التركة- نجيب محفوظ

(حجرة انتظار في بيت ولي الله؛ حجرة ذات طابعٍ عتيق، في الصدر كونصول؛ باب إلى اليمين وآخر إلى اليسار، تصطف بجوانبها كنبات تفصل بينها كراسيُّ، ثمة حُصرٌ مزركشةٌ معلقة على الجدران في مواضعَ محددة. يدخل فتًى وفتاة، يتفحصان الحجرة باستطلاع من يراها لأول مرة، ثم يقفان في الوسط.)
الفتى : البيت صامت كأنه قبر.
الفتاة : صفِّق لتشعرهم بوجودك.
الفتى : إنه يكره ذلك، ما زلت أذكر طبعه.
(صمت قصير.)
الفتاة : بيتكم قديم، والحواري المفضية إليه شُقَّت فيما يبدو من عهد نوح.
الفتى : لا تنسَيْ أصلك وأنت تتكلمين عن الحواري كسائحة.
الفتاة : تأدَّب، المفروض أننا مهذبون.
(صمت قصير.)
الفتى : لِمَ دعاني يا ترى؟
الفتاه : هو أبوك مهما يكن من أمر.
الفتى : ظننت أن الماضي لن يعود.
الفتاة : الحاضر يمضي والماضي يعود، ولا ينبغي لرجلٍ مذنب أن ييئس، فأي ذنب يغفر ما دام المذنب رجلًا.
الفتى : ألم تحلمي يومًا بأن يدعوك أبوكِ ليغفر لكِ؟
الفتاة : لو رآني ساعة احتضاره لغالب الموت حتى يفتك بي.
(الفتى يبتسم من خلال ثوانٍ من الصمت.)
الفتى : ترى لماذا دعاني بعد ذلك الفراق الطويل؟
الفتاة : إنك وحيده وللقلب حنينه، ومن يدري فلعلك …
الفتى : لعلي؟
الفتاة : لعلك تذهب مكرمًا بثروة لم تخطر لك على بالٍ!
الفتى : طردني يافعًا ولا مليم في جيبي!
الفتاة : ماذا كنت تتوقع جزاءً لسلوكك المشين؟
الفتى : تشردتُ وجُعتُ ولولا …
الفتاة : ولولا فجورك لمتَّ جوعًا.
الفتى : اقطعي لسانك يا بنت الأبالسة.
الفتاة : ولأنك رجل فكل ذنب مغفور لك.
الفتى : ولأنكِ امرأة فكل ذنب مرجعه إليك.
الفتاة : أنت صعلوك ولكن تخافه الشياطين.
الفتى : فلنتأدب ولو ساعة من الزمان.
الفتاة : حتى تضحك على الرجل.
الفتى : العبي دور الزوجة بإتقان.
الفتاة : كان عليك أن تجيء وحدك وتتركني في سلام.
الفتى : لأن أتقدم إليه مصحوبًا بزوجتي خير من الحضور وحدي كرجلٍ أعزب محوط بشبهات العزاب.
الفتاة : لعله يعرف عنك أكثر مما تتصور.
الفتى : لو صح ذلك لما دعاني بإعلان في الجرائد.
الفتاة : ولكنه ولي من أولياء الله؛ فكيف لم يعرف أنك صاحب خمارة وأنك مغامر؟
الفتى : على أي حال فإنه لم يدخل السجن، فهو خير من أبيك المرحوم.
الفتاة : تدفعني إلى استعمال حذائي في هذه الحجرة العتيقة المباركة.
الفتى : استعمليه، وسأردُّ بكسر رأسك، ونقدم بذلك الدليل على صدق علاقتنا الزوجية.
(صمت.)
الفتاة : آه لو يتحقق حلم الثروة!
الفتى : وتتحول الخمارة الصغيرة إلى ملهًى لَيلي عالمي.
الفتاة : والمغامر الهاوي إلى قوادٍ دولي!
(يُكوِّر لها قبضة يده مهددًا فتتراجع خطوة وهي تضحك دون إحداث صوت.)
الفتاة : الحق أن أباك ذو سمعةٍ طيبة كرائحة الورد.
الفتى : أجل.
الفتاة : ما سألْنا أحدًا عن بيته إلا ولهج بالثناء عليه.
الفتى : أناس هذه الأحياء طيبون!
الفتاة : ولكنهم يؤكدون خوارقه.
الفتى : إنهم يرون في الحاوي معجزة.
الفتاة : وينوِّهون بالطمأنينة التي يزرعها في القلب.
الفتى : جميع هؤلاء يجيئون إلى هنا، ويجودون بنقودهم عن طيب خاطر.
الفتاة : ربما لأنهم يأخذون ما هو أقيم مما يعطون.
الفتى : إن قلبكِ لا يخلو من موطن للخرافة رغم اكتنازه بالشر الباهر.
الفتاة : وأنت، ألا تذكر يوم تأزمت بالمغص الكُلوي؟
الفتى : كُفِّي عن الثرثرة، الرجل مليونير ما في ذلك من شك.
الفتاة : لندعُ الله أن يكون ذلك صحيحًا.
الفتى : هنا .. هنا ثروةٌ طائلة!
الفتاة : هنا؟
الفتى : أولياء الله لا يتعاملون مع البنوك.
الفتاة : وعند حلول الأجل يمكن استخلاص التركة بعيدًا عن قبضة الضرائب.
الفتى : ولكنَّ ثمة خطرًا أفظع من الضرائب.
الفتاة : ماذا تعني؟
الفتى : أعني من يقومون بخدمته.
الفتاة : من يخدم أولياء الله؟
الفتى : الشياطين!
الفتاة : هل تعني ما تقول؟
الفتى : أعني شياطين الأرض.
الفتاة : من حسن الحظ أنك شيطان وبوسعك أن تتعامل مع الشياطين، هل لك امرأة أبٍ؟
الفتى : ماتت من زمنٍ بعيد.
الفتاة : أهو طاعن في السن؟
الفتى : جدًّا.
الفتاة : هذا يبشر بالخير.
الفتى : لا تحلمي، ماتت أجيال وهو حي يمارس عمله.
الفتاة : لم تعد أعصابي تتحمل الصبر أكثر من ذلك، عليك أن تقابله.
الفتى : بل علينا أن ننتظر، إني أعرف طبعه. (صمت، يمشيان ذهابًا وجيئة) (يُفتَح الباب إلى اليسار، يدخل غلام حاملًا مبخرة؛ غلامٌ جميل يلبس جلبابًا وطاقية ومركوبًا، يدور في الحجرة حارقًا البخور دون أن يلتفت إلى الفتى والفتاة، ودون أن ينبس بكلمة. يقف الفتى والفتاة جنبًا لجنب وهما يتابعانه بعينَيهما) يا غلام! (الغلام يكف عن الدوران ويقف قبالتهما) هل أنت من يقوم على خدمة الشيخ؟
الغلام : الناس جميعًا يقومون على خدمته.
الفتى : وماذا تفعل أنت؟
الغلام : إني خادم البيت.
الفتى : أنا ابن مولاك.
الغلام : أعرف ذلك يا سيدي.
الفتى : وكيف عرفتني؟ (الغلام لا يجيب) لم لا تجيب؟
الغلام : لقد أجبت يا سيدي.
الفتى (باسمًا) : طيب .. لقد جئت ملبيًا دعوته.
الغلام : أعرف ذلك يا سيدي.
الفتى : ألا تدري متى يدعوني إلى لقائه؟
الغلام : لقد كلَّفني مولاي أن أخبرك …
الفتى (مقاطعًا) : إني أسألك متى يلقاني؟
الغلام : لقد ذهب.
الفتى : أين؟ ومتى؟
الغلام : غادر البيت عقب صلاة الفجر.
الفتى : ومتى يعود؟
الغلام : لن يعود.
الفتى : أنت تهذي يا غلام.
الغلام : سامحك الله يا سيدي.
الفتى : ولِمَ لن يعود؟
الغلام (مُحنيًا رأسه من الحزن) : لقد ذهب إلى لقاء ربه.
الفتاة : (جزعة) ماذا تعني يا شاطر؟
الغلام : قال إنه يشعر بدنوِّ الأجل ثم ذهب.
الفتى : ولِمَ لَم يبقَ في فراشه؟
الغلام : نذر من قديم أن يلقى ربه في الخلاء.
الفتى : ولكنك تعرف مكانه؟
الغلام : كلَّا.
الفتى : ولماذا دعاني؟
الغلام : دعاك لتعود إلى بيتك القديم.
الفتى : وهل حمَّلك رسالة إليَّ؟
الغلام : قال: دنا الأجل، آن لي أن أدعو ابني الضال لعله يصلح لأن يرث التركة.
الفتى : التركة؟
الغلام : أمرني أن أسلمك التركة لعلك تثوب إلى رُشدك.
الفتى : ليرحمه الله .. أعني ليمدَّ الله في عمره.
الفتاة : وأين التركة يا شاطر؟
الغلام : قال سيجيء غارقًا في الضلال ساحبًا معه قرينة سوء.
(صمت مع تبادل نظرات.)
الفتاة : هذا يعني أنها أيضًا في حاجة إلى نصيب من تركته.
الفتى : ومتى تسلمنا التركة؟
(الغلام يشير إلى حصيرةٍ معلَّقة على الحائط إلى يمين الكونصول.)
الغلام : التركة في خزانة وراء الحصيرة .. هاك المفتاح يا سيدي.
(يتناول الفتى المفتاح ويمضي إلى الحصيرة، يهم الغلام بمغادرة الحجرة، الفتاة تهرع إليه فتقبض على يده.)
الفتاة : ابقَ حتى نتسلم التركة.
(الفتى يزيح الحصيرة، يفتح الخزانة، يأخذ في إخراج كتبٍ صفراء، ويقرأ بعض العناوين وهو يخرجها ويرصُّها فوق الكنبة.)
الفتى : الحق .. مدارج الروح .. سلام للقلب.
(يستمر في إخراج الكتب التي تتراكم فوق الكنبة، ويتهاوى بعضها على الأرض.)
الفتى : أين التركة؟
الفتاة (للغلام) : أنت سرقتها!
الغلام : سامحكِ الله.
الفتى (مواصلًا إخراج الكتب) : أين التركة؟
الغلام : لا علم لي بما في الخزانة.
الفتى : كان المفتاح معك.
الغلام : أعطانيه قبل أن يغادر البيت.
(الفتى يواصل إخراج الكتب، ثم يصيح بفرحٍ جنوني.)
الفتى : التركة!
(يخرج رزمًا من الأوراق المالية ويرصُّها فوق خوان.)
الفتاة : ثروةٌ طائلة.
الفتى : ما أكرمك يا أبي وما أبرَّك!
الغلام : إنه يوصيك بألا تنفق منها مليمًا واحدًا قبل أن تستوعب ما في هذه الكتب.
الفتاة : الأوفق أن نبدأ باستيعاب هذه النقود.
الغلام : تلك كانت وصيته.
الفتى : شكرًا يا غلام، يمكنك أن تنصرف إذا شئت.
الغلام : والتركة؟
الفتى : هل ثمة تركةٌ أخرى؟
الغلام (مشيرًا إلى الكتب) : إنما أعني هذه التركة.
الفتى : ستنفذ الوصية بأمانة.
(الفتاة في سيرها تدوس على بعض الكتب.)
الغلام : ارفعي قدمك.
الفتاة : تفضَّل بسلام وكُفَّ عن إلقاء الأوامر.
الغلام : فلأعيدها إلى الخزانة إذا لم تكن بكما من حاجة إليها.
الفتى : خير ما تفعل أيها الغلام الأمين.
(الغلام يعيد الكتب إلى الخزانة، يحملها باحترام وهو يبكي صامتًا، ولما ينتهي يقول بنبرةٍ حزينة.)
الغلام : إني ذاهب.
الفتى : مصحوبًا بالسلامة. (ثم مستدركًا)، انتظر، أنت غلامٌ طيب، تحب أن تشتغل عندي؟
الغلام : أي شغلة يا سيدي؟
الفتى : أدربك لتعمل جرسونًا ماهرًا.
الغلام : في مقهى؟
الفتى : خمارة، وهي أربح للجرسون من عشرة مقاهٍ.
الغلام : إني ذاهب يا سيدي.
الفتاة : مع السلامة. (الغلام يذهب)، ألا ترى أن نُفتِّشه قبل أن يرحل؟
الفتى : لو كان لصًّا لما أخبرنا عن التركة.
الفتاة : علينا أن نجد حقيبة لنضع فيها النقود.
الفتى : سنجد حقيبة أو بقجة في هذا البيت العتيق.
الفتاة : وعليك أن تفكِّر في استغلاله.
الفتى : الأفضل بيعه، إنه قديم حقًّا، ولكنه يدرُّ ذهبًا لو بيع أرضًا.
الفتاة : واشترِ بالثمن عمارة، ولنبع الخمارة أيضًا لنعيش أحرارًا كأبناء الذوات.
الفتى : أفكارٌ طائشة، سوف أنشئ ملهًى ليليًّا يضاهي الأوبرج.
(يظهر رجل عند الباب الأيمن، يلبس جلبابًا ومعطفًا، وهو ذو قامةٍ ضخمة، وطابعٍ رسمي كالمخبرين، يتقدم خطوات حتى يصير على مبعدةٍ قصيرة من الفتى والفتاة اللذين يطالعانه بدهشة، يجيل في المكان نظرةً فاحصة، ويرى النقود المكدسة، ثم يعود لينظر إلى الفتى والفتاة.)





