عليه وعلى والدته، ولم ينقدهم من شره سوى الجيران..المسن ينتظر دوره لإنجاز محضر. وبين الفينة والأخرى يحكي مقاطع من مصيبته..
لقد كنت هناك..لقد تابعت أجزاء من كل هذه القصص..
لا يزال الطفل في الركن يبكي دون أن يتحدث، دون أن يقول أي شيء..لم أطلع على ما صرح به للشرطي، لكني قدرت بأنه يبلغ من العمر تسع سنوات..
ـ بينما كنت منشغلا في تلبية طلبات زبائن، تسلل إلى سلعتي، وسرق أحذية ولاذ بالفرار..لقد انتبهت بشكل متأخر إلى فعلته..لحسن الحظ، كانت كاميرات المراقبة في محلي مشغلة. وقد عدت إليها للتعرف عليها..تمكنت من التعرف على هويته واتصلت بالشرطة لتوقيفه..لقد سرق النعال..
كان الرجل الملتحي يحكي لبعض الجالسين في قاعة الانتظار، دون أن يظهر أي غضب..لم تظهر عليه كذلك أي علامات بتأنيب الضمير وهو يرى الطفل أمامه يبكي..كان هادئا بأحاسيس تبدو محايدة..
تمسك بالمتابعة، وصرخ الطفل:
ـ الجوع يقتلني..أتضور جوعا..
ردد العبارة لأكثر من مرة. لكن وسط الضجيج الذي يملأ المكان، لم يسمعه أحد..كان الشاب السكران يتلفظ بالفاظ نابية بينما أحد رجال الشرطة يحاول أن يهدئه:
ـ ستغادر بعد إنجاز المحاضر..عليك فقط أن تهدأ قليلا
المسن الذي جاء ليشتكي من محاولة تعنيف ابنه، بدأ يعاني من تعب السهر .. وربما يتساءل عن مصير زوجته التي تركها وحيدة في المنزل..عليه أن ينتظر..
الزوج الذي اشتكت به زوجته بدأ يفقد السيطرة، ويرفض التزام الهدوء..بين الفينة والأخرى يتحدث عن “حكرة” بسبب فقره في مواجهة زوجته الموظفة، وأسرته ذات الشأن الاجتماعي..
الطفل ذو الشعر المشعث والملابس الرثة والنعال الممزقة جلس أرضا في الزاوية، ووضع يديه على وجهه، وانغمس في تفكير بملامح حزن عميق..حزن لا متناهي..وها أنا أغادر..




