مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
سينما ومسرح

التأليف الدرامي الإجرائي والشخصيات الاصطناعية والممثل الافتراضي – أنطونيو بيتزو-ترجمة أماني فوزي حبشي

إن بناء هذا البرنامج يعتمد على الأهداف (إشباع الجوع، الاسترخاء) ولكن أيضًا على تمثيل الانفعالات (طباع). إن النموذج الذي صنَعه الحاسوب للشخصية يسمح للقطة بأن تتصرَّف بواسطة لوغاريتمات، والتي بها تم وضع الأحداث في مواجهة مع الأهداف، والأفعال مع الشخصية، والأدوات مع التصرُّفات؛ كل تغييرٍ مرتبط بالآخر يتبدَّل بتبدُّل الآخر.

في عام ١٩٩٧م استعادت المجموعة مشروعًا سابقًا ببعض الشخصيات البدائية (بعض الأجسام الملوَّنة تُدعى ووجلز Woggles والتي نُفذَت عام ١٩٩٣م)،٩١ وجرَّبَت تفاعلًا أكثر كفاءة بين السلوك واللغة. في هذه الحالة، استخدمَت المجموعة برنامج HAP لتوليد، ليس فقط الوصف النصي للسلوك، ولكن أيضًا جرافيك حقيقي للحاسوب، بالإضافة إلى ذلك تم زرع مولد للغة النصية في البرنامج (جليندا Glinda)٩٢ وبهذه الطريقة كان يمكن للمشاهد رؤية الووجلز تتحرك على الشاشة والتحدث بواسطة بالونات الحوار التي يظهر فيها النص.

وأبحاث مشروع OZ في جامعة كارنيجي ميلون ساهمت في تطوير برامج لم يكن هدفها الأساسي هو محاكاة وجود كائنٍ حيٍّ آخر من الطرف الآخر من الشبكة، والذي يمكن التحاور معه كما يحدث في برامج الشات، ولكن اقتراح خشبة مسرح فعلية افتراضية، عليها يمكن لتلك الشخصيات الاصطناعية إظهار شخصياتها المتفردة، انفعالاتها الخاصة، وارتجال أفعال سواء تلك التي يحثُّها عليها المستخدم، أم تلك النابعة عن إداراتها.

وكانت القدرة على الارتجال هي أساس البحث الخاص بمشروع المسرح الافتراضي Virtual Theatre Project والذي أدارته باربارا روث Barbara Hayes Roth من جامعة ستانفورد Standford في كاليفورنيا. طوَّرَت المجموعة العمل على الرسوم المتحركة الووجلز، والتي بدأها بايتس Bates، لتزيد قدرتها على تقديم الأفعال المستقلة والمتناسقة. وهنا تعود نقطة الانطلاق لتكون ذات تصاعدٍ درامي، بمعنى أن الموقف الدرامي كان لا بد وأن ينسِّق أفعال الشخصيات مع القصة السابق تحديدها. يُوجد، هكذا، تركيبٌ محدَّد الحدث، والذي يمكن أن يتم تنفيذه بأساليبَ مختلفة، تبعًا للاختبارات الفردية للمستخدم وللعملاء الاصطناعيين. وبالرغم من أن هذا الأفق أصبح أرضيةً طبيعيةً لتطوير التكنولوجيات والتطبيقات ذات الأهداف التجارية، مثل ألعاب المغامرات والخيال،٩٣ إلا أنه لا يجب استبعادُ فرصِ التجريب في الحقل الفني والمسرحي.

(٦) نحو الممثل الافتراضي

إن الاهتمام بالارتجال، على أساس أنه القدرة الرئيسية للشخصيات الاصطناعية، قاد مشروع المسرح الافتراضي تجاه نتائج مذهلة، ليس فقط من حيث تجديد ألعاب الفيديو، ولكن أيضًا في تمييز الأهداف الفردية مع الممارسة المسرحية.

في عام ١٩٩٧م، وضعَت المجموعة لوهلةٍ جانبًا الرسوم المتحركة في جرافيك الكمبيوتر لتعود مرةً أخرى لعملية الإنتاج النصي. وهكذا طوَّرَت برنامجًا تطبيقيًّا يُدعى القهوة الإلكترونية Cybercafe، بيئة افتراضية تمامًا، حتى وإن كانت تقوم على أساس نص، فيها يتحرك ممثلون افتراضيون قادرون على تقليد نماذجَ نفسيةٍ مختلفة، وأن يطوِّروا تنويعاتها على الحبكة المحدَّدة مسبقًا، وتنظيم بعض الإرشادات على أساس الموقف الممثل ثم الارتجال.

يعني الارتجال تنفيذ عملٍ جديد في زمنٍ واقعي، دون إعدادٍ تفصيليٍّ مسبق، باستخدام بعض المصادر المتاحة. عندما يتم الارتجال على أساس تعليماتٍ مزوَّدة من الخارج يحقق العمل بشكلٍ إبداعي تركيبًا محددًا مسبقًا […] ونحن نطوِّر نظريةً ومعالجةً تجريبية لتنفيذ شخصياتٍ حاسوبية يمكنها أن تقوم بارتجالٍ موجه […] المُخرج (الذي يمكن أن يكون إنسانًا أو حاسوبًا) يزوِّد الشخصيات بالإرشادات العامة، والشخصيات تعمل معًا على الارتجال، وتطوِّر مجموعة من السلوكيات بداخل قواعدَ أُمليَت عليها.٩٤

وكما أن عازف الجاز يجب أن يعرف الموضوع الذي سيرتجل على أساسه، وأن يكون قادرًا على التحكُّم في الأصوات التي تصدر من الآلة المستخدمة تبعًا لنماذجَ متناغمة، هكذا أيضًا يجب على الممثل الاصطناعي أن يعرف موضوع المشهد الذي سيقدِّمه، وأن يمتلك ويعرف أيضًا نموذج السلوك (أي النموذج النفسي الذي من خلاله سيدير الفعل). إذن من المهم أن يكون الحاسوب قادرًا على إعادة إنتاج الأجزاء البدائية للآلية التمثيلية، والتي وفقًا لها يمكن لممثلٍ أن يختار ويقلِّد الملامح المميزة للشخصية أو النمط الذي يمثِّله. يجب إذن على الحاسوب، من خلال برنامجٍ محدَّد، أن تكون له القدرة على أساس الإرشادات (من المؤلف، المخرج، المستخدم)، على بناء النموذج الاجتماعي/النفسي للشخصية، وأن يستخدم ذلك النموذج لتنفيذ الارتجال في الأداء.

لقد طوَّرنا مفهوم «الممثل الاصطناعي» القادر على ارتجال سلوكه في بيئةٍ تفاعلية. أولئك الممثلون يمكنهم أن يمثِّلوا شخصياتٍ ذاتَ ملامحَ مختلفة، وذاتَ مشاعرَ وسلوكياتٍ مختلفة. نعتقد أن المستخدمين يمكنهم نسيانُ أن هؤلاء الممثلين ليسوا واقعيين، بل تم اختراعهم، كما ينسى المتفرجون ذلك بالنسبة لشخصيات الأفلام، أو المسرحيات أو حتى الروايات. وكلما كانت ردود أفعال الممثلين وتصرُّفاتهم تحظى بمصداقية، تصرَّف المستخدمون وكأنهم موجودون في تفاعلٍ حقيقي بين آدميين.٩٥

جرَّب مشروع المسرح الافتراضي هؤلاء الممثلين، جاعلًا إياهم يمثِّلون الأداء نفسه، تبعًا لثلاثة نماذجَ اجتماعية/نفسية.

توفِّر القهوة الإلكترونية Cybercafé اثنَين من الممثلين المستقلين وشخصيةً تمثِّل المستخدم. أحد الممثلين يمثِّل دور الجرسون، أوتو Otto، والآخر العميل: Jim جيم. تسمح شخصية المستخدم له بأن يمثل دور عميلٍ آخر: جابي. يمكن للمستخدم أن يتحكَّم في استخدام الشخصية باختيار بعض الأزرار المناسبة للأفعال التي يمكن أن تؤدِّيَها جابي في إطارٍ معيَّن. الأفعال التي ينفِّذها كل ممثلٍ يمكن رؤيتُها من خلال نافذةٍ خاصة تقدِّم الوصفَ النصِّي للتفاعل.٩٦

يتم الحدث فقط من خلال خطوط النص، نص في غاية البساطة، وكأنه تدريبٌ في إحدى الورش الخاصة بالممثلين. تجلس جابي أمام المائدة، يقف أوتو خلف طاولة البار، يدخل جيم ويسأل جابي إذا كان يمكنه الجلوس على المائدة معها. وبعد أن يجلس ترغب جابي في معرفة ماذا يريد منها. يطلب جيم شيئًا ليشربه من الجرسون الذي يأتي، يتلقى الطلبات ثم يبتعد، يُوجد حوارٌ وجيز بين جيم وجابي حتى يعود أوتو بالشراب، ثم تسأل جابي جيم مرةً أخرى عن سبب مجيئه، وهكذا، ثم ينتهي المشهد.

يُسلَّم لكلٍّ من الممثلين نموذجٌ نفسي مبني على أساس ثلاثة متغيِّرات يميِّزها المشروع بالطريقة التالية: الملامح الرئيسية (مثل الذوق، الثقة بالنفس، البخل … إلخ)؛ ثم الانفعالات (مثل الغضب، أو السعادة، أو المشاعر الجسدية مثل التعب، الجوع أو العطش، يمكن أن تكون مستقلة أو مرتبطة بعاملٍ خارجيٍّ خاصٍّ بالشخص الآخر) والمتغير الثالث هو السلوك (استعدادٌ ثابت للعلاقات بين الشخصيات مثل درجة الاستظراف أو النفور). إذن سايبر كافيه هو برنامجٌ خاصٌّ قادر على إبداع، على أساس تلك المتغيِّرات الثلاثة، شخصياتٍ مختلفة، وجعلها تتفاعل في إطارٍ محدَّد. في التجربة التي انتهت عام ١٩٩٧م، تم إعادة المشهد نفسه ثلاثَ مراتٍ تبعًا لثلاث خططٍ مختلفة من السلوك:

  • (١) جابي عصبية، أوتو ودود، جيم سخيف.
  • (٢) جابي نشيطة، أوتو كسول، جيم واثقٌ من نفسه.
  • (٣) جابي مستفَزَّة وغاضبة من أوتو الذي بدوره غاضبٌ منها؛ جيم سلوكه اختياري لا يحتمل أوتو ولكنه منجذبٌ لجابي.

ها هما مثالان لحوارَين نتَجَا عن الحاسوب تبعًا لنموذجَين نفسيَّين:

جابي عصبية، أوتو ودود، جيم سخيف.جابي نشيطة، أوتو كسول، جيم واثق من نفسه.
أوتو (يطقطق لسانه).أوتو (ينتظر).
جيم يدخل بهدوء إلى البار ويقترب بجرأة من المائدة.جيم يدخل بسرعة إلى البار يلقي بنفسه على إحدى الموائد.
جيم (لجابي): أيتها الصبية، أريد الجلوس معك.جيم (لجابي): مدام، هل يمكنني أن أجلس في مائدتك؟
جابي (لجيم): لا … أوه، حسنًا، أعتقد أنه يمكنك.جابي: تفضل!
يجلس جيم بهدوء.يجلس جيم.
جابي (لجيم): إذن ماذا نفعل الآن؟جابي (لجيم): لا أريد أن أنتظر كثيرًا، قل لي: ماذا تريد؟
هل يمكنك أن تقول لي عما يجب أن أحدثك؟ أقصد: ماذا تريد؟ ينظر جيم بغضب إلى أوتو.يغمز جيم لأوتو.
جيم (لأوتو): جرسون!جيم (لأوتو): جرسون، نريد طلب شيء.
أوتو (يقترب من المائدة وهو يدندن بأغنيةٍ فرحة. يبتسم بأدبٍ إلى جابي ويسأل): هل يمكنني أن آخذ طلباتكما؟أوتو (بهدوء، يقترب ببطء من المائدة، ينظر لجابي بعينَين حمراوَين): ماذا حدث؟
جيم (لأوتو): أحضر لي بيرة واتركنا وحدنا!جيم (لأوتو): أحضر لي فنجانًا من القهوة.
جابي (لأوتو): لا أعرف! لتحضر لي بيرة أنا أيضًا.جابي (لأوتو): قهوة لي أنا أيضًا. أشعر بعطشٍ شديد.
أوتو: سأعود بالطلبات (يتجه نحو البار بابتسامة على وجهه).أوتو: لديَّ الكثير لأفعله، سأعود بعد قليل ويتأرجح إلى البار.
جابي (لجيم): أنا … أقصد … اسمي جابي.جابي (لجيم): اسمي جابي، وأتشوَّق لمعرفة اسمك.
جيم: اسمي جيم.جيم: اسمي جيم.
جابي (لجيم): سعدتُ بمعرفتك، أقصد …جابي (لجيم): تشرَّفتُ بمعرفتك.
أوتو (يصل إلى المائدة، مبتسمًا، يصنع كوبَي البيرة بهدوء على المائدة): في صحتكما، ووقتٌ سعيد.أوتو (متأرجحًا، يقترب من المائدة، يمسك بالكوبَين بكسل، ويضعهما على المائدة): لا تنادياني على الفور. أحتاج لبعض الراحة.
جابي (لأوتو): أوه! شكرًا.
أوتو: لا شكر على واجب (ويبتعد في اتجاه البار بخطوةٍ لطيفة).
جابي (لجيم) هل يمكنني أن … ماذا تعرف؟ أقصد، أريد أن أقول، هل يمكنني أن أعرف ماذا تريد؟جابي (لجيم) خطيبي على وشك الحضور، إذن أرجوك قل لي على الفور ماذا تريد؟
جيم (لجابي): شكرًا على الشراب أيتها الصغيرة! كان هذا ما أحتاجه.جيم (عاقدًا ذراعَيه)، حسنًا، أنا عميل في البوليس، وأريد أن أسألك بعض الأسئلة.

في كل مرة تقود الأحداث في القهوة الإلكترونية ملامحَ معيَّنة لسلوك الشخصية. يمكن أيضًا القول إن نظام المتغيِّرات الثلاثة، والمرتبط باستمرارٍ فيما بينها، مع تلك الخاصة بالشخصيات الأخرى والبيئة المحيطة، يمكن أن يتم إدارته إلى حد السماح بنوعٍ من عدم استمرار السلوك حتى بداخل الإطار المختار نفسه.

لا نريد أن تكون تصرُّفات ممثِّلينا متوقَّعة. إن ذلك السلوك المتوقَّع يمنع المستخدمين من تقدير التفاعل بين الممثِّلين، وخاصةً بعد أن يتفاعل معهم أكثر من مرة. إن الممثِّل يجب أن تكون له القدرة على التعديل الطفيف لسلوكه الخاص، في إطارٍ مماثل، دون انتهاك الخصائص المرتبطة بالشخصية التي يمثِّلها.٩٧

إذن ففي السايبر كافيه كان من الممكن إبداع، ليس فقط نماذجَ مختلفة من السلوك، ولكن أيضًا الوصول إلى جعل تلك الشخصيات تغيِّر من القيم القياسية بدرجةٍ معيَّنة من الاحتمالات. لم يعُد الأمر يتعلق بمجرد سلسلة من العبارات والسلوك مسبقًا، التي يختارها العميل إجابةً عن الأسئلة المختلفة للمستخدم. والعملية تتطلب تمييز الأدوات، سواء لتحديد خاصية الشخصية، أم لإدخالها في قصةٍ فيها يمكن للشخصية التصرف بتناسُق مع الطابع المختار لها. يشبه ذلك جزئيًّا آلية إبداع الشخصيات في ألعاب التشخيص مثل لعبة: الزنازين والتنانين Dungeons and Dragons. في تلك الحالة، عندما يتم الإلقاء بالزهر، يتم اختيار القيم المتنوِّعة المناسبة للمهارات المختلفة (الذكاء، الخفة، القوة … إلخ)؛ تكون النتيجة هي شخصية ذات خصائصَ محدَّدة.٩٨ بالطريقة نفسها، في حالة سايبر كافيه، فإن المشروع كان يهدف إلى بناء جهاز، والذي، بتحديده للمقاييس التي أوردناها وعلاقتها المتبادلة، يمكن نظريًّا «أن يتناغم» على أي نموذج اجتماعي-نفسي. بكلماتٍ أخرى لا بد من وجود أداة بواسطتها يمكن للمؤلف إبداع الشخصيات ليس عن طريق صياغة عباراتها، ولكن تحديد حالتها النفسية وسلوكها.

الأمر يتعلق بالتالي بطريقةٍ جديدة ومدهشة لأخذ دراما الشخصية في الاعتبار بمعنًى إجرائي تمامًا. هنا المؤلف لا يجد نفسه أمام ضرورة كتابة النصوص المختلفة الممكِنة (أو الأداء المتوقَّع في قصةٍ تفاعلية) بل فقط الدوافع التي بفضلها يُنفذ الأداء المطلوب ويُكون النص. لنتخيَّل إذن أنه في لحظةٍ ما في نسخةٍ إلكترونية لنصِّ تشيكوف، تبدأ الأخوات الثلاث في الصياح: «ذبابة! ذبابة»، ولكن سيفعلن ذلك ليس لأن المؤلِّف كتب العبارة لينطقنها في هذه اللحظة، بل لأن المؤلف قد حدَّد كيف أن تلك الشخصيات غير راضية عن حياتها في الريف، ودائمًا يشعرن بالإحباط.

هذا النوع من المعالجة يوجِّه الانتباه نحو تناسُق موقفٍ معيَّن، والذي فيه تُوجد الشخصية، مع الميل إلى تفسير المقاييس العامة للذكاء الاصطناعي. لا يركِّز فقط على ما تفعله هذه الشخصية في ذلك الموقف المحدَّد، ولكنه يميل إلى تمييز ما هي المعايير التي تُعرِّف خصائص الشخصية. بمجرد تحديد تلك المعايير، لا بد بالتالي من خلق تلك الأدوات لتحديد قيمتها وكأنها نوعٌ من المقابض أو مقاييس القدرة، ولكن كفاءة العملاء الاصطناعيين، أو ما سبق وعرَّفه ماتياس Mateas بالمصداقية، تُؤدي بالضرورة إلى النظر إلى الشخصية بصفة الوظيفة الدرامية؛ إذن نجاح إبداع الشخصية الافتراضية يعتمد على القدرة على وصف قواعد الموقف الدرامي.

إن تجريب الذكاء الاصطناعي بالنظريات الخاصة بالعملاء اتجه نحو هذا النوع من المحاكاة، وأعاد فتح الطريق أمام المحاولات لصياغة الأنشطة الدرامية. في هذه الحالات، فإن اللغة — ما يُطلَق عليه عبارات النص — تصبح نتيجةً (outcome) — لنستخدم مصطلحًا عزيزًا على الحاسوب لعمليةٍ معقَّدة تهدف إلى إدارة الأحداث والسلوك.

إذن فالإحالات إلى التقنيات الدرامية منغمسة بالفعل داخل تلك الدراسات. إن أكثر نظريات الدراما انتشارًا وقبولًا هي أشعار أرسطو، والتي تُوضَع في الاعتبار في الأدب عند تناول كتابة المشاهد والدراما للأفلام والوسائط الرقمية، بما في ذلك الوسائط غير الخطية والتفاعلية. تُوجَد بالفعل بعض الأبحاث التفصيلية، والتي كانت فيها أشعارُ أرسطو هي نقطة الانطلاق لاعتباراتٍ واسعة النطاق حول تركيب القصة.٩٩ هذه المعالجات ليست جديدة؛ استخدم بنتلي Bentley الأشعار مؤشرًا حول مناقشاته عن الدراما بينما لا يستطيع Egri أن يتجنَّب السؤال القديم حول الحبكة والشخصية.١٠٠ والشيء المثير للاهتمام أكثر هو كيف أن الأشعار أثبتَت فائدتَها في حقلٍ محدَّد خاص بالتفاعل بين الإنسان والحاسوب، وفي تصميم نظرياتٍ جديدة لرواية قصصٍ تفاعلية.١٠١ هذا النجاح العريض يعتمد أساسًا على واقع أن الأشعار تمنح تعريفًا واضحًا لعناصر التراجيديا الستة مرتَّبة ترتيبًا هيكليًّا لما يُطلق عليه الأسباب المنهجية؛ الحكاية أو الحبكة، والشخصيات، ومستوى اللغة، والفكرة، والعرض، واللحن أو الأغنية؛ الحكاية والشخصية والفكرة تنبع من موضوع المحاكاة الدرامية، والمعروض ينبع من السلوك، واللغة واللحن من الوسائل.١٠٢ هناك زعمٌ ما أن أرسطو هو أساس الخلفية الثقافية للتجربة الهامة المتعلقة «بالذكاء الاصطناعي التعبيري»، والتي تستخدم قواعد الدراما لتصميم موقفٍ دراميٍّ تفاعلي بواسطة شخصياتٍ اصطناعية. وفاصاد Façade تجربة قام بها مايكل ماتياس Michael Mateas وأندرو ستيرن Andrew Stern وهي تجربةٌ تهدف إلى السماح للمستخدم باختيار الارتجال مع شخصيتَين على الشاشة على أساس موقفٍ محدَّد.

فاصاد تجربةٌ فنية/بحثية، على أساس الذكاء الاصطناعي بالرواية الإلكترونية، محاولة للتحرك فيما وراء التفريع التقليدي أو الرواية المتشعبة الروابط، وذلك لإبداع دراما تفاعلية كاملة التحقُّق من فصل واحد. […]

أنت، اللاعب، تستخدم اسمك ونوعك، تلعب شخصية صديقٍ قديم لجريس وتريب، زوجَين ناجحَين ماديًّا، وفي بداية الثلاثينيات، أثناء أمسية في مسكنهما تتحول إلى شيءٍ قبيح، تجد نفسك متورطًا في الصراع المحتدم حول زواج جريس وتريب. لا أحد في أمانٍ حيث تتطاير الاتهامات، تبدأ التحيزات ويُجبر الحضور على اتخاذ قرارات. في نهاية المسرحية المكثَّفة ذات الفصل الواحد ستكون قد غيَّرت مسار حياة كلٍّ من جريس وتريب — وهو الأمر الذي سيدفعك لتلعب الدراما من جديد، لترى كيف أن تفاعُلَك في الحدث يمكن أن يجعل الأشياء والنتائج مختلفة في المرة القادمة.١٠٣

كتب ماتياس أن مشروعه يعتمد على نظرية دراما أرسطية جديدة، واقترح أن الخاصية التفاعلية ستعمل على تغيير العنصر الثاني (مثال: الشخصية تختلط مع اللاعب).١٠٤

وقبل التوغل أكثر في استخدام أرسطو، تُوجَد بعض المسائل يجب حلها أولًا، المسألة الأولى: الخطة التي اقترحَتْها لوريل، والتي طوَّرها ماتياس يمكن أن تقود إلى فوضى؛ لأن أدوار اللاعبين وأدوار الجمهور مختلطة فيما بينها. إن الطريقة التي يصف بها أرسطو العناصر الستة أكثر تعقيدًا بكثيرٍ عند النظر إليها نظرةً سريعة؛ إنها نتيجة أسبابٍ منهجية يمكن قراءتها بسهولة كعمليةٍ تأليفية. يحوِّل ماتياس الخطة إلى بيئةٍ تفاعلية، وذلك بإضافة اللاعب (بفعل المستخدم) إلى الشخصية (وبالتالي يتم إنتاج السلسلتَين الأخريَين من الأسباب الشكلية والمادية). وكان هذا الحل نتيجة افتراض أنه، فيما يُسمَّى بالدراما التفاعلية، يتفاعل اللاعب كشخصية؛ ولذلك فمكانه يجب أن يكون بجوار الشخصية في العناصر الستة. وهنا، يبدو أن ماتياس يتبع سوء فهمٍ واسع الانتشار في كتابة النص الأدبي باستخدام أرسطو.

يتساءل ماكي Mckee: حبكة أم شخصية، أيهما الأهم؟ إنه جدلٌ قديمٌ قِدم الفن […] في القرنِ التاسعَ عشرَ تمسَّك الكثيرون بأن البناء الدرامي هو جهازٌ مصمَّم لعرض الشخصية، وأن ما يريده القارئ هو شخصياتٌ ساحرة ومركَّبة. […] والموضوع متسع الأركان. لا نستطيع أن نسأل ما هو الأهم البناء الدرامي أم الشخصية؛ لأن البناء الدرامي هو الشخصية، والشخصية هي البناء الدرامي.١٠٥ بل ويكتب إجري Egry عن «خطأ أرسطو الأساسي، والشخصية كشيءٍ متفرِّع من الحدث»، ويختتم أن «الشخصية هي أهمُّ ظاهرة في أي مكان».١٠٦ وهنا نجد أن اسمَين معروفَين — في الكتابة الدرامية — قد أساءا فهم قواعد أرسطو عن الدراما؛ فكلنا نعرف أن فكرة الدراما الأساسية مرتبطة بقوة بالشخصية في الحدث، وسيكون في غاية الصعوبة تخيُّل مسرحية بلا شخصية (بالرغم من أن مسرح الطليعية حاول ذلك من خلال عرض Balla’s Feu d’artifice عام ١٩١٥م — والمسرح المعاصر أيضًا فعل ذلك — وذلك من خلال عرض M.#10 Marseille، والذي قدَّمَتْه فرقة رافايلُّو سانزيو عام ٢٠٠٥م). إذن فالقطع الواضح لتتالي العناصر الستة صعبٌ بالنسبة لكاتبٍ معاصر: وما الذي يمكن أن نكتب عنه غير الشخصیات؟

والمشكلة تبدأ بسبب نوعٍ من سوء الفهم لكلمة Character في الترجمة الإنجليزية؛ فالكُتاب الذين سبق وذكرتُهم يقرءونها على أساس dramatis persona الشخصية الدرامية، الشخص الذي يتم عرض ملامح شخصيته في رواية أو دراما … إلخ؟ أو كدورٍ «يلعبه الممثل». ولكن هذا يقودنا لأن نعتبر العنصر الذي دوَّنه أرسطو في قائمته، أكثر حداثةً من مجرد فكرة الشخص، دورًا يُلعب في الدراما أو في الحياة الحالية.١٠٧ «في الدراما «شخصية» ليست هي المادة الخام للمؤلف؛ إنها المُنتج؛ فهي تنبع من المسرحية؛ ليست موضوعةً بداخلها. لها عددٌ لا نهائي من الاستخدامات الفرعية، ولكنها كلها تخدم في قيادة المسرحية في مجملها.»١٠٨ هنا يستخدم المؤلِّف المصطلحات بطريقةٍ حديثة، ولكنه لا يخلطها مع أرسطو، بالإضافة لذلك فهو يضيف أن الدراما هي قائمةٌ من الأفعال (الحبكة) يقدِّمها عميل، ربما يُظهر ملامحَ مختلفة، وشخصيات، والتي هي المنتَج، والتي — من وجهة نظر الجمهور — هي صورةٌ لشخصٍ ما. لنرَ إذن الكلمات التي استخدمها أرسطو للعناصر الستة: Muthos: الحبكة، أي شيء ينتقل عن طريق الكلمة، كلمة، أو خطبة. êthê: شخصية، أو عادة، أو عُرف. lexis: خطبة، أو لغة، أو نموذج. dianoia: فكرة، أو غرَض، أو نية. opsis: عرض، أو نظرة، أو مظهر. meloponia: أغنية، أو كلمات أغنية أو موسيقى. الشيء الأول أنه يمكننا أن نرى أن العنصر الثاني الذي نتناقش حوله يرتبط أكثر بالخواص، والعادات الأخلاقية؛ وبالتالي فنحن أمام جزء مما نطلق عليه persona والتي يمكن أن نُعيد بناءها في ذهننا أثناء العرض. تمنحُنا إليزابيث بيلفيوره Elizabeth Belfiore تفسيرًا واضحًا لهذه المسألة: «لأن أرسطو يصنع حدًّا فاصلًا بين الحبكة والإيثوس. ويُصِر على أن الحبكة أساسية للتراجيديا بينما الأمر ليس كذلك بالنسبة للإيثوس Ethos؛١٠٩ حيث تختلف رؤيته لطبيعة التراجيديا جذريًّا عما يراه القُراء الحاليُّون والدارسون، والذين بالنسبة لهم تُوضَع الشخصية في مركز الاهتمام.»١١٠ ثم تسترسل في شرح أن تلك النقاط الخاصة بالشخصية غير مناسبة؛ حيث إنها تقود إلى التفكير في عملاء الدراما «كهُوياتٍ نفسيةٍ تشبه إلى حدٍّ كبير حياتَها الحقيقية»، والأمر ليس كذلك. تبعًا لما كتبَته بيلفيوره، فإن «إيثوس: تعني ما هو نوع الاختيار الذي يقوم به العميل في أداءٍ درامي […] قرار يعبِّر عن رغبةٍ في عمل شيءٍ هنا والآن، والأداء الذي أظهره الإصرار على الفعل المطلوب للوصول للنهاية.»١١١

يمكن استنتاج أن ما يمكننا أن نصفه بأنه شخصية بالمعنى الحديث، هو عبارة عن مجموعة اختياراتٍ يقوم بها العميل «إذا كانت الحبكة في مجملها مصنوعةً من مجموعة أحداثٍ فردية (أشياء قيلَت أو تمت)، فإن الإيثي êthê في مجملها، على المنوال نفسه، مصنوعةٌ من سلسلة من الإشارات لاختياراتٍ في المسار نفسه. كل هذه المسارات لها اختياراتها»؛ إنها خصائص الحدث وليست خصائص الشخص.١١٢

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading