العنف والشيوعية:كامي وسارتر✍️ رونالد أرونسون- ترجمة شوقي جلال
•••
على الرغم من مَواطن الضَّعف في كتاب «الإنسان المتمرِّد»، فإنه أثبت وجودَه وظلَّ راسخًا، كما ظلَّ كامي نفسه فخورًا به حتى نهاية حياته. وعرف كامي كم كلَّفه هذا الكتاب، وعرف أن الغرب سوف يرحِّب به، بينما سوف يزدريه اليسار. وعرف علاوةً على هذا أنه يشنُّ هجومًا على توافُقِ آراءٍ واسع النطاق في شأن التقدُّم والتنوير والثورة الفرنسية. والجدير ذِكره أنه فيما يتعلَّق بالتاريخ الروسي، لم يَقِف كامي إلى جانب البلاشفة، ولا مع الماركسيِّين الإصلاحيين، لكنه — وكما أوضح في «القَتَلة العدول» — وقف إلى جانب الإرهابيين الثوريين الاجتماعيين غير العمليين والرومانسيين اليائسين. وعرف كامي أيضًا أن الاستقطاب الشرقي-الغربي قد مضى بعيدًا في إنتاج واقعياته المعارضة، بحيث لم تَبقَ هناك مساحة لنهجه المغرِق في المِثالية. بيْدَ أنه، مع هذا، استمرَّ في إصراره على استخدام وتوسيع نطاق تلك المساحة. أراد لنفسه أن يُحلِّق وحْدَه في قلب العاصفة لكي يستثير عاصفة، ولكي يقول ما يراه هو الحق، ولكي ينتج البديل في صورة شرعية، والذي لا يدعو إليه أحدٌ سواه، وهذا هو ما كان يفتقر إليه سارتر على الرغم من كل عبقريته: القُدرة على الوقوف صامدًا وحده سياسيًّا.
تُرى هل كانت المنافَسة مع سارتر هي السبب في أنْ حاوَلَ كامي — وأجهَدَ نفسَه في المحاوَلة — في كتابه «الإنسان المتمرِّد»؟ حقًّا، عمد إلى أن يشرح باستفاضة أفكارًا سياسية في كتابه «لا ضحايا ولا جلَّادون»، وكتب تتمَّةً لدراسته «أسطورة سيزيف»، ولكنه حوَّل كل هذا إلى كتابٍ بدا أحيانًا وكأنه تحدٍّ لكتاب «الوجود والعدم»، ليكون أشبه بجهد يبذله للتفكير من خلال الهياكل الأساسية للوجود البشري. ولهذا نجد، حسب معنًى من المعاني، أن بالإمكان أن نسمِّي «الإنسان المتمرِّد» عملًا فلسفيًّا. والجدير ذِكره أن كامي في الأربعينيات عمد إلى تمييز نفسه عن سارتر الفيلسوف بأن وصَف نفسه بأنه فنَّان يَنأى عن جهد سارتر المنظومي في فَهم العالم. بيْدَ أنني أشك في هذا، وأرى أن كامي ربما كان يودُّ أن يواصِل تسمية نفسه فيلسوفًا، لولا صداقته مع هذا الفيلسوف العبقري. ونلحظ أن «الإنسان المتمرِّد» في مستهلِّ بدايته يرى التمرُّد معادِلًا للكوجيتو الديكارتي: «أنا أفكِّر، إذن أنا موجود»، وفي ختامه يبدو في صورة المنافس لدراسة سارتر «ما هو الأدب؟». ذلك أنه عمد إلى أن يستكشف بإسهابٍ المعنى الأساسي للخلق الفني، وخاصة الكتابة. واعتاد كامي آنذاك، في خجل وتحفُّظ أكثر من سارتر، أن يكتب في الفلسفة وتاريخ الأفكار والحركات الأدبية، وفي علم الجمال والنظرية السياسية. وبدا في هذا كله وكأنه يردُّ على سارتر عبر جبهاتٍ عديدة في آنٍ واحد.
ولكن سارتر على النقيض؛ إذ على الرغم من أن أحدًا لم يتَّهمه بكبح النفس، فإنه اعتاد أن يركِّز كل نصٍّ من نصوصه على بُعد واحد فقط، ويعمل على تطويره في حذر وحرص. مثال ذلك كتاب «الوجود والعدم»، يحصر نفسَه في نطاق عرض أهم الهياكل الأنطولوجية وأكثرها أساسيةً، ويُنجِز هدفه بقوة وعمق مَهولَين، وحين أراد سارتر تطوير النتائج السياسية والإبيستمولوجية والأخلاقية لهذا الكتاب، فإنه فعل هذا في ثلاثة كتب منفصلة. بيْدَ أنه حين ربط الأدب بالسياسة، فإنه حقَّق هذا في مجموعة واحدة من المقالات. ولم يحدث أبدًا في الحقيقة أن كتَب سارتر كتابًا ولديه طموح بأن يصل مَداه إلى المدى الذي بلَغه «الإنسان المتمرِّد».
ونحن لن يتسنَّى لنا أبدًا أن نعرف إلى أيِّ مدًى تمثِّل العلاقة بين الكاتبَين عنصرًا خافيًا في «الإنسان المتمرِّد». ولكن الذي لا شكَّ فيه أن الكتاب يضم فصلًا رئيسيًّا وكاشفًا؛ إذ إنه مكتوب صراحةً ضد سارتر. وعلى الرغم من أنه يبدو في خاتمته وكأنه استطراد وحوار جانِبي عن «الوجوديِّين»، فإنه يركِّز على «عبادة التاريخ»، وهو الموضوع الذي يهاجمه الكتاب في كل صفحاته. غير أن أهمية هذه الإشارة إلى الوجوديين تُسقِطها من الاعتبار إضافةٌ عرضية مدروسة تأتي في المقدمة، وهي عبارة «على سبيل المثال، هذا علاوة على تجنُّب كامي ذِكر سارتر بالاسم — على الرغم من أنه ذكَر أسماء معاصرين له مثل أندريه مالرو، وأندريه بريتون، ورينيه كار. ويمثِّل هذا في الحقيقة حوارًا معمًّى لكتاب «الشيطان والرب الرحيم» الذي يَعرفه كامي جيدًا، ويمثِّل تحديدًا نقدًا لفِكرة محورية في المسرحية تُفيد أن غويتس ينمو وهو ينتقل من التمرُّد إلى الثورة.
ويقول كامي في عالَمنا المعاصر ينكِر التمرُّد ذاته حين يتحوَّل إلى ثورة. وإنه لكي يبقى ويظل صادقًا مع نفسه، يجب أن:
«يجد موضوعًا جديدًا للإيمان، ودافعًا جديدًا. وقبل المضيِّ خطوة أبعدَ، يتعيَّن على الأقل بيان هذا التناقُض في لغة واضحة. وليس من باب التعريف الواضح أن تقول شأن الوجوديِّين، على سبيل المثال، (الخاضعين الآن لعبادة التاريخ وتناقُضاته) إن ثَمة تقدُّمًا في الانتقال من التمرُّد إلى الثورة، وإن الإنسان المتمرِّد ليس شيئًا بالمرة ما لم يكن ثوريًّا. إن التناقُض في الحقيقة مقيد إلى درجة كبيرة؛ ذلك أن الثوري هو في آنٍ واحد إنسان متمرِّد أو ليس ثوريًّا، لكنه شرطي وبيروقراطي يتحوَّل ضد التمرُّد. لكنه إذا كان إنسانًا متمردًا، فإنه في نهاية المطاف يتَّخذ موقفًا ضد الثورة. وحيث إنَّ الأمر كذلك، فلن يكون هناك على الإطلاق تقدُّم من موقف إلى آخَر، بل تعايُش وتناقُض يتزايد إلى ما لا نهاية. إن كل ثوري مآله إمَّا أن يصبح قاهرًا أو مُهرطِقًا. والتمرد والثورة في عالَمهم التاريخي المحض الذي اختاروه سينتهيان إلى المأزق نفسه: إمَّا حكم الشرطة أو الجنون.»
وعلى الرغم من أن كامي بدأ هذه الفقرة ارتجالًا، فإنه يرسم خلالها خطًّا بيدِه فوق الرمال. ويفعل هذا ليس بدافع حقد أو ضغينة، وإنما لاستثارة المناقَشة. ونجد على أحد الجانبَين صورته التي رسمها للمتمرِّد، ونجد على الجانب الآخر صورة سارتر عن الثورة. ويعرف قرَّاء كامي أن ثورة غويتس تتحرَّك به بعيدًا عن الميتافيزيقا، وتسير به في اتجاه التحول إلى إنسان آخَر في العالم، وأن قَبول العنف يعني التزامًا بالواقع لتغييره. وها هنا في هذه الفقرة يُلقي كامي بالقفاز مُتحدِّيًا سارتر أن يختار. المتمرِّد إما أن يستولي على السلطة ويَسقط ضحيةً لكل الأدواء التي يصِفها كامي، أو أن يبقى صادقًا مع نفسه ويُحارب حتى الثورة القائمة في السلطة.
•••
في الوقت الذي كان فيه كامي يكمل «الإنسان المتمرِّد»، كان سارتر يكمل تحوُّله إلى ثوري. واتخذ سارتر من ميرلو-بونتي المناصِر للشيوعية مُعلمًا له، مثلما فعَل كامي بالنسبة إلى كويستلر المناهِض للشيوعية، وهكذا مضى سارتر خطوة أبعد وتبنَّى العنف سبيلًا ضروريًّا للتغلب على القهر الإنساني. وحدث تحوُّل سارتر في خطوة على مرحلتَين: «الشيطان والرب الرحيم» في ربيع العام ١٩٥١م، و«الشيوعيون والسلام» في يونيو ١٩٥٢م. وكان سارتر وكامي حتى هذه اللحظة يتحرَّكان في اتجاهَين هما في آنٍ واحد متكامِلان ومتناقِضان. وبدا لهما، ولو على نحو شِبه شعوري على الأقل، أن كلًّا منهما يصوغ نفسَه ضد الآخَر. ونذكر في هذا الصدد ما عرضه سارتر بعد ذلك في السيرة الذاتية لغوستاف فلوبير في أسرة تضم أحد شقيقَين أحدهما يشغل، ومن ثم يخصِّص لنفسه، الفضاءَ المُتاح لاختيار ذاتية محددة لنفسه، بينما الشقيق الأصغر نادرًا ما كان يختار الاتجاهَ نفسه ويميل إلى التطوُّر على نحو مختلف، وأحيانًا ما يختار سبيلًا غير متوقَّع. ولا ريب في أن أيَّ مثقف سياسي فرنسي شاء أن يحاوِل أن يجد لنفسه اتجاهًا بين عامَي ١٩٤٤م و١٩٥١م لم يكُن ليجد أمامه غير سارتر وكامي يُسيطران على ساحة الخيارات السياسية الفكرية لليسار غير الشيوعي. وليس بإمكان أيِّ إنسان في هذا الكون أن يفكِّر في شأن قضايا العصر من دون النظر إلى سارتر وكامي. ونجد بالمثل أن كلًّا من الصديقَين وجَد لزامًا عليه أن يكافح وينافس الآخَر، واستلزم كلٌّ منهما، لكي يوضِّح آراءه وفكره، أن يميِّز نفسه عن الآخَر.
ونلاحِظ أن بيان سارتر لأفكاره عن الموقف والالتزام قادَت كامي إلى الحركة في اتجاه البديل الذي صاغه لنفسه وعبَّر عنه بحدَّة أكثر. ونجد كذلك أن بيان كامي القوي عن اللاعنف في مناهَضة الشيوعية دفَع سارتر إلى توضيح مُقابله عن العنف. وإذا كان فِكر كامي عن «الطوباوية» المميزة و«الإصلاحية المتشدِّدة» يتعارض بعُمق مع سارتر حديث العهد بالسياسة والأكثر تطرُّفًا، فإن سارتر الآن بصدد اكتشاف طريقه الخاص إلى التغيير مُتبنِّيًا العنف والثورة تأسيسًا على إحساس يتفهَّم الواقعية بعمق.
•••
في مَطلع العام ١٩٥٢م رجا أعضاء الحزب الشيوعي من سارتر تأييدَ حملة ضد المحاكَمة العسكرية للضابط هنري مارتن، وهو ضابط بحري رفَض المشاركة في حرب فيتنام. ونظرًا إلى أن قيادة الحزب الشيوعي الفرنسي تشعر الآن بالعزلة الكاملة، فقد وصَل بهم الأمر إلى حد التطلُّع إلى غير الشيوعيين. وقَبِل سارتر النداء وكتَب تعليقًا على كتاب بشأن قضية مارتن. وغادَر بعد ذلك بصحبة بوفوار لقضاء إجازتهما السنوية في إيطاليا. وحضر في هذه الأثناء إلى باريس جنرال أمريكي يُدعى ماتيو ريدغوتي وهو في طريقه لتولِّي قيادة حِلف الناتو. ونظَّم الحزب الشيوعي لهذه المناسَبة تظاهرة نضالية أفضَت إلى حوادثِ شغبٍ. قمعت الشرطة الشغب، وألقَت القبض على جاك دوكلو قائد الحزب الشيوعي الفرنسي. وصادرت الشرطة من سيارته بعض الحمَام الذي كان قد حمله معه إلى بيتِه ليُعِدَّه للعشاء. واتَّهمته الشرطة بأنه حمَام زاجل يستخدمه لتنظيم وتنسيق أعمال الشغب.
وكتَب سارتر:
«عرفتُ من الصحافة الإيطالية أمر القبض على دوكلو وسرقة يومياته ومهزلة الحمَام الزاجل. إن هذه الحِيَل الخسيسة والطفولية جعلتني أشعر بالغثيان. ربما كانوا أشخاصًا أكثر وضاعةً، ولكن لا أحدَ منهم أكثر فهمًا. ذلك أن من المناهض للشيوعية كلبًا. وليس في وسعي أن أرى مَخرجًا غير هذا، ولن أجد … وبعد عشر سنوات من التفكير والتأمُّل مليًّا بلغتُ نقطةَ اللاعودة، ولستُ في حاجة إلا إلى هذه القشَّة الأخيرة. وأقول بلغة الكنيسة ها هنا بدَّلت عقيدتي وإيماني … وباسم هذه المبادئ التي غرستها في نفسي، وباسم دعوتها إلى الإنسانية وتوجُّهاتها الإنسانية، وباسم الحرية والمساواة والأخوة أقسِم للبُرْجوازية بأن أحمل لها الكراهيةَ التي لن تُفارِقني حتى الموت. سأعود فورًا إلى باريس، وواجبي أن أكتب أو أن أختنق. وها أنا ذا واصلتُ الليلَ بالنهار، وكتبت الجزء الأول من مقال «الشيوعيون والسلام».»
صدرت هذه المقالة في يوليو ١٩٥٢م، وأعلَن فيها سارتر أنه رفيق طريق. وتمثِّل المقالة نصًّا غريبًا معقدًا، إنها تسرد الحجَّة تلو الحجة في سجال مع مناهِضي الشيوعية حول معنى تظاهرة ٢٨ مايو. ويستخدم سارتر الجزءَ الأكبر من مقالته لتسوية حسابات مع عديدين من أنصار مواقف سبَق له أن أيَّدها أو يرفضها الآن، ومن بينهم، ضمنًا، كامي.
ويشرع سارتر بعد ذلك في الدفاع عن لجوء العمَّال والحزب إلى العنف وغيره من أعمال غير مشروعة. ونلحظ أن هذا النقاش بعيد النظر يُجافي تمامًا فَهم كامي للعنف؛ إذ يبدأ ببيانِ كيف أن قانون الانتخابات الجديد وضَع العمال كأنهم مواطنون من الدرجة الثانية. وأوضح أنه في انتخابات العام ١٩٥١م كان عائد تصويت خمسة ملايين شيوعي هو ۱۰٣ نوَّاب، بينما نصف هذا العدد من المقترِعين الاشتراكيِّين أعطَوا عائدًا قدره ١٠٤ نوَّاب. «وأقول فيما بيننا إن هذا شيء يمكِن أن يدفع بالناس إلى الخروج إلى الطرقات، وإلى تكسير بعض النوافذ، أو أن يصفعوا بعنفٍ بعضَ الوجوه.» وقبل هذه الانتخابات بزمن طويل تم وضع العمال والحزب الشيوعي الفرنسي في عزل إجباري. وها نحن الآن نجد اثنين من العاملين في الميناء يمشيان معًا على رصيف ميناء لو هافر، وإذا بواحدٍ منهما ليس له حقُّ الاقتراع، بينما الآخَر اقترع بلا جدوى. معنى هذا أن حرية الاقتراع التي هي علامة مميزة للمجتمع البُرْجوازي أسقطَتها البُرْجوازية الآن.
وقال سارتر إن حربًا طبقية تكمُن عند جذر هذا الخداع المُقنَّن. لكوني عضوًا منظمًا أقول إن فرنسا «مجتمَع قهر»، وإن أولئك الذين يَنحُون باللوم على الحزب الشيوعي الفرنسي بسبب العنف والأعمال غير المشروعة يُغفِلون حقيقةً هي «أن كل أنواع العنف اليومَ، المباشِر وغير المباشِر، مصدرُها البروليتاريا التي تردُّ إلينا ما أعطيناه لها». وحسب هذا المعنى، فإن العنف يغرسه ويُقنِّنه النظام الاجتماعي.
«إن العامل مهما غاص في الماضي يجد نفسه أسيرَ مجتمعٍ له قوانينه ونظامه التشريعي، وحكومته وفكرته الجاهزة عمَّا هو عادل وما هو ظالم، ولكن ما هو أكثر أهميةً أنه مجتمع له أيديولوجيته التي يشاركه فيها تلقائيًّا. ثَمة مصير وقيود مفروضة عليه، وهو محكوم عليه بأداءِ مهامَّ شِبه آلية ومجزَّأة، لا يدرك لها معنًى أو غرضًا، وبسبب أمراض الصناعة، إنه مجبَر على تكرار حركة واحدة آلافَ المرات في اليوم، وقد أثقَله الوهن والفقر، وحالا دونَه وممارَسة خصاله الإنسانية. إنه أسير عالَم غبي من التكرار. ويُصبِح قليلًا قليلًا مجرد شيء. بيْدَ أنه حين يحاول الكشفَ عن المسئولين عن وضعٍ لا يجد أحدًا، كل شيء على ما يرام: لقد تلقَّى أجره المُستحق له.»
عنف العمال إذن ردٌّ على هذا العنف «الطبيعي» العادي.
«ويدَّعي الناس أن العنف يُولَد فجأةً لحظةَ الشغب أو الإضراب. أبدًا، إنه يَطفر إلى العلن في لحظات الأزمات، هذا كل ما في الأمر. انعكس وضع التناقض: العامل الوديع يَرفض ما هو إنساني في داخله، والعامل المتمرِّد يرفض ما هو غير إنساني. وهذا الرفض ذاته هو إنسانية، إنه يتضمَّن مَطلبًا مُلِحًّا من أجل عدالة جديدة. ولكن نظرًا إلى أن القهر ليس عدوانًا ظاهرًا للعِيان، ونظرًا إلى أن أيديولوجيا الطبقة الحاكمة هي التي تحدِّد ما هو عادل وما هو ظالم، ونظرًا إلى استحالة الحصول على شيءٍ ما لم يتمَّ تحطيم النظام بقوَّة، فإن العامل يرى السبيل الوحيد إلى تأكيد حقيقته كإنسان إنما يكون في تجلِّيها من خلال العنف.»
وما إن ينخرط العامل في العنف حتى يبدأ المجتمع في تصعيد العنف ويتَّسع الشَّرَك. «إن سخطه لا بدَّ من أن يتحوَّل إلى إضراب، ويتحوَّل الإضراب إلى شِجار، والشجار إلى قتل.» ثم يفرض المجتمع هدوءًا قمعيًّا «ليس إحلالًا لسلام، بل عودة إلى العنف الأصلي.»
وحسب وجهة النظر هذه، فإن عنف العمَّال «إنسانية إيجابية»، و«حقيقة الأمر أن الإنسانية والعنف وجهان لا انفصامَ بينهما للجهد المبذول من أجل خروجه من وضع القهر الذي يعيشه». لذلك فإن عنف العمَّال هو جوهر الحزب الشيوعي عينه، وقوَّته. وتأسيسًا على هذا يختم سارتر مقاله بالسخرية من كلِّ مَن يرُوق لهم أن يرَوا يسارًا حسَن السير والسلوك، «ودودًا، مهذبًا، مهيئًا لعمل تمايُزات، وتحفُّظات رقيقة؛ يسارًا يحارب الرأسمالية لكنه عادل في موقفه من الأشخاص، يسارًا لا يرفض العنف، ولكن يلجأ إليه كملاذٍ أخير، ويسارًا يعرف كيف يستثير حماسةَ البروليتاريا الفيَّاضة، لكنه حريص — إذا دعت الضرورة — على حمايتهم من الغلو في استخدامها.»
وهذا الطابع الدرامي المتفجِّر عاوَد الظهور ثانيةً بعد عقد من الزمان في تصدير لكتاب فرانز فانون «المعذَّبون في الأرض»، وكذلك عند تأييده لعنف ولا مشروعية اليسار الثوري إثر أحداث مايو ١٩٦٨م. وهنا سارتر — لكونه أخلاقيًّا سياسيًّا — دانَ عنف الحكَّام وناصَر مُقدمًا عنف المقهورين. إنه لم يشأ حتى مجرَّد التنازل والقول بأن عنف المقهورين أمر نأسف له، إنما هو حتمي ومقبول داخل حدود معيَّنة، وليس بتطرُّف يتجاوز الحدود. إن سارتر مؤيد للثورة، رافِضٌ إضاعةَ الوقت في أي كلام عن العنف باعتباره سبيلًا إلى إضعاف المعنويات أو الإفساد، مُغفِلًا ما يُسبِّبه من دمار؛ ولهذا نصَّب من نفسه محاميًا وقاضيًا يدافع في شراسة عن المقهورين. وواضح تمامًا عند هذه النقطة تحديدًا التعارض التام بين اتجاه سارتر واتجاه كامي؛ إذ بينما نذَر كامي كلَّ طاقته للكتابة ضد العنف، خاصَّةً العنف الثوري، نجد سارتر تبنَّى تدريجيًّا العنف ودافَع عنه، خاصةً العنف الثوري.
١ الفكر اللاهوتي التقليدي في العصر الأوروبي الوسيط.



