الجميل، والبذيء والقبيح: قصائد التسعينيات، ومصفاة المعايير/تأليف: كلاريسا. س. بيرت، جامعة أوهايو-ترجمة: أ.د. سعيد شوقي- جامعة المنوفية

يلقى الشعر في المشهد المصري الراهن، صدى لدى قاعدة جماهيرية ضيقة من القراء والمستمعين، لكنها رغم قلتها شديدة الفاعلية؛ إذ تمتاز بنزعة نقدية عالية، سواء في المجتمع ككل، أو في الأوساط الأدبية والمؤسسات ودور النشر.
هذا، وبرغم أن الشعر العربي يتكئ على تاريخ حافل بالإنجازات الأدبية، جعلته يزخر بقيم وتصورات معيارية محافظة تشكل ملامح نجاحه في المسعى الشعري. إلا أنه لم يخل من التجريب الحديث قط؛ إذ شهد القرن العشرين، على امتداده، تتابع سلسلة من تيارات شعرية مبتكرة، أثبتت قدرتها، ليس فقط أمام مقاربات نقدية مثيرة أحيانا للجدل، بل أيضا أمام فعاليات عقدية متقدة الحماس.
وبهذا، فقد تمثل في مصر، كل من جماعة الشعراء الرومانسيين، ودعاة الشعر الحر، بالإضافة إلى حركة التفعيلة، وكلها موثقة جيدا في مصادر أخرى([1]).
والمتأمل في هذه التجارب يجد أنها تتبع تطورا في تحول القيم الشعرية، بدءا من الفترة الرومانسية، مرورا بتجارب جماعة أبولو، وصولا إلى صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي([2]).
ولا شك أنه يمكن رؤية القيم الشعرية المتجسدة في هذه الحركات في المتون الشعرية لكل من: صلاح عبد الصبور، وأحمد عبد المعطي حجازي، ومحمد عفيفي مطر، وأمل دنقل ([3]).
وهكذا أيضا، كانت حال الشعر في مصر خلال العقود الثلاثة التي تلت عام 1967، إذ لم تكن ثابتة بأي حال من الأحوال، حيث ظهر جيل من الشعراء في أواخر السبعينيات، يمكن -الآن فقط- تناول نتاجهم الشعري بدراسة جادة. وهم الشعراء الذين أطلقوا على أنفسهم اسم شعراء السبعينيات.
وبعد معاناة من عقبات وصعوبات جمة في نشر أعمال هذا الجيل، وفي تأسيس مشروعهم وإثبات جدارتهم في دوائر الأدب الرسمية، انتقل شعراؤه من الهوامش الأكثر طليعية للتعبير الأدبي، وبإصرار لا يلين، نحو مركز الدوائر الأدبية، جالبين معهم بعض قيمهم التجريبية الصدامية([4]).
ومع ذلك، فالملاحظة الجديرة بالاهتمام هنا، هي أنه حتى هؤلاء الشعراء، الذين تبنوا النزعة التجريبة الصدامية تجاه الأعراف الشعرية، وتدمير القيم التي اعتبرت مقدسة لأمد طويل([5])، ظلوا متشابكين بعمق مع موروثاتهم الأدبية؛ سواء عبر المعارضة الصارمة لها، أو عبر التحدي الواعي لمضمرات أبنية ذوات أنفسهم([6]).
ويستحق إبداع هذا الجيل من الشعراء في مصر اهتماما دقيقا للغاية، ليس فقط في حد ذاته، ولكن أيضا من أجل عمليات التغيير المعيارية التي تكشف عنها تجربة هذا الجيل([7]). غير أن اهتمامي هنا ينصب على جيل من الشعراء أحدث زمنا مما سبق، اصطلح -حاليا- على تسميته بـشعراء التسعينيات([8])، وهم الشعراء الذين بدأ ظهورهم في المطبوعات بشكل أساسي ابتداء من عام 1990م([9]).
ويتشكل هذا الجيل من مجموعة من شعراء شباب يكتبون الشعر، وشباب يطمح إلى كتابة الشعر، ومعظمهم –الآن- في منتصف العشرينيات، أو في نهايتها، أو في بداية الثلاثينيات. هؤلاء الشعراء الشباب بأصواتهم الغضة يمثلون -في رأيي- بشائر التغيير الجذري في القيم الأدبية والأساسات الثقافية في المجتمع المصري. وعلى خلاف أسلافهم السبعينيين، فإن التفاتهم إلى تراث الأدب العربي نادر جدا، في حين شرعوا يديمون النظر أكثر إلى الأنماط الثقافية والتكنولوجية الغربية المعاصرة، وإلى تأثيرها في صور الحياة اليومية.
ويجسد هؤلاء الشعراء الشباب أوجه الحياة في مصر المعاصرة([10]) في أعقاب التغيرات التي بدأت بالانفتاح الاقتصادي وتعدد الأحزاب، بطريقة دنيوية لا يبالون فيها كثيرا بالاعتبارات المقدسة.
فقد كتب هؤلاء الشباب في الخواء الذي خلفّه فشل مشروع الوحدة العربية، وتداعي الإيديولوجيات اليسارية، وعجز المؤسسات الديمقراطية، وسط صعود لافت للتيارات الأصولية؛ فكشفوا بصراحة فجة عن نزعات عدمية، إذ ما عادوا يثقون في التجارب والقيم التي ارتكز عليها آباؤهم ومجتماعتهم.
ومن الواضح أن السياسة -في حد ذاتها- ليست مدرجة ببساطة على الأجندة الشعرية لهؤلاء الشباب.
كذلك من الواضح أنهم لم يتنكروا لتقاليدهم، بل أهملوها فقط بوصفها غير ذات صلة مباشرة بهم؛ فالماضي بالنسبة إليهم -وجوديا- ينحصر في طفولتهم وتطورهم الذاتي.
والحق أن المؤسسات الأدبية الرسمية لم تول عنايتها لهؤلاء الشباب، بوصفهم الجيل الأكثر تأثرا بهيمنة الثقافة الغربية المعاصرة؛ وكان لابد لها من التفاعل معهم، بوصفهم تلك المادة البدائية الخام للمجتمع المصري المعاصر، التي تنبجس فيها روح الابتكار، وتغلي عفو الخاطر، بلا قيد أو كابح.
تعلن مقدمة أحد أعداد مجلتهم الأدبية المستقلة، المسماة: “الجراد”، أراءهم كما يلي([11]):
(تسمى المجلة: “الجراد”… ترى المجلة أنها قادرة على تحطيم كل الأطر والقوالب التقليدية؛ جاهزة الصنع … والمشاركون في المجلة مطالبون بأن لا يمثلوا أي طوائف أو تيارات سياسية، وبأن يشعلوا شرارة إبداعهم من أنفسهم وبأنفسهم -تماما مثل الجراد- … ملتهمين ما تكلس من الشعر بهدف إخراج منتج أخضر، لا شك أنه كربه لأولئك الذين اعتادوا مذاقا تقليديا … لأولئك الناس الواقفين على الأطلال … نقول:
قُلْ لِوَاقِفٍ يَبْكِي عَلَى طَلَلٍ دَرَسْ *** مَا ضَرَّهُ لَوْ كَانَ جَلَسْ([12])
“نحن مجلة تعبر عن آراء أدباء شباب، لا يبتغون شهرة ولا ربحا، … ، بل إن جل أمانيهم هي تجسيد حالات شعورية تتدفق بالانفعالات الوجدانية؛ حالات قد نسميها شعرا، بينما يسميها آخرون نثرا، ويراها غيرهم ترجمة … في عصر ضاقت فيه الفواصل بين الفنون المختلفة، وامتزجت فيه روافد المعرفة”.
ويعد فقدان الاهتمام بالفوارق بين الأنواع الأدبية، صفة لازمة لنتاج هذه الموجة الشعرية الجديدة([13]). ولا ريب أن استمرار سيطرة “قصيدة النثر” على أعمال هؤلاء الشعراء، قد وضع حجر عثرة أمام أي مداخلات نقدية لأعمالهم في الدوائر الأدبية، والحق، أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا، هو: كيف تأتى لبعض أعمال هؤلاء الشعراء أن يتم تصنيفه بوصفه شعرا؟ في حين أن شعرهم فشل -حتى الآن- في اعتماد نفسه داخل إطار التصورات المقبولة عن ماهية الشعر؟([14]).
وحتى هذا الجدل المحتدم في الأوساط النقدية ردا على أعمالهم، بدا وكأن لا أثر له عليهم، تماما مثل تلك اللامبالاة التامة التي أبدوها تجاه الأنواع الأدبية؛ إذ ينحازون كليا لذاك الاندفاعِ الحتمي الذي لا يقاوم للكتابة، ولا غيره.
والأمر الذي لا خلاف عليه أن هؤلاء الشعراء أغرار؛ وغير مصقولين فنيا، وأن مقدرتهم الشعرية الحقيقية لم تبلغ ذروتها بعد، غير أن قصائدهم تكشف بجلاء، تعقيدات خبرتهم الحياتية في مصر الحديثة، على المستويين: العاطفي والوجودي، ليس هذا فقط ولكنها تكشف أيضا التحولات المهمة في طبيعة التعبير الشعري في المجتمع المصري، وفي طبيعة الدور الذي يمارسه الشعر في التطور الأدبي سواء أتم ذلك ببركة التراث أم بلعنته. كما تكشف عن تحولات جوهرية في طبيعة التعبير الشعري في المجتمع المصري، وفي الدور الذي يلعبه الشعر في التطور الأدبي، سواء بالاتساق مع الموروث أو بالتمرد عليه.
وحيث إننا بصدد إمعان النظر هنا في نصوص شعرية لم تمر بعد عبر مصفاة المعايير للمتن الأدبي المكرس، فإن لدينا الفرصة ليس لأن نحكم فقط على النصوص الشعرية، ولكن أيضا على مصفاة المعايير الأدبية نفسها. فإذا كانت لمصفاة المعايير وظائف اجتماعية لغوية تدعم القيم التي تضمن بقاءها؛ فإن هذا الصنيع سوف يدفعنا لفحص القيم التي بُنييت عليها مصفاة المعايير نفسها، ليس هذا فقط ولكن أيضا قيمنا الخاصة التي نقدر من خلالها النصوص الشعرية، وكذلك تلك القيم التي تنبثق من داخل العمل ذاته.
وهذا أمر بالغ الأهمية في هذا الوقت، الذي يشهد اضطرابا سياسيا واجتماعيا كبيرا في المجتمع المصري، حيث لا يمكننا التنبؤ بطبيعة ومستقبل المؤسسات التي ستصمد لتعيد بناء أو إحياء المتن الأدبي من جديد لجيل آخر من التعبير الفني العربي المصري.
يجب أن أشير إلى أنه بالرغم من أن معظم القصائد التي تم اختيارها للدراسة -هنا- قد كتبت باللغة العربية الفصيحة، فإن بعضا منها قد نظم بالعامية المصرية؛ ولعل في هذا دليلا على اتساع وتعقد التيارات الشعرية الممثلة في مصر الآن، بالإضافة إلى أن شعر العامية نادرا ما يعترف به في مؤسسات النقد الأدبي الرسمية بوصفه أدبا مصاحبا للأدب الرسمي الفصيح، ومع ذلك، فقد شق هذا الشعر مسارا لتطور تقليد أدبي مواز، يعترف بالمتن الأدبي السائد ويستلهمه؛ حتى وإن ظل هذا المتن، عبر سياسات نشر تقييدية وتجاهل نقدي متعمد، يرفض الاعتراف به، وكأنه ينكر نسب ابنه غير الشرعي.
وعلى الرغم من وجود دراسات قليلة جديرة بالذكر عن شعر العامية([15])، خاصة شعر أحمد فؤاد نجم([16])، والتي ظهرت في السنوات القليلة الأخيرة، إلا أنها بالكاد عرفتنا بالفن العامي الحديث والمعاصر.
يمثل كل من بيرم التونسي وصلاح جاهين وفؤاد حداد وعبد الرحمن الأبنودي وسيد حجاب، التطور رفيع المستوى المتنامي على نحو مستمر، في النصوص الأدبية للعامية المصرية، الذي تأثر بشكل لا يقبل الجدل، ليس فقط بالموروثات الأدبية الأخرى، فيما عدا موروثات الزجل بصفة خاصة، ولكن أيضا بأدب الفصحى.
ولا شك أن التهميش المزدري للشعر العامي، بنفيه خارج حدود الأدب الرسمي، هو ببساطة مسلك يفتقر إلى الصواب، وقاصر تماما عن تفسير تلك التعبيرات الشعرية المعقدة والمثيرة للاهتمام التي تتدفق بها العامية اليوم([17]).
والحق، أن هذا ينطبق بالتأكيد على العديد من المراكز الثقافية الأخرى إلى جانب مصر؛ ومن ثم، ينبغي تقصي طبيعة الاختلافات والوعي الشعري في التعبير العامي الذي يتشكل حاليا في العالم العربي ككل.
ولقد أفاد “شحاته العريان” و”مجدي الجابري” اللذان بدت أعمالهما وثيقة الصلة بالنتاج الأخير لشعراء السبعينيات بصفة خاصة، وبشكل واضح من تجارب شعراء الفصحى السبعينيين وتنظيراتهم، تماما مثل العديد من الكتاب الشباب الذين تلمسوا آثارهم في معالجاتهم للعامية([18]).
ولعل الأمر الأكثر أهمية هو أن هذا الجيل الجديد من الشعراء يتضمن حضورا لافتا من الكاتبات، فعلى الرغم من أننا كنا نرى تمثيلا طاغيا للكاتبات في مجالي القصة والنثر في العقود الأخيرة من مصر([19])، فقد ظلت المرأة في الفترة نفسها([20]) على حواف -فقط- الحركات الشعرية. والمشكلة الكبرى في تقديري تتمثل في صعوبة قدرة المرأة على الاستمرار داخل تحديات حياتها الخاصة، ليس هذا فقط، ولكن أيضا داخل دهاليز المؤسسات الأدبية في مصر([21]).
إن أبرز سمة في أعمال هؤلاء الشعراء هي العناية بالوقائع الآنية المحبطة دوما بهم، وبضغوطات حياتهم اليومية، وبالصعوبات الشخصية التي تجابههم في معترك ظروفهم الحاضرة.
ويمارس هؤلاء الشعراء الحاليون إبداعهم بأسلوب مباشر، يقل فيه -إلى حد كبير- تجلي المجاز والصور الخالية من الزخرف، وغالبا ما تسفر اختيارات ألفاظهم عن كلمات صادقة وموجعة. وعالمهم الشعري مشيد من مزيج مكون من ذوات أنفسهم مع محيطهم المادي.
ولقد أسقط هؤلاء الشعراء([22]) أو على الأقل زعزعوا زعزعة شديدة التابوهات الأدبية والاجتماعية المفروضة عليهم من خارجهم.
هذه الحرية الاستثنائية التي منحوها لأنفسهم يمكن أن تحمل في طياتها مجالا واسعا، إما لظواهر التبجح الحاد المروع، والتدني الذي لا يدانيه تدن، أو لتجليات النزق الثوري الرائع صوب الحقيقة، وكأنها “صندوق الباندورا” المصري، الذي يفرز “هو” المجتمع([23]).
إن الاستمرار في سياسة الفصل الحاد بين معايير الدراسات الأدبية وواقع النصوص الفعلية، التي لا تلتفت كثيرا إلى وجود هذه المعايير، غالبا ما يجعل الأكاديميين يهتمون بدراسة أوجه التفاعلات الدقيقة بين الرغبات الشخصية في علاقتها بسمات التغيير الشعري في هذه النصوص وسياق المعايير اللغوية والاجتماعية السائدة للنوع الأدبي المسيطر -سياسيا واجتماعيا- على هذه النصوص، في علاقته بالسياقات الأدبية والتاريخية.
والأعمال الأدبية المقبولة -معياريا- وهي تلك الأعمال التي مرت بطريقة ما عبر مصفاة المعايير الأدبية- يجب أن تعد رموزا معيارية للمنظومات الأدبية والاجتماعية والفنية التي أفرزتها. ولكن هل تعمل مصفاة المعايير الأدبية في الفصل بين النصوص المعيارية وغير المعيارية في المجتمع بالطريقة نفسها التي يعمل بها العقل البشري في الفصل بين الوعي واللاوعي، مساهمة بذلك في رسم الهوية المعيارية للمجتمع؟
وإذا كان المشهد كذلك، فإن ما نحن بصدده الآن هو دفقات أدبية غير مصفاة، خارجة عن معايير الأدب السائدة، ورغم أنها تتضمن كل عناصر الجمال الفني، فهي أكثر إقلاقا وتحديا لثوابتنا؛ ومع ذلك تنتزع منا اعترافا على مضض. وعلى ذلك فإن كما هائلا من الوقائع؛ الجمالية والمجتمعية والنفسية والعقدية والفطرية، تفرض نفسها على المشهد.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه في النهاية لتلخيص كل تشابكات ما سبق هو: ما السمات التي تجعل نصا ما جميلا أو بذيئا أو قبيحا؟ عند محاولة إجابتنا على هذا السؤال، نكون تماما مثل مشاهدي مباراة تزلج على الجليد، ربما نمتلك القدرة على الملاحظة وتقدير الموقف على أساس ما فيه من مهارة خاصة وجدارة فنية، لكننا في النهاية نضطر إلى تقييم تقديرنا للموقف بالحكم الرسمي عندما تعلنه النتائج([24]).
لقد تحدثنا كثيرا فيما مضى عن تجربة شعراء التسعينيات بشكل مجمل، دعوني الآن أقدم لكم عددا من شعراء التسعينات كما يلي:
1- إيمان مرسال:
ربما تعد “إيمان مرسال” واحدة من الأصوات الشعرية الواعدة جدا بين هؤلاء الشعراء الشباب؛ بساطة ومباشرة ووضوحا.
تكشف أعمالها النقاب عن أوجه خبرة المرأة خارج إطار منظومة التقاليد الرئيسة، مثل معالجتها لتجربة المرأة مع الإجهاض، وتناولها للعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، ليس هذا فقط، ولكنها توضح أيضا تجربة المرأة في كفاحها من أجل تحقيق هويتها الشخصية والفكرية بطريقة قاطعة حاسمة.
تنهض تعريتها لذاتها ولتكلسات مجتمعها ولمختلف مواقف حياتها، صريحة ومتحدية في وجه التصورات الراسخة التي صيغت عن المرأة، من قبل منظومة القيم الاجتماعية والدينية، التي تشكل المجتمع المصري المعاصر.
وبالرغم من أنها تستمد من الفكر اليساري معتقدها الخاص وخبرتها الاجتماعية، فإنها تصب جام غضبها عليه نتيجة لما يتمثل فيه من تظاهر كاذب.
وتتبلور في قصائدها لمسات السخرية من الذات؛ لتجسد تلك الزاوية التهكمية التي تنظر من خلالها إلى كيانها الشعري؛ فهي في ممارستها الإبداعية توظف الخصائص الغنائية والموسيقية، بينما في الوقت ذاته تتمرد على الأذواق التقليدية التي تكرس هذه الخصائص([25]).
2- أسامة الدناصوري:
على الرغم من أنه يجب وضع “أسامة الدناصوري” في مكان ما بين جيل شعراء السبعينيات وجيل التسعينيات، إلا أن وضعيته تبدو مرتبطة أكثر بالوجوه الأحدث.
والحق أن تصنيف الشعراء وإلحاقهم بأجيال معينة كان مصدرا لجدل كبير، خاصة بين الشعراء الذين يمكن تسميتهم -لعدم وجود مصطلح أفضل- بـشعراء الثمانينيات؛ وذلك لأنهم بدأوا إنتاجهم الشعري بعد مرحلة التحديد الذاتي لجماعات السبعينيات، وقبل موجة الشعراء الجدد المصنفين حاليا بشعراء التسعينيات. وبينما يمثل هؤلاء الشعراء “المنتصف” خطا من الاستمرارية في الإنتاج الشعري، إلا أنهم لم يشكلوا حركة شعرية مستقلة أو جماعات محددة المعالم([26]).
بيد أن عمل “أسامة الدناصوري” يفرض نفسه ويستحق الاعتراف به وتقديره، لا الاستهزاء به. إن عباراته المنسابة بلا مجهود، تباغتنا بطبيعية حتميتها المقترنة بصراحتها. ورغم أن الثيمات الصريحة جنسيا ليست جديدة على الأدب العربي بأي حال من الأحوال، إلا أنها كانت محفوفة بالمخاطر في ظل المناخ الاجتماعي والأدبي الحالي في مصر. وفي ظل أجواء المحافظة الدينية السائدة حاليا.
يبدو اقتراح “مجمع لآلهة” يرغب الشاعر في أخذ مكانه فيه؛ لتعديل خلق الله أمرا جسورا، على أقل تقدير. ومع ذلك، يظهر “أسامة الدناصوري” في قصيدتيه: “العربة الحمراء”، “ولو كنت إلها”، كمراقب مكسور الوجدان، عاجز عن تغيير علاقته بموضوع الرغبة، وعن إحداث تغيير يبعث خياله إلى الحياة؛ فالقصيدتان ما هما إلا صرحان يعلنان عن الانفصال المستحيل رتقه بين العالم الباطني والواقع الخارجي([27]).
3- مجدي الجابري:
نادرا ما نشرت أعمال الشاعر العامي “مجدي الجابري”(Majdī al-Jābirī)([28])، إلا في المجلات الأدبية المستقلة والهامشية، بالإضافة إلى ديوانيه الشعريين اللذين نشرا بشكل مستقل([29]). ورغم تميزه عن مجموعة شعراء التسعينيات الشباب الذين نولي لهم الاهتمام الأساسي في هذا المقال، من حيث أنه ينتج أعمالا منذ فترة أطول بكثير، إلا أن “مجدي الجابري” استطاع اللحاق بركب النشر الخاص بهم([30]).
يتبنى “مجدي الجابري” قصيدة النثر بالعامية من خلال الجمع بين تيار الوعي والحوار والصور الحسية والسريالية، وتشير أعماله إلى المسافة التي قطعتها قصيدة العامية في مصر تطوريا من الناحية الأدبية، وهي مسافة تتجاوز بكثير أي جذور للشعر الشعبي كالزجل قد تنسب إليها.
يجب أن نجادل في هذه النقطة، وفي ضوء نصوص عامية أخرى متاحة مطبوعة؛ خاصة “لشحاتة العريان”([31])، بأن هناك تقاليد أدبية خارج تيارات قصيدة النثر الفصحى الأكثر سهولة في النشر.
ولا شك أن شعر العامية السياسي في السبعينيات([32])، والذي لا يوجد منه سوى القليل مطبوعا بخلاف المنشورات الذاتية؛ قد أسهم بشكل ما في هذا التيار الموازي للأدب.
ويجب المحاججة بأن هذه النصوص العامية، رغم تمايزها في “المنتصف”، قد تأثرت بشكل كبير بالتجارب الشعرية لتيار الفصحى في العقود الأخيرة.
ومن الواجب علينا فحص خصائص هذه النصوص لتمييز وتفنيد دوافع استراتيجيات النشر، وما نتج عنها من سمات ثقافية قائمة كما تحددها الاختيارات المعيارية وعلاقتها بـقضايا المشروعية والسلطة. وبالفعل، فإن هذه النتاجات العامية هي التي تظهر بجلاء الطبيعة المحافظة لمصفاة المعايير المرجعية والنقدية.
يشير “مجدي الجابري” إلى مديونية أدبية لآداب ونقود عالمية في الاقتباسات الواردة عن “سعدي الشيرازي” هنا في بداية “أغسطس”، ومن “تودوروف” في بداية ديوانه الثاني([33])، ومن “عبد الرحمن منيف” كواجهة لديوانه الأحدث([34]).
إنه يرسخ شعره في التفاصيل المألوفة للحياة في القاهرة اليوم: قضايا العلاقات الجنسية قبل الزواج، الأفلام المصرية القديمة، محطات الحافلات، ثقافة المقاهي، الأرق، صعوبات العيش بأجور زهيدة، وروائح الأجساد غير المستحمة.
يعبر شعر “مجدي الجابري” عن البطولة المستحيلة المستميتة للحياة اليومية في مصر المعاصرة. شعره غريب الأطوار مع نبرة رواقية جبرية خفية. إن القناع الشعري لديه لا يحارب التقاليد الاجتماعية بقدر ما يحاول العيش في فواصل البنى الاجتماعية، في ثقوب جدارية شعرية، آخذا الشعر إلى زوايا ربما كانت معروفة أكثر لكتاب الرواية. ومع ذلك، فإن مستوى التجريد الأدبي في العمل كبير، ويجب التعامل معه كنص أدبي كامل بمزاياه وعيوبه الأدبية، وليس كنتاج فن شعبي([35]).
4- محمد متولي:
يعد “محمد متولي” أحد أكثر الأصوات تجديدا وإثارة في جيله، حيث تأثر بعمق بالعناصر الثقافية الغربية والتكنولوجية التي دخلت مجتمع القاهرة، خاصة على مستوى الطبقة المتوسطة العليا.
وتدين رؤيته الشعرية الشخصية بالكثير للاستعارة السينمائية كمجاز رئيس، ويطرح من خلالها حيرته وازداءه لحياة الامتياز التي ترصدها شخصيته الشعرية ويشارك فيها في آن واحد. إن قصيدة النثر لديه تتسم بالدقة، والدهشة في سخريتها، وخفة الظل، لكن مفعولها فتاك.
يجسد “محمد متولي” بوضوح تأثير تعليمه باللغة الإنجليزية، فهو يمثل ذلك القطاع من جيل المصريين الذين لا ينسجمون براحة تامة داخل مجتمعهم، بعد أن استمدوا الكثير من مؤثرات أخرى؛ فهم ليسوا متجذرين في التراث العربي، بل يتحدثون عن وضعهم الغريب المتمثل في الاغتراب الثلاثي-الأجنبي والعربي والمحلي- عن جوانب الثقافة المتبناة([36]).
وبينما عمل شعراء السبعينيات انطلاقا من سخطهم واغترابهم عن القيم الأدبية العربية الموروثة، انتقل “محمد متولي” وغيره من هؤلاء الشعراء الشباب إلى الإشارة إلى حاضرهم الثقافي الوجودي والوقوف في معارضة له.
إن النقد القاسي للعائلة في أعمال هؤلاء الشعراء قد يشير إلى تفكك قدسية الروابط الأسرية، مظهرا علاوة على ذلك نوعا من الضغينة التي قد نعرفها جيدا من أسطورة فجوة الأجيال التي انتشرت بشكل واسع في ثقافتنا.
وتصور قصائد “محمد متولي” الخاطفة، ذات الإيقاع السريع، جيلا أكبر سنا يعاني من ركود غث، تائها في أنماط من الاستحواذ تبلد الوعي، وفي فراغ المعنى الذي تسميه الشخصية الشعرية وتتألم منه([37]).
5- أحمد يماني:
يعد “أحمد يماني” الشاعر الأكثر إثارة للإشكالات في هذه المجموعة بالنسبة لي؛ إذ كان شعره مصدرا للجدل في سياق الاستقبال النقدي لجيل “شعراء التسعينيات” ككل. فعمله الشعري يتسم بالغلظة، والنفور، والارتباك، والبذاءة([38])؛ حتى وإن كشف في بعض الأحيان عن تحولات لغوية لافتة واستخدام ملهم للأدوات الشعرية. وفي أقصى درجات عدم الرضا، أجد كقارئ نزرا يسيرا فيما قد يستحسن في شخصيته الشعرية؛ تلك المحتقنة بالاستياء والعداء، والمتفجرة بعدوانية جنسية تخلو من أي لمحة تعاطف.
وتتجلى في قصيدته الطويلة “هواء توقف أمام البيت”([39]) مستويات متفاوتة من الأداء الشعري، تتأرجح ما بين البراعة المحلقة والارتباك الصخري الوعر. كما تكشف القصيدة عن ازدراء عميق وكراهية تجاه الوالدين، والمجتمع، والنساء، بل وحتى الذات. ورغم شعوري بعدم الارتياح تجاه محتوى عمله ورسالته، إلا أنني أقر على مضض بأنه بدأ يجيد التعبير عن ذلك؛ لقد بدأ بالفعل في صهر ذلك القبح وتلك الكراهية في بوتقة الفن([40]).
وختاما؛ فإن معظم أولئك الذين قدمناهم بوصفهم شعراء التسعينيات، كانوا قد بدأوا للتو مساراتهم الكتابية([41])؛ لذا فمن السابق لأوانه إصدار أي حكم نهائي بشأنهم، بخلاف ما قد يظهر من نقاط قوة أو ضعف نسبية في قصائد بعينها، وإن كنت أعتقد أن بإمكاننا تلمس تفاوت في القدرات أو المواهب لدى بعض الأفراد.
إن الشعراء الأكثر شهرة ودراسة ورسوخا في أزمنة أخرى، قد صاغوا رسائلهم الفريدة وتحفهم الفنية، من خلال ومن داخل قيود أنواع أدبية معينة، في سياقاتهم الاجتماعية واللغوية والسياسية؛ بينما شعراء التسعينيات يدعون الكتابة خارج القيود، بل وفي تحد لها، بالرغم من أن تلك القيود لا تزال تشكل القيم الأدبية في مصر اليوم. علاوة على ذلك، فإن هؤلاء الشعراء لا يهتمون بقضايا النوع الأدبي، حتى حينما يركز الجدل النقدي المحيط بأعمالهم على تلك المسألة بالذات.
وبالتالي، ربما يمكننا هنا ملاحظة آلية عمل مصفاة المعايير، كخطاب نقدي واستراتيجيات نشر وهي تقطّر هؤلاء الشعراء. يمكننا أن نلاحظ مدونة الشعر وهي تصقل، وأن نتعرف على شيء من الفن الذي يتم تجاهله أو التخلص منه فيها، أثناء التطور الأدبي التاريخي، كما يمكننا أن ندرك ونقيم الوظائف الاجتماعية اللغوية الفعلية لعمليات الترشيح النقدية والمعيارية المرسخة لها .
ربما يكون “محمد متولي” هو أفضل من يعلن عن حضور هؤلاء الشعراء، وعن الحاجة إلى محاسبتهم في قصيدته: “أجنة تنظر بعين الطائر”.
إنه لمن المثير للاهتمام أن شعراء التسعينيات العلمانيين، والاستجابة الإسلامية في الجيل الناشئ، يشتركون بصفة عامة في عدم الرضا مع الركود، والجوانب الفاسدة لمجتمع استهلاكي. ومع ذلك، فإن استجابة الشعراء العلمانيين لما يسمى قضية الهوية، تتمثل في الاشتباك معها بروح تشكيكية، وعدم مبالاة، وبمنحى تقويضي.
يسجل هؤلاء الشعراء أصوات الثقافة المصرية النامية في الظروف الاجتماعية والسياسية الحالية([42])، ويعيدون تعريف العلاقات الشعرية مع قيود النوع الأدبي والشرعية الأدبية. ولا يجوز لنا ملاحظة وتقييم عملهم على أساس حساسياتنا الخاصة فحسب، والمحددة من خلال فهمنا الخاص للشعر وقيمنا الأدبية، بل يجوز لنا أيضا تقييم عمليات المصفاة المعيارية، وهي تغربل هذه الأعمال أمام أعيننا، وتطبق القيم الأدبية السائدة في شكل خيارات النشر والاستجابة النقدية. وتظل مهمتنا هي تقييم كل شاعر على حدة. وهذه الموجة الجديدة من الإبداع ككل، لتمييز القيم اللغوية والأدبية والثقافية التي ينطوي عليها عملهم الإبداعي بالتفصيل.
الإحالات :
[1] – للحصول على أفضل المعالجات لهذه الموضوعات باللغة الإنجليزية. انظر. محمد مصطفى بدوي: تاريخ موجز للأدب العربي الحديث، نيويورك، دار نشر جامعة أكسفورد، 1993م.- محمد مصطفى بدوي: مقدمة نقدية للشعر العربي الحديث، كامبريدج، نيويورك: دار نشر جامعة كامبريدج، 1975م.- سلمى الخضراء الجيوسي: الشعر الحديث بالعربية، الأدب العربي الحديث، المجلد3، من تاريخ الأدب العربي، تحرير محمد مصطفى بدوي، كامبريدج، نيويورك، دار نشر جامعة كامبريدج، 1992،ص132-179. – سلمى الخضراء الجيوسي: التيارات والحركات في الشعر العربي الحديث، ليدن، إي. جيه. بريل، 1977م. – شموئيل موريه: الشعر العربي الحديث، 1800- 1970م، ليدن، إي. جيه. بريل، 1976م.
[2] – لمعالجة ممتازة لهذا التحول في القيم الأدبية، انظر. شكري محمد عياد: انكسار النموذجين: الرومانسي والواقعي في الشعر، عالم الفكر، ع3/19، 1988م، ص647-666. – انظر أيضا. محمد مصطفى بدوي: الجحيم الأرضي: قراءة في شعر صلاح عبد الصبور، القاهرة: الهيئة العامة للكتاب، 1986م. – عبد المقصود عبد الكريم: الحلم والإبداع: دراسة في شعر صلاح عبد الصبور، الجراد1، القاهرة، مارس 1993م، ص3-25. وذلك لرؤية كيفية اضطلاع السبعينيين بتحولات القيم الأدبية بطريقة واضحة.
[3] – أدرج بعض النقاد أمل دنقل ومحمد عفيفي مطر، ضمن شعراء السبعينيات، رغم أن شعراء السبعينيات أنفسهم، يعتبرون أمل دنقل نقطة النهاية للجيل الشعري السابق. وشبيه بهذا أيضا، الشاعر محمد عفيفي مطر، الذي يحظى بتوقير كبير، وله أسلوب فردي للغاية، على الرغم من أن أعماله الأخيرة لم ترتق إلى مستوى أعماله السابقة.
[4] – لمتابعة معظم المعالجات الحديثة الشاملة عن شعراء السبعينيات، انظر: ألف، ع11، 1991م. وقد خصص لمعالجة التجريب الشعري عند هؤلاء الشعراء. – محمد عبد المطلب: تقابلات الحداثة في شعر السبعينيات، المنشور ضمن بحوث مهرجان القاهرة للشعر العربي، 20-24 أكتوبر 1993م، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 1993م، ولقد ظهر هذا البحث لاحقا في كتاب أكبر، محمد عبد المطلب: تقابلات الحداثة في شعر السبعينيات، القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 1995م. -سلمى الخضراء الجيوسي: الحرية والإلزام، شعر السبعينيات، مجلة الأدب العربي (JAL)، المجلد 26، 1995م،ص105-119. – كلاريسا بيرت: شعراء السبعينيات وجدلية الشعر في مصر المعاصرة، أوراق غير منشورة (مخطوطة)، قدمت في المؤتمر السنوي لجمعية دراسات الشرق الأوسط، بورتلاند أوريغون، 1992م. وانظر أيضا. الدراسة الاستقصائية غير الكافية لحلمي محمد القاعود: الورد والهالوك : شعراء السبعينيات في مصر، الزقازيق، دار الأرقم، 1993م.
[5] – انظر. سلمى الخضراء الجيوسي: الحرية والإلزام، إذ يشتمل على مقدمة نقدية ممتازة لمختلف القضايا
التي تحيط بهؤلاء الشعراء، وتأثيرهم على الأدب اليوم في مصر والعالم العربي.
[6] – انظر. كلاريسا بيرت: الموتيفات الكلاسيكية والتداخل الثقافي في الشعر المصري المعاصر، مجلة نقد، دراسات نقدية للشرق الأوسط، عدد الخريف، 1995م،ص91-99.
[7] – في ورشة كتاب الشرق الأوسط ، الجلسة (S07)، التابعة لاجتماع جمعية دراسات الشرق الأوسط في مدينة بروفيدنس رود آيلاند، نوفمبر، 1996م؛ نادت سلمى الخضراء الجيوسي بتوجيه الدراسات والاهتمام إلى هذه الظواهر الحديثة في المشهد الشعري في مصر وفي أي مكان آخر.
[8] – يبدو أن هذا المصطلح قد صيغ على غرار التسمية الذاتية لشعراء السبعينيات؛ إلا أنه لم ينبثق من الشعراء أنفسهم، بل من الخطاب النقدي المتفاعل مع أعمالهم. ولقد أثارت هذه التسمية جدلا حول الطريقة التي تم بها تصنيف الشعراء على أساس تواجدهم أو عدم تواجدهم في المطبوعات المنشورة، إذ تم بهذه الطريقة استبعاد شعراء آخرين، وعدم معاملتهم بوصفهم أعضاء أساسيين في هذا الجيل. والواقع أن الشعراء الذين بدأت أعمالهم في الظهور في الثمانينيات لم يعاملوا بوصفهم جيلا منفصلا. ربما لأن خصائص أعمالهم تبدو بطريقة أو بأخرى، وكأن لها صلات أو مصائر مشتركة مع الجيل الذي سبقهم أو الذي يليهم. وعلاوة على ذلك، فمع ظهور المجلد الثالث من مجلة “الجراد”، ومع الاهتمام النقدي اللاحق، وإن كان سلبيا في الغالب، فربما سيستمر تعريفهم بشعراء الجراد. إن التسمية الأصلية لمجلة “الجراد” حدثت في مطبخي، حين التهم عدد من شعراء التسعينيات كل ما هو صالح للأكل أمامهم.
[9] – لمتابعة المصادر الفعلية للإصدارات المبكرة لهذه المجموعة. انظر. أحمد طه (محرر): الجراد1، القاهرة، مارس، 1994م. – أحمد طه (محرر): الجراد2، القاهرة، يوليو،1994م. – محمد متولي وآخرون(محررون): الجراد3، يناير، 1996م.- أمجد ريان (محرر): الفعل الشعري2، القاهرة، مارس، 1994م.- حسن طلب (محرر): المقهى الثقافي، الشعر1، القاهرة، الهيئة العامة للكتاب، 1991م. – هشام قشطة (محرر): الكتابة الأخرى، العدد4، وما يليه، القاهرة، يناير، 1993م. للمصادر الأولية لإصدارات هذه المجموعة المبكرة.
[10] – يجب أن أذكر -أيضا- أن هؤلاء الشعراء يمثلون -بلا ريب- الجانب العلماني البحت للحياة المصرية، وأنه لا يوجد بينهم أي صوت شعري قد يمثل المد الإسلامي الأصولي في المجتمع المصري المعاصر.
[11] – محمد متولي وآخرون(محررون)، الجراد، 3، القاهرة، يناير، 1996م، ص1.
[12] – الجراد 3،يناير، 1996م،1، تنقل: “قُلْ لِوَاقِفٍ يَبْكِي عَلَى طَلَلٍ دَرَسْ***مَا ضَرَّهُ لَوْ كَانَ جَلَسْ”، وهو اقتباس خاطئ عن بيت أبي نواس: “قُلْ لِمَنْ يَبْكِي عَلَى رَسْمٍ دَرَسْ***وَاقِفًا، مَا ضَرَّهُ لَوْ كَانَ جَلَسْ”. انظر: أبو نواس، ديوان أبي نواس، بيروت، دار صادر، 1962م،ص366. هل لذكر الخطأ في الاستشهاد السابق معنى مقصود أم لا؟ فهذا التشويه للمعنى والوزن في بيت “أبو نواس” أثار ضجة كبيرة بين أصدقاء الشعراء الشباب ومخالفيهم على حد سواء. هذه الضجة تشير إما إلى جهل كتاب المقدمة بالتراث أو تعمدهم تزييفه عن قصد؛ لإثارة الغضب أو السخرية.
[13] – انظر. محمد بدوي: تأملات أولية في قصيدة النثر، الكتابة الأخرى، 7، فبراير، 1994م، ص40-49، وذلك للاطلاع على معالجة من أوائل المعالجات الجادة التي تناولت “قصيدة النثر”. أيضا، هنالك مقالات من شعراء التسعينيات في القضية نفسها، نشرها كل من أمجد ريان وعبد العزيز موافي في العدد نفسه من مجلة الكتابة الأخرى.
[14] – لمتابعة بعض وجهات النظر المتباينة جدا حول “الجراد”. انظر. شرين أبو النجا، الجراد، روز اليوسف، 2مايو، 1996م، ص79. – عبلة الرويني: جرادة تركب دراجة أمريكية، أخبار الأدب، العدد 150، القاهرة، الأحد، 26مايو، 1996م. – عبد العزيز موافي: الجراد من الهامش إلى أدب المتن، الحياة، العدد 11547، الخميس، 29سبتمبر،1994م، ص16. – عطية حسن: أحمد طه عن الجراد: بعض نصوصنا ليست جيدة، ولكن، الأحرار، 30أبريل،1994م. – عبد الله السمطي: في مجلتي الجراد والفعل الشعري: شاعران فشلا في اجتذاب النقاد فكتبا عن إبداعهما، الرياض، 9449، 5مايو، 1994م.- وائل قنديل وحمدي عابدين: تلك المطبوعات الجديدة وقصائدها القبيحة، العربي، 11إبريل، 1994م، ص12.
[15] – أنجز –حتى الآن- في الإنجليزية، عدد قليل من الدراسات يلفت النظر إلى سعة هذا المجال، انظر. مارلين بوث: الشعر باللغة العامية، في: محمد مصطفى بدوي، الأدب العربي الحديث، ص463-482.
[16] – انظر. ك. عبد الملك: دراسة في شعر العامية: أحمد فؤاد نجم، ليدن: إي. جي. بريل، 1990م.
[17] – للاطلاع على تاريخ موجز واعتبارات نظرية حول التطورات الحديثة في شعر العامية. انظر. ماجد يوسف: ملاحظات حول شعر العامية المصرية في السبعينيات، ألف،11،1991م، ص148-157. – ومسعود شومان: ندوة شعر العامية، الكتابة الأخرى، ع7 ، فبراير 1994م، ص130-165.
[18] – كان أحدهم هو خالد عبد المنعم –الذي مات من الفشل الكبدي- والذي يعد موته خسارة كبيرة لكل أصدقائه وزملائه من الشعراء المعاصرين في القاهرة، وله ديوان واحد -نشر بعد وفاته- هو: حمار البحر، القاهرة، شرقيات،1995م. وهناك العديد من الشعراء الشباب الذين يعالجون العامية، وتظهر أعمالهم بصفة خاصة في “الجراد” و”الكتابة الأخرى”، ومن بينهم: بهاء عواد وصادق شرشر ومسعود شومان وآخرون.
[19] – ترجمت أعمال عدة من هؤلاء الكاتبات ترجمة متقنة إلى الإنجليزية في السنوات القليلة الماضية. انظر. مارلين بوث: صبار جدتي، لندن، دار كوارتت، 1991م؛ وذلك للاطلاع على نماذج نصوص بعض هؤلاء الكاتبات.
[20] – عزة بدر، هي الشاعرة الوحيدة التي ذكرت في ارتباط مع شعراء السبعينيات، رغم أنها لا تشترك في المكانة مع المجموعتين الأساسيتين: “أصوات” و”إضاة”. وقد نشرت أعمالها في بداية الثمانينيات في مجلة إبداع وفي مجلات أخرى.
[21] – في العددين الأول والثاني من مجلة الجراد، مارس، 1993م، ويوليو، 1994م، اللذين حررهما أحمد طه، وهما العددان اللذان بلورا كيان شعراء التسعينيات بوصفه قوة أدبية مستقلة يمكن التعامل معها؛ مثلت قصائد لست شاعرات، هن: هدى حسين، أمل جمال، صفاء فتحي، علية عبد السلام، إيمان مرسال، وغادة عبد المنعم.
[22] – لا شك أن ظروف النوع الاجتماعي ” الجندر” في مصر، تؤثر على الفرص المتاحة للشاعرات للقاء شعراء آخرين والتشارك في الفعاليات الأدبية. إذ يقف ناقوس الليل وعادات المجتمع حائلا دون حضورهن الندوات والجلسات الشعرية والنقدية التي يعقد معظمها في الليل، وهي الفعاليات ذاتها التي نمت في أرضها بذور جماعة “الجراد.”
[23] – تعمل المحظورات الأدبية كمبادئ توجيهية للقيود الرقابية. وقد روى أحمد طه -في اتصال خاص- قصة عدة تغييرات متعمدة في النصوص أثناء عملية النشر، كما التقى بالصدفة بأحد المحررين الذي تفاخر بقدرته على استبدال الكلمة الجسدية المباشرة، غير المعيارية مع مطابقة “الوزن” نفسه؛ مما كان بمثابة رقابة على قصيدة أحمد طه. ومن خلال الخروج عن مطابع المؤسسة الرسمية التي تفرض هذه المعايير الرقابية، استفاد شعراء السبعينيات أولا، ويستفيد الآن شعراء التسعينيات -بمواد أكثر جرأة- من حرية النشر الذاتي. ولكن على عكس شعراء السبعينيات، الذين دفع بعضهم ثمنا باهظا على شكل اعتقال واحتجاز ومضايقات؛ استطاع شعراء التسعينيات إنتاج موادهم المستقلة في البيئة الحالية المتسمة بتسامح رسمي مع نطاق واسع من التعبير المكتوب. كما أصبح النشر في مطابع المؤسسة الرسمية أسهل بكثير لشعراء التسعينيات كجماعة، مقارنة بتجربة شعراء السبعينيات في سن مماثلة.
[24] – بصراحة، أود أن أبين أن الموقف الازدرائي الذي تتبناه الأوساط الأكاديمية الغربية تجاه الأدب السابق على مصفاة المعايير الأدبية، هو تنصل من المسؤولية. فكما هي الحال في أنظمة المعرفة الأخرى في القرن العشرين، أصبح من الصعب بشكل متزايد الحفاظ على موقف من الموضوعية المنعزلة عندما نناقش الفعاليات التاريخية. أقترح إذن أنه، كما في التخصصات الأخرى، فإن الملاحظة تؤثر بالضرورة وتتفاعل مع موضوعات الدراسة. من خلال تأخير وجهة نظرنا حتى تقوم العمليات المعيارية بتصفية المواد الأدبية، فإننا في الواقع نقبل أحكام “الفلترة”، دون مراعاة للقيمة الجوهرية للمواد المعنية. فقط من خلال الوعي بالمواد الخام التي يبنى منها الصرح الأدبي، يمكننا تقدير طبيعة الصرح والقيم الجمالية والشرعية والاجتماعية والسياسية التي تمنحه شكله. من خلال مقارنة المواد السابقة لمصفاة المعايير والمواد المعيارية، نبدأ في إدراك مساهمة قيمنا الخاصة في علاقتنا بالمنتجات الأدبية وتقييمنا للصرح المعياري.
[25] – أوردت مؤلفة المقال في هذا الموضع من الإحالة خمسة نصوص لإيمان مرسال، هي: احترام ماركس-إجهاض-اعترافات-بعد حمام ساخن-عادة ما أتلفت حولي. ولم أنقلها في الترجمة هنا، لأسباب تتعلق بمساحة المقال المترجم عند النشر، وسأفعل هذا مع بقية الشعراء، وتوضح المؤلفة توثيق شعره كالآتي(المترجم): هذه المختارات منقولة من: أحمد طه(محرر): “الجراد”2،القاهرة، يوليو،1994م، ص19-25. وظهرت أيضا بشكل معدل قليلا، في ديوان “إيمان مرسال”: “ممر معتم يصلح لتعلم الرقص”، القاهرة، شرقيات، 1995م.
[26] – وفي الوقت نفسه، تشير حقيقة أن عددا من الشعراء الأكبر سنا، بدأوا ينتجون الشعر وينشرونه بالتزامن مع الشعراء الأصغر سنا؛ إلى أن قيم الإنتاج والتوزيع والنشر يعملون كعوامل محفزة للإبداع، ولا شك أنه في ضوء هذه الحقيقة، أن التصنيف حسب الأجيال له فائدة محدودة.
[27] – أوردت مؤلفة المقال في هذا الموضع من الإحالة نصين لأسامة الدناصوري، هما: العربة الحمراء- ولو كنت إلها، وتوضح المؤلفة توثيق شعره كالآتي(المترجم): قصيدة “السيارة الحمراء”، نشرت في الكتابة الأخرى،7،يونيو،1994م،ص56م، وقصيدة: “لو كنتُ إلها”، نشرت في الجراد، 2، يوليو، 1994م،ص16-18. وله أيضا ديوان: “أسامة الديناصوري، حراشف الجهم”، القاهرة، مصرية، 1991م(؟). وأعرف أنه أصدر مؤخرا، ديسمبر، 1996م، ديوانا جديدا بنشر ذاتي لم أطلع عليه بعد.
[28] – وفي هذا السياق أعرب عن استيائي من هذا الانفصام في التعامل مع النقل الحرفي، الذي فرضته الأهداف المحمودة لتوحيد معايير النشر، وهو ربما يكون أكثر حدة في حالة شعراء العامية؛ فمن المؤكد أن الشاعر نفسه لن يتعرف على اسمه إلا بصيغة: “مجدي الجابري”، وليس بصيغة: (Majdī al-Jābirī).
[29] – مجدي الجابري، أغسطس، القاهرة، 1990/1(?)؛ ومجدي الجابري، بالظبط وكأنه حصل، القاهرة، دار مصرية، 1994.
[30] – في ظل مناخ النشر الحالي الأكثر انفتاحا، نشرت أعمال مجدي الجابري أخيرا في دار نشر رسمية: مجدي الجابري، عيل بيصطاد الحواديت، إبداعات 11، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 1995م.
[31] – ظهرت أعمال “شحاته العريان” في عدة مجلات، بما في ذلك الأعداد الثلاثة من مجلة الجراد، ومجلة الكتابة الأخرى.
[32] – ربما يكون “سمير عبد الباقي” و”فؤاد قاعود”، هما الأكثر تمثيلا من بين هؤلاء الشعراء فيما نشر مطبوعا.
[33] – الجابري، بالظبط وكأنه حصل، ص3.
[34] – الجابري، عيل بيصطاد الحواديت، ص5.
[35] – أوردت مؤلفة المقال في هذا الموضع من الإحالة ثلاثة نصوص لمجدي الجابري، هي: أغسطس- على كرسي بيلف حوالين محور ثابت-عادة، وتوضح المؤلفة توثيق شعره كالآتي(المترجم): مجدي الجابري، أغسطس، ص45-50. القصيدتان المختارتان الأخريان منقولاتان من: الجراد،2، القاهرة، 1994م،ص64-65؛ وتظهر مرة أخرى في: عيل بيصطاد الحواديت، ص10-16.
[36] – انظر القصيدة الرائعة عن “بابا نويل” الخارج عن القانون وهي: “يا يسوع، ألا تحب الكوميديا الموسيقية؟!”، من : “حدث ذات مرة أن” لمحمد متولي، لندن، رياض الريس للكتب، 1992م، ص49-51، وهي مجرد مثال واحد على توظيف “محمد متولي” المتجاور للأيقونات الثقافية.
[37] – أوردت مؤلفة المقال في هذا الموضع من الإحالة نصين لمحمد متولي، هما: البيت ينقصه اليوم بعض الزهور- أجنحة تطير بعين الطائر، وتوضح المؤلفة توثيق شعره كالآتي(المترجم): هذه المختارات منقولة للنص العربي، الذي ظهر في مجلة الجراد، العدد1، مارس، 1994م، ص53-57. انظر أيضا. مجلة الجراد، العدد 2، يوليو، 1994م، ص67-69؛ ومحمد متولي: “حدث ذات مرة أن”، الذي فاز بجائزة يوسف الخال للشعر عام 1992م.
[38] – بالإضافة إلى العديد من القصائد المنفردة التي نشرت في مجلات ومجموعات متنوعة، أصدر أحمد يماني أيضا ديوانه الأول بعنوان: “شوارع الأبيض والأسود”،القاهرة، 1995م.
[39] – مجلة “الجراد”، العدد الأول، مارس، 1994م، الصفحات 28-38؛ انظر أيضا. أحمد يماني، ديوان “شوارع الأبيض والأسود”، الصفحات 5-48.
[40] – أوردت مؤلفة المقال في هذا الموضع من الإحالة نصا واحدا لأحمد يماني، هو: أشياء تتكرر عند النوم، وتوضح المؤلفة توثيقها كالآتي(المترجم): هذه القصيدة وردت في مجلة “الكتابة الأخرى”، العدد 5،6، سبتمبر، 1993م، الصفحة 19.
[41] – نشر المقال ، في يوليو1997م، ولا شك أنه كتب قبلها بفترة وجيزة.– المترجم .
[42] – يقصد المقال: فترة التسعينيات، وفترة كتابة المقال ونشره حتى يوليو1997م.- المترجم .





