الخاطرة

السيّاب… حين يعجز التمثال عن قول ما قاله بدر شاكر السيّاب✍ياسين أحمد خلف يحيى اوغلو

صورة لرجل مسن يرتدي بدلة زرقاء وقميص أبيض، يجلس أمام رفوف تحتوي على كتب ملونة.

الفن، حين يفقد مضمونه، يتحوّل إلى شكلٍ بلا روح…
وهذا ما حدث، للأسف، مع تمثال السيّاب.
لم تكن مشكلة السيّاب يومًا في ملامحه، ولا في جسده الذي أنهكه المرض،
بل في ذلك التمثال الذي أُقيم له في إحدى ساحات البصرة ،والذي لم يستطع أن يلتقط جوهره الإنساني، ولا أن يعكس عظمته الشعرية.
فالسيّاب، الذي جدّد في الشعر العربي، وفتح أبواب الحداثة، لم يكن جسدًا يُرى… بل تجربة تُحسّ، وروحًا تتجلّى في الكلمات.

وكأن صوته ما زال يتردّد:

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السَّحرِ
أو شُرفتانِ راحَ ينأى عنهما القمرُ

هنا… في هذا الجمال، في هذه الصورة التي تُضيء اللغة ونقاءها،
كان ينبغي للتمثال أن يبدأ.
إن الجمال في الفن ليس استنساخًا للهيئة، بل تكامل في الرؤية:
حركة، تكوين، زاوية، ودلالة.
فالتمثال الحقيقي لا يقدّم صورة، بل يقدّم قراءة روحية.

وحين يغيب هذا العمق، يصبح العمل الفني كتلة باردة، عاجزة عن التعبير.

السيّاب لا يُقاس بضعف الجسد، بل بقوة الكلمة،
ولا يُختصر في هيئة، بل في أثرٍ غيّر الذائقة العربية.
ومن المؤسف أن ينظر البعض إلى التمثال، فيرى التعب والإنهاك، ثم يُسقط ذلك على الشاعر نفسه،
كأن الألم يُلغي الإبداع، أو كأن المرض ينتقص من القيمة.

السيّاب ليس في تمثاله…
وإن أخفق النحت في تمثيله، فذلك عيب في الفن، لا في الشاعر.
ومع ذلك، تبقى التماثيل ضرورة حضارية، لا ترفًا شكليًا.
فهي ليست مجرد كتلٍ من حجر، بل علامات على اكتمال المدن،
وشواهد على وعيها بتاريخها، ووفائها لرموزها.
المدن التي تُجيد تخليد مبدعيها، هي المدن التي تعرف كيف تصنع مستقبلها.
فالتمثال حين ينجح، لا يُشبه صاحبه فقط…
بل يُشبه روح المكان.
ويبقى السيّاب…
رمزًا للعطاء، وصوتًا للحداثة، ووجعًا جميلاً في ذاكرة الشعر العربي.
ولروحه السلام والامان والمغفرة
نأمل أن نرى تماثيل رموزنا تزّين ساحاتنا ،

أكاديمي عراقي مغترب شاعر واديب
2026/4/15
لاس ڤيگاس

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading