مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
سينما ومسرح

التأليف الدرامي الإجرائي والشخصيات الاصطناعية والممثل الافتراضي – أنطونيو بيتزو-ترجمة أماني فوزي حبشي

Doctor Why did you ask about the underworld?

Patient What information do you have on the underworld?

Doctor I don’t know about the underworld but when you mentioned the underworld, I thought you must have some contact with it and that’s what I would like to know more about.

Patient I try to avoid the underworld.

Doctor Have you been actively trying to avoid the underworld?

Patient No one has any power over gangster. ٧٧

نظرًا لأن باري قد وُلد على يد طبيبٍ نفسي فهو يُظهِر بالتأكيد خطوةً متقدمة بالنسبة لإليزا. إن صرامة المحلِّل النفسي تبدو قد صارت أكثر مرونةً في صورة المريض الذي كان يقود الحوار متبعًا ليس فقط إحساسَه المرضي (البارانويا) بالجريمة، ولكن أيضًا مستويات مختلفة من الانفعالات. إن كل من تحدَّث مع باري غالبًا ما استطاعوا تمييز العبارات التي كان يبدو فيها «هادئًا» أو «عصبيًّا». كان باري روبوت الدردشة، في الواقع، قادرًا على أن يدرك نوايا المستخدم وتقييم المعطيات، والتي على أساسها كان ينوِّع إجاباته ويجيبُ عليها.٧٨

وبالعودة مرةً أخرى إلى موضوعنا، يهمُّنا أن نلاحظ، كيف أنه في الحالات القصوى، تبدو الآلية الدرامية ملمحًا أساسيًّا؛ فيما يتعلق بالأشياء الباقية مثل إمكانات التحول بين نماذج «الأنظمة الخبيرة»، أو الدراما النفسية والعلاج التحليلي، والتي يمكن أن تقودَها عملياتُ إبداعِ برامجَ تطبيقيةٍ جديدة للعملاء الاصطناعيين، كل هذا يبتعد في هذه اللحظة، عن موضوعنا المحدَّد.

تقنيات روبوت الدردشة Chatterbot

وعلى صعيد تلك الأمثلة، استطعنا رؤية الانتشار الواسع المدى للعملاء الاصطناعيين وبأهدافٍ مختلفة؛ أشكال مدهشة رقمية تعيش على شبكة الإنترنت لتسلي المبحر، لتشير له بالحلول، لتقوم عنه بالبحث، للتجادل بدلًا منه … إلخ. وفي نهاية الثمانينيات ومع تطور نظام MUD Multi User Dungeons،٧٩ نشهد انتشارًا لمجالات جديدة وبيئات، والتي فيها يمكن للعملاء الاصطناعيين أن يتفاعلوا مع البشر. ظهر روبوت الدردشة في هذه الفترة، وهو الروبوت المخصَّص للتصرف في مجالات المناقشة والتفاعل النصي (المبني على النص)، مثل الدردشة أو الموود، والقادر على إدارة حوارات من نوعياتٍ مختلفة. عمليًّا حتى هذا الروبوت يمكن اعتباره أيضًا نظامًا للتساؤل Query System، ويستشير قاعدة بياناتٍ مكوَّنة من صِيَغٍ وإجاباتٍ ليحوِّلها للإجابة المناسبة.

ومن بين أفضل الأمثلة من هذا النوع نذكُر جوليا Julia؛ روبوت الدردشة الذي تم إبداعه في جامعة كارنيجي ميلون Carnagie Mellon University بواسطة مايكل مولدين Michael Mauldin (والشهير بأنه هو الذي اخترع محرك البحث Lycos) ظهرَت جوليا للمرة الأولى عام ١٩٨٩م، في TinyMUD٨٠ بداخل التايني موود. كان يمكن للشخصية التحاور مع لاعبين آخرين، اكتشاف المجال واكتشاف مناطقَ جديدة، كان من الممكن أيضًا الإجابة على أسئلة حول الإبحار (عن الأماكن والأدوات) أو حول لاعبين آخرين. الفكرة التي انطلق منها مولدين كانت فكرة تحويل مساعدة للمستخدم (ذلك المفتاح البسيط للمساعدة) إلى شخصية. ولكن كانت النية الأكثر فاعلية هي الخاصة بعدم اتباع نظام الإخفاء، أو مجرد إضفاء واجهةٍ جديدة لوظيفة المساعدة مع واجهةٍ أكثر سهولةً للمستخدم. لنتذكَّر، على سبيل المثال، المساعدين المختلفين لبرنامج أوفيس Office والذين قدَّمَتْهم شركة مايكروسوفت. هنا نجد أن الأشكال الخيالية التي تظهر على سطح المكتب ترتبط بوظيفتها الخاصة بالمساعدة على الرغم من مصداقية شخصياتهم؛ إذ لا تُوجَد فروقٌ كثيرة بينهم وبين مفتاح «مساعدة» موجود دائمًا في أعلى الشاشة، وفي أغلب الأحوال، يميل المستخدم لأن يخفيها؛ لأنها تبتعد عن كونها رفيقًا لطيفًا للعمل، بل وتصبح أحد تلك المفاتيح الكثيرة التي تزدحم بها الشاشة وتُسهِم في إرباكنا.٨١

لكن كانت جوليا قادرة على احتواء الواجب الذي كان عليها أداؤه بداخل شخصيتها، بالطريقة نفسها لمضيفةٍ حقيقيةٍ تؤدي وظائفها المهينة دون أن تستبعد طريقتَها الشخصية في التصرف أو في الحديث … إلخ. والشيء الغريب أننا يمكن أن نقول إن جوليا تبقى في خيالنا ليس فقط لذكائها؛ إن مركز قوَّتها لا يكمن فقط في إمكانية تزويدنا بالمعلومات الصحيحة، بل بالأحرى في أن تُظهِر بطريقةٍ دراميةٍ سلوكًا مناسبًا.

بمجرد لقاءٍ عابر مع جوليا يمكن للمرء أن يستشفَّ طابعها:

Barry “Hello how are you”

Julia “Hello, Barry.”

Barry “Are you a virgin”

Julia “As far as you’re concerned, Barry, I always will be.” ٨٢

إحدى أفضل خصائص المضيفة الافتراضية هي الطريقة التي ترفض بها مَن يحاول التحرش بها ومعاكستها:

Space-Ace So why won’t you kiss me, Julia?

Julia Sorry, I’m not into geeks, Space-Ace.

Space-Ace Julia, I’m not a geek.

Julia Then lose the pocket protector, Space-Ace.

Space-Ace Julia, I don’t have a pocket protector.

Julia Congratulations.

Space-Ace So kiss me, Julia.

Julia I’d rather be overhauled by a Yugo mechanic, Space-Ace.

Space-Ace Julia, kiss me.

Julia Why, did you sheep leave you?

Space-Ace Julia, kiss me.

Julia Take a long walk through an unlinked exit, Space-Ace. ٨٣

إن الحوار مع جوليا يبدو مقنعًا نظرًا لأنه قاصر على مجالٍ محدَّد بقواعدَ محدَّدة. إن من يدخل إلى الموود يقبل حدوده وإمكاناته مثل من يدخل إلى السينما والمسرح. في حالة MUD يكون المستخدم على استعدادٍ مسبق للتصرُّف كالشخصية (وليس كذاته) وهو أيضًا مستعدٌّ للتعاون الدرامي. في هذا الإطار تبدو جوليا حقيقية ولها مصداقيةٌ كشخصية؛ حيث إنها تتفاعل مع الشخصيات الأخرى. إذا كانت عملية الإخراج التي تفرضها إليزا يمكنها أن تبدوَ نوعًا من برامج الكاميرا الخفية، والتي فيها يتفاوض الإنسان فقط جزئيًّا مع وجوده الخاص، نجد هنا أن روبوت الدردشة والإنسان يتشاركان في الصفات نفسها الخاصة بالمحاكاة.

وبهدف الحصول على علاقةٍ تفاعليةٍ مقنعة إذن وضع المؤلف في اعتباره أثناء الكتابة كلًّا من روبوت الدردشة والمستخدم، محددًا القواعد لكلٍّ منهما: لقد وضع بالفعل إطارًا للأداء، والذي فيه يمكن للمستخدم الاشتراك في طرق الاتصال مع الشخصية الاصطناعية.

لم تكن جوليا مُصمَّمة لخداع أي شخصٍ حول ما يتعلق بطبيعتها، بل لحث الفضول حول كيف يتصرف روبوت الدردشة، ما هي العبارات التي يمكنه اختراعها، ما هي حركته التالية … إلخ. (وذلك من خلال الوعي التام أننا أمام شخصيةٍ افتراضية). وما زلنا في حقل الأعراف؛ فهي الطريقة نفسها؛ حيث إننا لا نذهب إلى المسرح لنشاهد قصة نورا لإيبسن ونحن نفكِّر أنها تحدُث بالفعل أمام أعيننا، بل نذهب لنرى كيف تتصرَّف وتتفاعل فيما بينها تلك الشخصياتُ التي تتظاهر بأدوارها، وما هي القصة التي ستظهر أمام أعيننا. إن كفاءة الرواية، وفرادة الحدث، والدقة التقنية للتمثيل، واستدعاء الإطار المطلوب، هذه كلها، في البيئتَين الافتراضية والمسرحية، هي الأدواتُ المتنوِّعة التي يمكن أن تضمنَ نجاح العمل.

إن التنظيم بداخل هذا النوع من الأعمال الخيالية، ليس هو التجديد الوحيد الذي أضافه مولدين، ليصل إلى مصداقيةٍ أكثر للشخصية داخل المجال التقني، أيضًا يمكن تمييز بعض الخصائص التي تُساهِم في ذلك التأثير. إذا كانت إليزا تختار عشوائيًّا إحدى الإجابات الممكنة أمام معطًى محدَّد أدخله المستخدم، فجوليا قادرة، ليس فقط أن تكون لديها قائمةٌ من الإجابات الممكنة، ولكن أن تختار أنسبَهم حسب الموقف. في الواقع إن قدرات الحوار تنبع من نموذجٍ مبني ليس بطريقةٍ خطية، ولكن كشبكةٍ نشطة activation Network، وهكذا عندما يكتب المستخدم عبارةً على الحاسوب، تنشط الروابط التي تحتوي على النموذج المقابل؛ لذلك فإن الإجابة الناتجة ستكون المرتبطة بالرابط مع مستوى تنشيطٍ أعلى. في الوقت نفسه، نلاحظ، أنه ستزداد مستويات التنشيط لكل الروابط التي في القائمة الحاملة العلامة الإيجابية، وتنخفض تلك التي تحمل علامة السالب. ذلك البناء للروابط ذات الصلة يسمح بحوارٍ أقلَّ جمودًا. وإذا كانت هناك بعضُ الروابط ذاتَ مستوًى تنشيطيٍّ مرتفع إلى حدٍّ كبير، بسبب المرات العديدة التي نَشِط فيها خلال المحادثة، يُمكِن لجوليا أن تختارَ إجابةً من بين الإجابات الموجودة في تلك الروابط، حتى إذا قام المستخدم فجأة بتغيير الموضوع. لنلاحظ المثال التالي:

Judge Do you know anything about miniature schnauzers?

Julia I don’t know anything about miniature schnauzers,

Judge Well, I have one. We call him Pucci. He is a crazy cat – have you ever had a cat.

Julia What a coincidence! I have two cats.

Judge I prefer dogs myself. Cats are too independent and they always jump up on things. By the way, are you a hep cat.

Julia People don’t own cats…it’s the other way around.

Judge Some people have snakes for pets – do you think they can be of any value as a pet.

Julia I think cat people are very self-assured. Cats are very independent, but they can also be very loving. Dogs are just too subservient and quick to please for my taste.

Judge Okay… but how do you “pet” a snake.

Julia Wow, that’s unusual. I don’t know many snake owners. ٨٤

إن مستوى تنشيط الروابط المرتبط بكلمة «تعبان» زاد بسؤال المُحكِّم، ولكن حيث إن مستوى تنشيط الروابط المتعلقة بكلمة «قطة» كان ما زال مرتفعًا، تم اختيار الإجابة من الروابط الأخيرة. فقط عندما بدأ المحكِّم الاحتفاظ بالمناقشة فقط حول الثعابين استطاعت جوليا اختيار الرابط المرتبط والمناسب. بهذه الطريقة تُحاكي الشخصية نوعًا من الذاكرة للموضوعات، وتُظهِر إمكانيةً للقفز بسرعة من موضوعٍ لآخر. والذاكرة تبدو أحد المراكز الاستراتيجية لمصداقية جوليا.

شخصياتٌ أخرى من هذا النوع ظهرَت للنور في السنوات العشر الأخيرة. أليس Alice، على سبيل المثال، هي أحد برامج المصادر المفتوحة Open source التي تعتمد على شفرة AIML – Artificial Intelligence Mark-up Language والتي حدَّدها ريتشارد والاس تبعًا لمواصفات xml وهي قادرة على التعلم للتحاور في مختلف المواضيع. في هذه الحالة يكتب المؤلف شفرة AIML ويقوم مترجم (parser، وتُوجَد من البرنامج نسخٌ مختلفة) بإدارة الحوار مع المستخدم. أحد أكبر التجديدات في هذه اللغة (التي باختصار هي الأكثر انتشارًا في هذا المجال) تكمُن في توزيع التفاعل إلى وحداتٍ تُسمَّى (<category>) بداخلها يُوجَد المعطى الذي أدخله المستخدم (<pattern>) وإجابة روبوت الدردشة (<Template>). هذا التركيب، قبل كل شيء، مناسب لقاعدة الحدث الدرامي، والتي عادةً ما تعرف في ازدواجية الفعل – رد الفعل، بالإضافة إلى أن المعطى الداخل والمعطى الخارج ينتجان عن نصٍّ واحد، وهكذا يمكن لروبوت الدردشة أن يتفاعل أيضًا مع أنواعٍ أخرى من الأحداث (فتح إحدى صفحات الإنترنت مثلًا) والإجابة من خلال تصرفاتٍ أكثر تركيبًا من مجرد سطرٍ نصِّي واحد (حيث يشغِّل صورًا متحركة، ملفًّا صوتيًّا، أو أيًّا من أوامر الجافا javascript).٨٥

في كل واحدةٍ من تلك التجارب، وبهدف ضمان تفاعلٍ بسيطٍ وفعَّال، اضطُر المؤلِّف في كل مرة أن يخطِّط ويدرس ظرفًا يمكن تصديقه لتبرير حدود شخصياته. إن الصرامة المهنية لإليزا تسمح لها بألا تبتعد أبدًا عن التحليل؛ إن قلقَها من أن تصبح موضوعًا «زائدًا» من قِبل الزوار يبرِّر واقع أن المضيفة جوليا لا تريد أن تخرج بالحديث خارج مجاله الخاص. الأمر يتعلق بالمبرِّر الدرامي، والذي تذكُر له جانيت موراي Janet Murray المزيد من الأمثلة (Girlfriend: الخطيبة الغيورة والقلقة من أن يتركها خطيبها؛ Salesman: مندوب المبيعات الذي يجب أن يبيع بضاعته بأي شكل) وتُوضَع هذه الخاصية تحت اسم tunnel vision: وهو السلوك الخاص بإعادة الموضوعات، التمسك بمشكلةٍ معيَّنة، ولكنه استحواذٌ خاص يؤثِّر حتميًّا على الحوار. من الواضح أنها أداةٌ تساعد روبوت الدردشة عندما يجد نفسه وقد اضطُر لأن يكون له ردُّ فعل أمام تعبيرات المتحدث، والتي لا تحتوي على أي كلمةٍ من الكلمات الأساسية المُبرمَج لأجلها.

إن طريقة التفاعل يمكن أن تكون مركَّبة بطريقة أو بأخرى. بالنسبة للصديقة Girlfriend، على سبيل المثال، تستمر في عنادٍ على الخط نفسه، وكأنها لم تصدِّق كلمات المتحدث-الخطيب. وفي حالاتٍ أخرى يمكن اللجوء إلى سلسلةٍ من التعبيرات العامة، والتي يمكن أن تُوضَع في أي جزءٍ من الحديث. ومرةً أخرى نجد أنفسنا أمام أدواتٍ مجازية، والتي نذكُر الكثير منها في الممارسة المسرحية. يمكن أن تكون لها الوظيفة نفسها لقصائد الحب التي يتبادلها المحبون في الملهاة المرتجلة.

إن التعبيرات الثابتة default، تذكُر موراي Murray، كانت هي مركز القوة التي ركَّز عليها أحد الطلبة العاملين معها ليبني شخصية البائع Salesman. هذا النوع من العبارات المكرَّرة وُضعَ في الحوار تبعًا لتطورٍ درامي. تبدأ الشخصية المقايضة مع المتحدث مظهرًا تفاؤلًا كبيرًا، ولكن من خلال وضع بعض تعبيراتٍ ثابتة default متشائمة ومستسلمة يصل في النهاية إلى الإعلان عن إحباطه الإنساني والمهني. بهذه الطريقة لم يُعرِّف الكاتب فقط القواعد الضرورية لتعميق مصداقية الحوار تبعًا للتطور الدرامي في مشهدٍ تفاعلي، بل قام بوضع الخطوط الرئيسية لتطوُّر قصةٍ ما.

إحدى أدق النقاط في هذا النمط من الشخصيات الاصطناعية هو ثبات الموقف الذي يتصرفون فيه. بعد فترةٍ معينة، والتي تعتمد سواء على تركيب البيئة أم على إمكانات المستخدم، يصبح الحديث مكرَّرًا ومملًّا. حتى عندما يُوجَد فيه بعض التطور في مسار الأفعال، إلا أنه يبقى دائمًا على المستوى الخارجي والسطحي. كل هذه الشخصيات اشتركَت في الرغبة لأن تُظهِر إمكانات «بشرية» في استخدام اللغة، واستطاعت تطوير، بالتالي، فرع الذكاء الاصطناعي، المعروف باسم تطوُّر اللغة الطبيعية (NPL) Natural Language Processinvg .٨٦ هذا يعني، جوهريًّا، أنها تركِّز كل اهتمامها على سلوكٍ خارجي (التحدث كإنسان) البرنامج يسمح بالتحاور مع المستخدم من خلال استخدام سلسلةٍ من العبارات والصِّيَغ المجازية التي يضعها المؤلِّف، والتي إذا تم إدارتُها بكفاءة تنجح في أن تتظاهرَ بأن أساس ذلك يُوجد نموذجًا نفسيًّا لهذا السلوك.

ومجموعة الأمثلة التي ذكرناها حتى الآن ترسم حدود تجريبٍ واسع المدى، هدفُه هو إبداع إدارةٍ تقنية. يستطيع المؤلِّف أن يخترع شخصيةً ليس من خلال كتابة كل العبارات بالتتابع، ولكن من خلال إعطائها سلسلةً من القواعد والوسائل لتتفاعل مع المتحدث، عن طريق استخدام اللغة المحدَّد مسبقًا. بتخيُّل العملية نفسها في المسرح يصبح الأمر وكأننا قادرون على وصف القواعد التي ستُحرِّك شخصية هاملت. يمكننا إذن برمجة حاسوب بأن يتصرَّف كما كان سيتصرَّف هاملت؛ وبالتالي يتفاعل معه بعيدًا عن نص شيكسبير المحدَّد.

افتراضٌ مدهش، ولكنه يكشف عن قصور تلك المحاولات، هاملت يعيش في خيالنا (وعلى المسرح) ليس فقط لأنه يتجاوب، ولكن لأنه يفعل. كل الشخصيات التي وصفناها حتى الآن هي شخصياتٌ «تتجاوب مع أفعال المستخدم». تنقصها في الحقيقة إرادةٌ خاصة بها، هدفٌ محدَّد — بعيدًا عن ذلك الخاص بأن تدفعَ المحاور أن يتحدث لأطول فترةٍ ممكنة، وهو الأمر الذي يُثبِت أنه بغياب المعطَيات التي يُدخِلها المستخدم، فإن روبوت الدردشة، بصفةٍ عامة، يعود ليستخدم سلسلةً من العبارات المعدَّة مسبقًا ليُعيد بدء المحادثة.

تبعًا لمفهوم الدراما التفاعلية الحاضرة والذاتية، فإن الشخصية هي الموتور المطلَق للفعل. وفي الحركة الدرامية للقرن العشرين، في الحالات التي كان فيها المسرح في أزمة أو في تناقض، كانت الشخصية تحتفظ دائمًا على خشبة المسرح، ولو حتى في أدنى جزء لها، بخاصية «الفاعل». دونها، حتى وإن بدت متغرِّبة أو مرتبكة، لا يمكن للحدث أن يتم أو يتطور. من الواضح إذن أن روبوتًا للدردشة، تلك الشخصيات الاصطناعية، وُلدَت لأهدافٍ أخرى، وما زالت تجد صعوبةً في الاعتياد على ذلك الجانب من الدراما المسرحية؛ فهي تحاكي الوجود اللحظي للشخصية، ولكنها أظهرَت عدم القدرة على تقليد قدرتها على الفعل.

(٥) الآلة الممثِّلة

في فترة العشرين سنة الأخيرة، وبفضل تطوُّر أكثر أنظمة المعلوماتية تركيبًا ومعالجة مختلفة للمسألة، ضاعفَت الأبحاث حول الشخصيات الاصطناعية اتجاهاتها.

يبدو إجمالي الاقتراحات أكثر تركيبًا، وغالبًا تضمن أيضًا تطوُّر الذكاء الاصطناعي نفسه، وتسويق الواجهة السهلة الاستخدام، وتنفيذ النماذج النمطية الوظيفية والجهود النظرية في تطوير النماذج الحسابية.

وفي ذلك الأفق المتشعب من الاقتراحات اتجه بعضها إلى التخطيط لعالمٍ تسكُنه مجموعة من «العملاء الأذكياء». في هذه الحالات انتقل الانتباه من المحاكاة اللغوية الطبيعية إلى وصف الأفعال والسلوكيات. بصفةٍ عامة، كانت تلك الشخصيات قادرة على «الارتجال»، وإدارة أكثر من هدف في وقتٍ واحد، وإعادة توجيه الأولويات تبعًا لمتغيِّرات البيئة. أبدت الصناعة على الفور رغبتَها في استخدامهم بصفتهم رؤساءَ خدمٍ افتراضيين.

في هذه الحالة يتكوَّن الهدف من سلسلة من الوظائف المتصلة، والتي يجب أن تكون فيها القدرات الخاصة بالتفاوض والارتجال، ولكن لا تنقص، أيضًا في هذا المجال، المحاولات لوضع تلك الأبحاث في خدمة الأدوات التأليفية الجديدة؛ وبالتالي أدَّى ذلك إلى تغيرٍ طفيفٍ ولكن «جوهري» في إبداع الشخصيات الاصطناعية.

عند الانتهاء من التجريب حول النموذج المقترح للسبعينيات المتمثل في إليزا، تبدو الفترة الأخيرة إذن أقلَّ اهتمامًا من جهة إبداع شخصياتٍ محدَّدة يمُن بها التحفيز على حوارٍ ما، وتتجه هذه الفترة أكثر إلى الأدوات التي تسمح بتنفيذ عملاء مختلفين بنسخةٍ محسَّنة أكثر، ومتعدِّدي الوظائف. لم يعُد مؤلِّف البرنامج يكتب القواعد لشخصيةٍ مميزة ومحدودة، بل يكتب قوانين النظام التي تعرف، نظرًا للمقاييس، تفسير الأدوار المختلفة بالأساليب المختلفة، ومن الشخصية «الافتراضية» نصل إلى «الآلة المؤدِّية للدور».

بداخل هذا الأفق فإن الاتجاهات المتنوِّعة للتجريب تبدو وقد تميَّزت بمعالجة تكشف اختلافاتٍ واضحة. هنا يبدو أن هناك تقسيمًا لذلك النوع من الهدف الواضح للبحث، والذي من خلاله كان يمكن قراءة صلةٍ وثيقة بين روبوتات الدردشة المختلفين (الكثير منهم أيضًا كانوا يشتركون في التطلع للتأهُّل لجائزة لوبنر، وهي المسابقة التي تكافئ كلَّ عام أفضلَ محاكاةٍ لحوار يستخدم اللغة الطبيعية).

أصبح من الصعب وضع نتائج البحث في مقارنةٍ مباشرة. إن التطوُّر الموازي للواقع الافتراضي غالبًا ما وجَّه الدراسات حول أنظمةٍ أكثر تركيبًا؛ من الشخصية الفردية التي تتفاعل مع المحاور الواحد اتجهَت إلى مجالاتٍ مركَّبة بها أكثر من شخصية، يمكنها أن تتفاعل فيما بينها ومع البيئة المحيطة و/أو محاوِرين متنوِّعين. تؤثِّر الأبحاث حول العملاء الأذكياء حول تلك الخاصة بالعوالم التفاعلية.

من الطبيعي إذن أن هذا التغيير يدخل في أكثر من معالجة لعلوم الحاسوب لمجال «التسلية»، ويزداد تأثيره على الفنون والعروض.

ومن بين أهم الخبرات الأولى في هذا القطاع، والتي تُوضَع في المرتبات الأولى، هو مشروع أوز OZ لجامعة كارنيجي ميلون بقيادة جوزيف بايتس Joseph Bates.

يتعلق العديد من الأبحاث المعاصرة حول الواقع الافتراضي بمشكلات واجهة العرض، والتي تكتسب أهميتها من الرغبة في وصفٍ مقنعٍ لبيئة تحاكي الطبيعة. إلا أنه وبهدف أن يحقِّق الواقع الافتراضي وعود الشكل الفني المزدهر والشعبي، مثل الرواية والسينما والتليفزيون، أعتقد أنه من الضروري قيادة الأبحاث أبعدَ بكثيرٍ عن واجهة العرض، وصولًا إلى تلك المشكلات الخاصة بالمحتوى والأسلوب، والتي جعلَت الوسائط التقليدية الأخرى قوية كما هي الآن.٨٧

حتى عام ١٩٩١م، عهِدت فلسفةُ هذه الفرقة بدور مركزي واستراتيجي إلى نزعة التأليف، وكرَّرَت أكثر من مرة أن عملاءها الأذكياء ليس الهدف من تصميمهم هو العمل في العالم الواقعي (مثلما يمكن لروبوت أن يفعل)، ولكن لكي يعيشوا في عالمٍ تخيلي من الروايات الخيالية. لم يكن هدف الأبحاث هو جعل الحاسوب قادرًا على توليد شخصيات، ولكن القدرة على التزود بأداةٍ تأليفيةٍ جديدة قادرة على تحويل العالم الافتراضي إلى مسرح للعملاء الافتراضيين، وهدفهم تمثيل ورواية قصصٍ مختلفة. إذن كان من الضروري تقليل العوائق أمام القدرة الإبداعية للمؤلف إلى أدنى حد. كان لا بد من ضمان القدرة على التدخل في التفاصيل، كما يحدث في الوسائط الأخرى. كان لا بد من توفير سلسلة من الأدوات المناسبة لإبداع الشخصية بكل حرية بالتفاصيل المناسبة.

إن الرغبة في الحصول على الخاص بدلًا من العام مرتبطة بشدة بالرغبة في تفصيل الإبداع المباشر للشخصيات. في الوسائط التقليدية مثل التأليف والرسم أو الصور المتحركة، يكون للفنانين تحكُّم محدَّد في كل إبداعاتهم. انطلاقًا من فكرةٍ أو صورةٍ ما خيالية، يستخدم الفنان طريقة تحكُّمٍ معيَّنة لإبداع تمثيلٍ ما لتلك الصورة من خلال الوسيلة التي اختارها، بالطريقة نفسها تدعم أوز OZ المستوى نفسه من التحكُّم الفني لإبداع عملاء لهم مصداقية.٨٨

وتبعًا لما ذكرناه بالفعل بالنسبة لفكرة المصداقية، فإن الشخصية يمكن أن تعبِّر عن نفسها أيضًا بعباراتٍ قليلة وتنتج نتيجةً فعالة، إذا كان ذلك يتوافق مع البناء الدرامي الذي صمَّمه المؤلف. في هذه الأبحاث يصبح التناسق بين الخصائص النفسية للشخصية والعالم الذي سيتفاعل معه شيئًا أساسيًّا. لم تكن النتيجة هي مجرد نصٍّ حواري بين شخصَين، ولكن نوع من التخطيط الوصفي للأحداث.

وكان يُساهِم في هذا مكونٌ خاص للتركيب المعماري للنظام HAP.

وHAP، هاب، يُزود بآليات تساعد على كتابة مكوِّنات الشخصيات. إن سلوكًا ما هو مجموعة من الأنشطة؛ لذلك يمكن لسلوكياتٍ متشابهة أن تكون على مستوًى عالٍ (مثل: التسلية)، أو مستوًى منخفض (مثل: منح حركةٍ معيَّنة لجسم الشخصية عندما تفتح بابًا ما). إذا أردنا أن نبني جيمس بوند في HAP فلا بد وأن نُحدِّد الأهداف ذات المستوى المرتفع (الدوافع) التي تجعل من جيمس بوند ما هو عليه. ثم يمكننا أن نفكِّر في الأساليب المتعدِّدة (السلوكيات) التي يمكن لجيمس بوند أن يستخدمها لينفِّذ بنجاح تلك الأهداف. تلك السلوكيات المتعدِّدة، ربما يكون بداخلها أهدافٌ أخرى فرعية. كل سلوكٍ مُعطًى يناسب فقط ظروفًا معيَّنة (ماذا حدث في الفترة الأخيرة لبوند، بماذا يمُر، ماذا يحدث حاليًّا في العالم؟ … إلخ) هذه الشروط يتم توظيفها في كل تصرف. إن «إضفاء ملامح بوند» يمكن أن تنصهر في الشخصية على كل مستويات الوصف، كيف يفكر، كيف يسير، يمكن للفنان بواسطة ما لديه من قدرة تحكُّم أن يبدع شخصيةً مناسبة، ومتناسقة مع رؤيته الخاصة.٨٩

من الواضح أن ذلك الاقتراب من مشكلة تعريف الشخصية يفترض وجود نموذج للإنتاج أي تمييز بعض المتغيرات التي تؤسِّس بناء الشخصية، نظرًا لأن السلوك الإنساني يفرض الكثير من الصعوبات على عملٍ مشابهٍ لفك الشفرة والدلالات، اختارت المجموعة أن تنفِّذ نموذج شخصية، بالعمل على النماذج البدائية، مثل، على سبيل المثال، قطةٍ منزليةٍ افتراضية. وفيما يلي نستحضر تسجيل تفاعلٍ بسيط بين المستخدم (اللاعب) وبين القط (ليوتارد) والذي فيه يمكن التعرُّف على انفعالات سلوكياتٍ اجتماعية وشخصية. في البداية يشعُر ليوتارد بعدم الثقة ويخشى المستخدم، إلا أنه بعد ذلك؛ حيث إنه يشعُر بالجوع الشديد، يصبح أكثر سلاسة ويقبل الطعام من المستخدم.

اللاعب > لاحظ.

تنظر حولك.

أنت في المطبخ على الجانب الغربي ترى حجرة الطعام. في المطبخ تُوجَد ساعة ببندول، دولاب زجاجي، سلة مهملات بلاستيكية حمراء، صينية صفراء. تُوجَد كرةٌ حمراء، وفأر لعبة أبيض. على الرف يُوجَد صحنٌ صغير. طعام القط يُوجَد في عُلبةٍ حمراء في الدولاب الزجاجي أو عُلبةٍ زرقاء على البندول.

اللاعب > اذهب إلى صالة الطعام.

تتجه إلى صالة الطعام.

أنت الآن في صالة الطعام. على الجانب الجنوبي ترى التراس وعلى الجانب الشرقي ترى المطبخ. في الحجرة تُوجَد المائدة والمقاعد. على المائدة يُوجَد وعاءٌ وسلةٌ للخبز، فنجانٌ أسود وطبقٌ كبير. في السلة تُوجَد ثلاث قطع بسكوت. في الوعاء تُوجَد تسع سمكات سردين مدخَّنة.

اللاعب > خذ الوعاء.

تأخذ الوعاء.

اللاعب > اذهب إلى الجنوب.

تذهب إلى الجنوب.

أنت الآن في التراس. ترى الزجاج على الجانب الغربي وفي الخلف. على الجانب الشرقي ترى الباب الأزرق الذي يقود إلى غرفة الضيوف. في الشمال ترى حجرة الطعام. في الحجرة تُوجَد أريكة، رفٌّ طويل ومنصةٌ بيضاءُ مرتفعة، تُوجد بعضُ النباتات على المنصة، وتُوجَد كتب فوق الرف.

يدخل ليوتارد إلى التراس.

اللاعب > أعطِ سمكةَ سردين لليوتارد.

تقدِّم سمكة سردين مدخَّنة لليوتارد.

يجري ليوتارد ليدخل إلى حجرة الطعام.

اللاعب > اتبع ليوتارد.

تجري إلى حجرة الطعام.

ينظر ليوتارد حوله بعصبية.

اللاعب > ربِّت على ليوتارد.

تربِّت على ليوتارد.

ليوتارد يعَضُّك.

اللاعب > اضرِب ليوتارد.

تضرب ليوتارد.

ليوتارد يعترض على الضرب.

وتستمع إلى مُوائه.

يجري ليوتارد إلى التراس.

اللاعب > لاحظ.

تنظُر حولك.

أنت في صالة الطعام ترى التراس جنوبًا.

ليوتارد في التراس.

في الشرق ترى المطبخ. في الحجرة تُوجد المائدة والمقاعد. على المائدة تُوجَد سلة الخبز، الفنجان الأسود، والطبق الكبير. في السلة تُوجَد ثلاث قطع بسكوت.

ينظر ليوتارد حوله بعصبية.

اللاعب > كُلِ البسكوت.

تأكل البسكوت.

يدخل ليوتارد إلى حجرة الطعام.

اللاعب > انتظِر.

تنتظر.

يدخل ليوتارد إلى المطبخ.

اللاعب > اتبع ليوتارد.

تدخل إلى المطبخ.

ليوتارد في المطبخ.

تسمع مُواءَه.

اللاعب > لاحظ.

تنظر حولك.

أنت في المطبخ، على الجانب الغربي صالة الطعام. في المطبخ تُوجَد ساعة بالبندول، الدولاب الزجاجي، رفٌّ مصنوعٌ يدويًّا، سلة المهملات من البلاستيك الأحمر، صينية صفراء، وتُوجَد كرة حمراء وفأر لعبة أبيض وليوتارد. على الرف يُوجَد صحنٌ صغير. طعام القط يُوجَد في علبةٍ حمراء في الدولاب الزجاجي أو في علبةٍ زرقاء على الساعة.

تسمع مُواءً.

اللاعب > ضَعْ محتوى العلبة في الصينية.

تضع محتوى الإناء في الصينية الصفراء.

يأكل ليوتارد السردين المدخَّن.

اللاعب > انتظِر.

تنتظر.

يأكل ليوتارد السردين المدخَّن.

اللاعب > ربِّت على ليوتارد.

تربِّت على ليوتارد.

ليوتارد يأكل السردين المدخَّن.

اللاعب > كرِّر.

تربِّت مرةً أخرى على ليوتارد.

ينظر إليك ليوتارد بكسل.

اللاعب > النهاية.

نهاية دورة OZ.٩٠

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading