مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

ذبول – سمية جمعة – سورية

475264953 954519060080046 2801322896761971219 n

كلما حاولت الهرب ، كانت تطاردني بنظراتها ، ففي الزوايا المظلمـة ثمـة خيال لطيف ما يزال يشتكي مـر العتـاب. أذكـر في آخَـر حديثٍ لنا، كان ذلك منذ أن دخـلت نفق غـيبوبتها، قبل عامين.. أتذكـر بأنها أمسكت يدي وشدتني من يدي وكان وجهها متعرقًـا، كانت، بنظارتها الصافية، تقرأ حيرة وجهـي وكأنها تودع حبيبًـا، تخشى فقدانـه .. ارتجفت، ونحن في آب من ذلك الصيف الـلاهب، تسمرت في مكاني.. كلماتها تخرج متحشرجـة وهي مستلقيـة على سريرها، تريد ان ترتاح، بالكاد فهمتهـا ما كانت ترمـي إليـه، وبدا لي أن عـقلها الباطـن لا زال يحتفـظ ببقايـا آخَــر ســوء تفاهـم نشب بيننا، صبيحـة ذلك اليوم.. فناء البيت مـبلل بالمطـر، بينما صياحها يرتفـع : الغسيل يا زكيـة، سروال والدك لا تنسيه، غـدًا يوم الجمعـة ، لازم السروال يكون جاهـز الله يرضى عليكِ! القهر يمـلأ صدري من ذلك الهذيان الذي لا تفتأ تتفوه بـه.. أبي رحل، وقدمنا ملابسه صدقـة على روحـه، فعن أي صـلاة جمعـة، وعن أية ملابس تتحدث؟! ما بالها تنكـئ جرحـي في فـقـد أبي؟ وإلى متى أبقى أكــرر عـليها بأنـه أسفل تراب لحده، ولن يعـود؟ يا الله ! أمي أصابهاالنسيان، ولم تعد تدرك ما يدور حولها، وليس لديها وعي بحجـم ما أعانيه! ليتني سبقت أبي، كي أرتـاح من همـي.. صرخت في وجهها : أمي ! أبي مات وشبع موتًـا.. هل تريديني أن أجـن معـكِ؟ أبي لن يرجع، لن يرجع ! اتركيني أرتاح، حــرام والله حـرام ! كنت أود أن أمسك نفسي. وآلمني أن أراها، في ذلك اليوم، بوجـه متشنج، وباغتني إحساس وكأنها انشلت، فجـأة لما تجمدت نظـراتها، وسقطـت مغـشيًا عـليها ! يا إلهي! هل حدث ذلك تحت وقع كلماتي؟.. كنتُ أعتقد أنها مجرد إغـماءة عـابرة، وستمر مثل سحابـة صيف لكنها، تحولت إلى غـيبوبة في نفـق طـويل، ووجدتني اغرق في حـزن روحـي، وتأنيب ضميري، فصرت كمن طـال بـه عـذابـه، ولم يعد يعـرف متى يأتيه الفرج. دائرة هواجسي تلاحقني ، فقد تموت في المستشفى، وأنا هنا لا أدري عـنها شيئا.. أذهب لزيارتها، فأرى الأجهزة تحاصرها من كل جانب، ولكن لا جديد في حالتها، لاشي يتغير، غير وجـوه الممرضات في النوبات.. أقف هناك لنصف ساعـة، ثم أعـود، إلى البيت الفارغ، كسيرة القلب، لأتقاسم وحدتي مع الجدران.. أخواتي الأربع يتقاسمـن أوقاتهـن معي، بشكل شحيح، يكلمنني ليسألن عن الأحوال، كلما سنحت الفرصة. كـل منهن منشغلـة بزوجها وعـائلتها، ومن يوم لآخر صرن يكثرن الأعـذار، حتى هجرن البيت، وبتن، مجاملة وحسب، يكتفين برسائل ” الواتساب “.. كم أنت قاسيةٌ يا دنيـا ! رحلت يا أبي، فصار البيت موحشًـا بدونك.. لم تُرزق بالولد الذي كنت تحلم به، وتركتني هكذا، بلا سند، أشعر أنني محتاجة لكتف أخٍ لي، أبكـي عـليه، لأريح همـي وأستريح.. جدران البيت أضحت كأنها وحـش، يتحين الفرصة للانقضاض عليّ..وحيـدة، أستذكـر أوامـر أمي : اغـسلي عـتبات الدرج.. لا تنسي مواعـين المطبخ، الجهنميـة ارويها، ونظفيها جيدا .. أين نظارتي ؟ هكذا صار صوتها يتردد، دائما، بين الزوايا، والحجرات الفارغـة.. دخلت جارتنا أم زياد، وعلى وجهها ابتسامـة، تحاول التخفيف عـني.. قدمت لها ضيافة سريعة ، وشعرت أن لديها كلام غـير السؤال عـن أمي، وسـرعـان ما نطقت : – سلمـى بنتي، ابني زيـاد رجع من الخليج، والغربـة صعبة على الرجال بدون أنيس! هل ما زلت أتذكـر زياد؟ أكاد أنساه من ذاكـرتي.. المرة الأخيرة التي رأيته فيها كانت منذ عـشر سنوات، ربما أكثـر، أو أقل، لكنني لا أتذكر.. أمي كانت تحتفظ في خزانتها بأشياء تخبئها، وكلما سألتها، كانت تقول : لما يقترب يوم عـرسك سترين ما بداخل الخزانة ! ثم تخبئ المفتاح كي لا أعـرف مكانه.. -ما قولك سلمـى؟ انتبهت ثم اعتراني الإحراج ، قبل أن أخبرتها أن أمي، وهي في غـيبوبتها، لا شأن لنا بالبهجـة ولا بالفرح بالبيت وإني … هزت رأسها في أسف .. -أعـرف هذا يا ابنتي! الوقت غـير مناسب.. خيرًا إن شاء الله.. غـادرت، وعلى وجهها عـلامات القنوط .. وبعد مدة، سمعنا الزغـاريد في بيت أم زياد.. انتاب الحزن قلبي، وتعمق لدي الشعور بالوحدة .. غابت أمي ، لتترك في حياتي بؤرة مخيفة، سوداء، فيما كان رياح الزمن تتقاذف، في صمت، بقايا أيام عمري الذابلة. سمية جمعة سورية

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading