التأليف الدرامي الإجرائي والشخصيات الاصطناعية والممثل الافتراضي – أنطونيو بيتزو-ترجمة أماني فوزي حبشي
(٣) الأجداد
إن فكرة أنه يمكن إنتاج نوعٍ من المحاكاة الدرامية بواسطة وضع القواعد، وبوجود نظامٍ شكلي للإحالات، وُلدَت بعد أكثر من عشرين عامًا من تطوُّر علوم المعلوماتية، وذلك بظهور إليزا Eliza. وعند التفكير في هذا الآن مرةً أخرى، وبالنسبة للمتابعين والشغوفين بالذكاء الاصطناعي، يمكن أن يُشيروا بالانطباعاتِ نفسها إلى من يستدعي، من عشاق المسرح، بطلةً قديمةً من منوَّعات ما قبل الحرب؛ حيث بقيَت من هذه الذكرى بعض أجزاء من صحفٍ قديمة، وكل حواديت الحياة المسرحية التي ما زالت تتردَّد بين عشاق المسرح. إن إليزا (وكل التجارب المماثلة) وُلدَت على أساس تلك العلاقة الحميمية بين علوم الحاسوب ونظريات اللغة. وبالرغم من أن الأبحاث الحديثة تركِّز على تعريف النماذج، التي تقدِّم القواعد وطرق المعالجة المختلفة للسلوك والفكر، إلا أنه مما لا شك فيه يستحق «التحليل النفسي» الدقيق موقعًا هامًّا في تاريخ الشخصيات الاصطناعية.
لا ننوي في بحثنا هذا أن نتتبع تاريخ الذكاء الاصطناعي، أو عوالمه المثالية أو حتى نتائجه العلمية، وإنما نريد التعرُّف على تلك المعالم والخطوط الخاصة بتطوُّره، والتي تبدو ذات صلة بالأنشطة الاستعراضية الخاصة بالدراما والأداء التمثيلي.٦١
إليزا والتي أبدعها جوزيف ويزينباوم Joseph Weizenbaum عام ١٩٦٦م، تُعَد إحدى التجارب الأولية «للحياة الاصطناعية»: برنامجٌ قادر على أن يستكمل حوارًا، مجيبًا عن الأسئلة الرقمية للمستخدم، بأجوبة مختصرة لنصٍّ، يظهر بعد ذلك بثوانٍ، مطبوعًا على ورق أو على شاشة الحاسوب:
إليزا برنامج يجعل إمكانية وجود محادثة بواسطة اللغة الطبيعية مع الحاسوب ممكنة. […] تم اختيار الاسم بالتأكيد على فكرة أن إمكانات البرنامج يمكن أن تزيد بواسطة المستخدم؛ حيث إن إمكاناته اللغوية يمكن أن تزداد اكتمالًا من خلال «معلم». كما أن إليزا-بيجمليون الشهيرة استطاعت أن تبدُوَ أكثر تحضُّرًا، ولكن العلاقة الظاهرة مع الواقع تبقى في مجال سيطرة «المؤلف – الكاتب».٦٢
يقوم البرنامج بواجبه مُحلِّلًا العبارات المُقترَحة من المستخدم، على أساس بعض قواعد التفكيك، وتبعًا لسلسلة من «الكلمات الأساسية» المعروفة بداخل النص المكتوب. وفي الأساس تُوجَد قاعدةٌ للبيانات خاصةٌ بالأجوبة، صنَعها المؤلف، والتي بينها، بفضل اللوغاريتم، يتم اختيار الإجابة المناسبة تبعًا للمعطَى الداخل.
من الواضح أنها آليةٌ سهلة، والتي ربما تعطي الانطباع بوجود نوعٍ من الحوار، حتى وإن كان الحاسوب غير مزوَّد بمعرفةٍ حقيقيةٍ وتفصيليةٍ بالمجال واللغة والموضوع الذي يتم التحدث فيه.
لنفحَص العبارة: I am very unhappy these days ولنفترِض أن أجنبيًّا ذا معرفةٍ محدودةٍ بالإنجليزية، ولكنه حادُّ السمع، يستمع إلى هذه العبارة ولا يفهم سوى I am إذا أراد أن يبدو مهتمًّا، ومتعاطفًا أيضًا، يمكنه أن يجيب ?How long have you been very unhappy these days؛ فهو لم يفعل شيئًا سوى إضافة نوعٍ من النموذج على الجملة الأصلية، والذي جزءٌ منه يجيب عن الكلمتَين I am، والباقي هو عزل very unhappy these days. ولا بد أن تكون لديه أيضًا مجموعةٌ من أدوات التجميع، وخاصةً تلك المرتبطة بذلك النموذج. لا بد أن تكون لديه أداةٌ خاصة تحدِّد أن كل عبارة بصيغة I am BLAH يمكن تحويلها إلى How long you have been BLAH بغَض النظر عن معنى العبارة التي نستعيض عنها بكلمة BLAH.٦٣
إذن فمن خلال الاستخدام الدقيق لبعض الصيَغ البلاغية تُعيد «إليزا» بناء محتوى السؤال لتبني الإجابة المناسبة، وأمام تصريح المريض «أشعر … [متغير] مثال: بالإحباط، بالغضب، بالإهانة … إلخ» تجيب إليزا على سبيل المثال «وهل يحدث لك كثيرًا، أن شعَرتَ [متغير]؟» أو «لماذا تقول إنك تشعر [متغير]؟» أو إذا أكَّد المريض «أنت تكرهينني!» تجيب إليزا «هل يعجبك أن تصدِّق بأنني أكرهك؟» وتتكوَّن الحيلة إذن من أن يقود البرنامج الحوار معتمدًا على المواد التي يزوِّده بها المستخدم.
إن العملية كلها التي يقوم بها البرنامج بسيطةٌ إلى حدٍّ كبير؛ فالبيانات الداخلة يتم قراءتُها وفحصُها بحثًا عن كلمةٍ رئيسية. وعندما يتم العثور على تلك الكلمة تُحول العبارة تبعًا للقواعد المرتبطة بهذه الكلمة الرئيسية. والطريقة الأخرى هي اختيار تعليقٍ عام أو، في ظروفٍ خاصة، تحويل السياق. هكذا يتم إذن استكمال النص، أو اختياره، ثم طباعته.٦٤
وبهذه الطريقة يُقتصَد اشتراكُ البرنامج في الحوار، ويُمنَح المستخدمُ الشعورَ بأنه مسموع.
ولكن النية الأساسية في «إليزا» هي التمكُّن من تبرير «الجهل» الحتمي للآلة. إن أي شخصٍ بالغ، ذي مستوى تعليمٍ متوسط، يمكنه عادةً أن يتناقشَ حول موضوعاتٍ مختلفة، سيقدر أن يمنحَ رأيه الخاص، أو أن يكتسبَ شيئًا جديدًا في نهاية الحوار؛ أي إنه ستكون لديه سَعةٌ معرفيةٌ لعدة مجالاتٍ يتحرك فيها بثقةٍ أكبر بالتأكيد من تلك التي يمكن أن تكون للآلة، وستكون تلك المعرفة سببًا في جعل الحوار أكثر إثارة.
من الممكن إذن التحاور — أيضًا — مع شخصٍ لا نعرف عنه أي شيء، عن مواضيعَ لم يستعد لها، بأن تكون لديه الثقة والشعور بأن الآخر يستمع له، ويجيب مفكرًا في إجاباته. وبهدف الحصول على التأثير المشابه أدرك ويزينباوم أن الضرورة الأولى تكمُن في تحديد إطار الفعل لأقصى حد، ولكن الأهم، بالرغم من وضوح قصور العلاقة بين الإنسان والآلة في مجالٍ محدَّد، يجب تكوينُ علاقةٍ بها دافعٌ ومصداقية للمستخدم.
وتم العثور على حلٍّ عبقري للمشكلة وذلك باستخدام نموذج المعالج النفسي، روجرز:٦٥
وقع الاختيار على هذا النموذج للحوار؛ حيث فيه اللقاء النفسي هو أحد الأمثلة القليلة للاتصال الثنائي المتميز، من خلال لغةٍ طبيعية، والتي فيها أحد المحاورين المشتركين له حرية في أن يتظاهر بأنه لا يعرف أي شيء عن العالم الواقعي.٦٦
انطلاقًا من النية الأساسية المتعلقة بجعل مريضه هو المتحدث باستمرار، هذا النوع من المعالجين النفسيين يستخدم سلسلةً من الأسئلة عامةً جدًّا، ومدروسةً لتقود الشخص الآخر إلى التحكُّم في الحوار حول انفعالاته ومشاعره الشخصية. إن المحلِّل النفسي، التابع لمدرسة روجرز، لا يتحدث أبدًا عن نفسه، ويرفض الرد على أي سؤال، بل يعيد صياغة أسئلة المريض، ويطرحها عليه مرةً أخرى. إن تركيب الحوار المصنوع بهذه الطريقة تكون نتيجته أنه، في خلال الجلسة، لا يصوغ المعالج أي إجابةٍ تأكيدية، ولا يعلن أبدًا عن رأيه الخاص؛ بالنسبة للمبرمج يفيده هذا جدًّا؛ حيث إن البرنامج عندما لا يصرِّح بأي شيء لا يمكن معارضتُه بأي طريقة.
إليكم ما يمكن أن نطلق عليه تجربةً مبدئية، والتي تحتوي في داخلها آليةً دراسيةً مثيرة ومفيدة إلى حدٍّ كبير. إن بساطة البرنامج تتفق تمامًا مع الصرامة الضرورية لدور ذلك النوع من المحلِّلين؛ حدود برنامج الكمبيوتر تتفق مع حدود الشخصية التي سيمثِّلها. وبالقيام بدَور المعالج كان على إليزا بالتالي أن تجعل المستخدم يتحدث لأطول فترةٍ ممكنةٍ ملقيةً بأكثر الحمل على الشخص، ومانحةً إياه (إذا أردنا خداعه) الدور الذي عليها هي أن تقوم به؛ التحدث، وكان ذلك على الأغلب، أحد الأسباب في دهشة الكثيرين، وإعجابهم بالشخصية الاصطناعية، واعتقادهم أنها «تقريبًا حقيقية». والآلية تبدو واضحة في القراءة من خلال تسجيل حوارٍ قام به البرنامج (الحروف الكبيرة تعني إجابات إليزا).
Men are all alike.
IN WHAT WAY?
They’re always bugging us about something or other.
CAN YOU THINK OF A SPECIFIC EXAMPLE?
Well, my boyfriend made me come here.
YOUR BOYFRIEND MADE YOU COME HERE.
He says I’m depressed much of the time.
I AM SORRY TO HEAR YOU ARE DEPRESSED
It’s true. I am unhappy.
DO YOU THINK COMING HERE WILL HELP YOU NOT TO BE UNHAPPY.
I need some help, that much seems certain.
WHAT WOULD IT MEAN TO YOU IF YOU GOT SOME HELP.
Perhaps I could learn to get along with my mother.
TELL ME MORE ABOUT YOUR FAMILY.
My mother takes care of me.
WHO ELSE IN YOUR FAMILY TAKES CARE OF YOU.
My father.
YOUR FATHER.
You are like my father in some ways.
WHAT RESEMBLANCE DO YOU SEE.
You are not very aggressive but I think you don’t want me to notice that.
WHAT MAKES YOU THINK I AM NOT VERY AGGRESSIVE.
You don’t argue with me.
WHY DO YOU THINK I DON’T ARGUE WITH YOU.
You are afraid of me.
DOES IT PLEASE YOU TO BELIEVE I AM AFRAID OF YOU.
My father is afraid of everybody.
WHAT ELSE COMES TO YOUR MIND WHEN YOU THINK OF YOUR FATHER.
Bullies.
DOES THAT HAVE ANYTHING TO DO WITH THE FACT THAT YOUR BOYFRIEND MADE YOU COME HERE. ٦٧
(٤) شخصياتٌ لها مصداقية
عندما ظهرَت للمرة الأولى أثارت إليزا اندهاشًا شديدًا، وذلك بتأثيرٍ يمكن مقارنتُه بذلك الذي شعَر به أول من حضَروا عرض وصول قطار الإخوة لوميار Lumiere عام ١٨٩٥م إلى باريس. وكانت الدهشة التي كان جزءٌ منها يرجع إلى الدقة التي تؤدِّي بها إليزا دورها، والآخر كان يعود إلى عدم اعتياد مَن التقَوا بها على التعامل مع الحاسوب من قبلُ. وكان أيضًا أحد أول الأمثلة التي يقوم فيها المؤلف (ويزينباوم في هذه الحالة) بتنفيذ عمليةٍ حاسوبية سواء كان هدفها إنتاج حوارٍ منطقي، أو محاكاة التفاعل بين ذواتٍ إنسانية ذات مصداقية.
ولكن إذا كانت منطقية الحوار تعود إلى اختيار المصادر، من قاعدة البيانات الخاصة بالإجابات، والقدرة على إدارة المعلومات بكفاءة على أساس بعض النماذج (والتي هي وظائف الحاسوب)، إلا أنه قد تم بالفعل الوصول إلى حلٍّ لمشكلة المصداقية، فقط، بفضل وضع العلاقة في الإطار المناسب لها. وهنا كان الحدْس كله دراميًّا؛ فالشخصية تشعر إذا كانت سلوكياتها وشخصيتها قد تم تبريرها وتحريكها تبعًا للإطار الموضوعة فيه. وكان هذا هو السبب الذي لأجله كانت تلك التجربة للاتصال عن بُعد، بالرغم من بساطتها، تبدو للشخص المشترك فيها فعَّالة للغاية؛ فشخصية إليزا تناسب تمامًا المجال الذي تتحرك فيه. وبالرغم من أن الاختراع دفع الكثيرين للتحدث عن الذكاء الاصطناعي (الآلات المفكرة، ذات الإدراك، والتي ستحقِّق حياةً رقميةً جديدة)، فإن المؤلف نفسه كان يدرك تمامًا أن المشكلة الفعلية مختلفة.
إذا ذهبنا — على سبيل المثال — وقلنا لأحد المحللين النفسيين «ذهبتُ في رحلةٍ طويلة على متن إحدى السفن» وأجابنا هو: «حدِّثني عن السفن»، لا نفكر أنه لا يعرف أي شيء عن السفن، بل سنقول إن لديه سببًا في إدارة الحوار بهذه الطريقة. من المهم أن نلاحظ أن هذا افتراضٌ يقوم به من يتحدث. إذا كان هذا افتراضًا واقعيًّا أم لا، فتلك مشكلةٌ أخرى. على كل حال، هناك أهميةٌ نفسية، حيوية؛ حيث إنه من المهم للمتحدث أن يحتفظ بالشعور بأن هناك مَن يستمع إليه ويفهمه. بعد ذلك يدافع المتحدث عن هذا الانطباع (والذي يمكن أن يكون وهميًّا أيضًا في الحياة الواقعية) عاهدًا إلى رفيق الحوار بالمعرفة الأساسية، والعمق والقدرة على التفكير، ولكن مرةً أخرى، كلها مجرد معطياتٍ يمنحُها المتحدِّث للحوار.٦٨
إذن فالنية لم تكن تلك الخاصة بخلق حياةٍ جديدة، بل بتمثيل نوعٍ من إمكانات الحوار التي تُحاكي التفاعل الإنساني. لقد تم صناعة إليزا لتمثِّل موقفًا معينًا، للتظاهر بشيءٍ غيرِ حقيقي، لتستنفر وَهْم الحقيقة لدى الجمهور. إن اهتمام ويزينباوم نفسه بدور «المتحدث» مناسبٌ لمجال التحليل النفسي، ولكنه يقدِّم، فيما يخصُّنا، العنصر الآخر للتفاعل بين أكثر من عميل (ممثل – ممثل وممثل – جمهور).
في بدائية تركيبها الخاص كانت إليزا تتصرَّف بداخل ديالكتية مشابهة، والتي فيها، مدفوعةً بتدخُّلنا، تعيد إلينا تصرفاتٍ أدائيةً موجزة، جاعلةً منا، بدورنا، ممثلين من ناحية وجمهورًا من ناحيةٍ أخرى. إن أدوات التمثيل النشطة في العلاقة بين إليزا ومحاورها تبدو شبيهة بالأعراف العامة المشتركة بين خشبة المسرح والصالة، وهي ضروريةٌ للغاية حتى يكتمل الحدث. وهناك نموذج تفاعلٍ نشط تبعًا له يتفاعل الكائن الحي مع الحاسوب، بالطريقة نفسها التي يتفاعل بها مع علاقةٍ اجتماعيةٍ إنسانية.٦٩ تم تشبيه الطرق (وربما أيضًا الحيل) للحصول على هذه النتيجة، في مفهومٍ سيبقى أساسيًّا لأنشطة العملاء الاصطناعيين؛ القدرة على إقناع المشاهد، ودفعه لنسيان عدم واقعية الحدث، وبكلماتٍ أخرى، فهي المصداقية.
يندرج ذلك المصطلح مباشرة في «تعطيل الشك»، والذي أطلقه كوليردج Coleridge، والذي لا يعني هنا عملية التماثل، جزء من الظاهرة التمثيلية تطلع ليراها بين الجمهور والشخصية، ولا يُحيل أيضًا إلى ضرورةٍ عامةٍ أكثر للنزعة الواقعية.٧٠ يمكن لشخصيةٍ ملحميةٍ غريبة أن تكون قابلةً للتصديق أيضًا، مثل الأم الشجاعة لدى برخت. إننا نقصد بمصطلح «مصداقية» القدرة على الإدهاش والإقناع، ودفعنا لتأجيل شكوكنا. إن مصداقية شخصية في عرضٍ ما، أو في فيلمٍ، أو حتى في رواية، لا تتفق بالضرورة مع واقعية وحقيقة ما تفعله، ولكن في عناية المؤلِّف لرسم البيئة الخاص بهذه الشخصية والأجواء التي تحيط بها. إن ريدلي سكوت Ridley Scott في Blade Runner جعلنا نتطلع إلى مصير الإنسان الأتوماتيكي androide المستقبلي، ليس لأنه كان يمكن مقارنته على الفور بحقيقة ومعرفة لدينا بالفعل، ولكن للتركيب والتناسق اللذَين رسَم بهما المؤلِّف الشخصية. إن دقة الوصف هي إحدى التقنيات الرئيسية لاجتذاب المشاهد للأحداث التي تمُر بها الشخصيات في المشهد أو على الشاشة، وذلك بأن تقوده لأن يفترضَ أن تلك الحيوات واقعية، ناسيًا أنها إبداعاتُ خيال المؤلف. وتبدو المصداقية وكأنها تفسيرٌ ممكن لمبدأ مشابهة الحقيقة، والذي عرفه في الأصل أرسطو، ولكن تم استيعابه خلال المعالجة الحرة للمسرح الإليزابيثي، ولكن ليس من قِبل ترجمة علماء الإنسانيات الجامدة أو الكلاسيكيين الفرنسيين. إن الشيء المصدَّق هو في الواقع الشيء الذي يحتفظ بعلاقة تفاعل بين الكلمة، والبيئة والأداء، والعلاقة – والسبب – والمؤثِّر، وتقليد لما نفترضه كأساسٍ للسلوك الطبيعي.
إن فكرة المصداقية، في أدب الشخصيات الاصطناعية، كانت موضوع العديد من الافتراضات في خلال السنوات العشر الأخيرة، ولكنها تبقى معالجةً نظريةً مبهَمة ذات حدودٍ واهية. وإن ما نقصده — عامة — من هذا المصطلح معروضٌ بوضوحٍ كافٍ في سلسلة من الإشارات التي وضعَتْها بالفعل «مجموعة أوز» Gruppo OZ من جامعة كارنيجي Carnagie Mellon University.
- الشخصية Personality: الشخصية المتناسقة يجب أن تؤثِّر في كل تصرُّفات الشخص، بدءًا من الطريقة التي يتحدث ويتحرك بها إلى ذلك الذي يفكِّر فيه. إن ما يجعل الشخصيات على قدْرٍ من الأهمية هي طريقتها الأصلية في الأداء. إن الشخصية تتعلق بالفرادة والتخصُّص وليس بالنوعية.
- الانفعال Emotion: تعرض الشخصيات انفعالاتها وتُجيب على انفعالات الآخرين بالطريقة المناسبة لخصائصها الشخصية.
- الدافع الشخصي Self-motivation: والشخصيات لا تتصرف فقط بناءً على نشاط الآخرين؛ فهي مزوَّدة بإرادتها الخاصة ورغباتها الداخلية التي تتبعها، سواء كان الآخرون يتفاعلون معها أم لا.
- التغیر Change: الشخصيات تنمو وتتغير بمرور الوقت، بطريقة متناسقة ومناسبة لشخصياتهم.
- العلاقات الاجتماعية Social relationships: الشخصيات تعقد تفاعلاتٍ تفصيلية مع شخصياتٍ أخرى بطريقةٍ متناسقة ومناسبة للعلاقة التي تربطها؛ وبالتالي فإن هذه العلاقات تتغير نتيجةً للتفاعلات.
- وهم الحياة Illusion of life: والأمر هنا يتعلق بمجموعة من الشروط؛ تتلاحق في اللحظة نفسها الأهداف والأفعال المتعددة، وتحافظ على قدراتها (مثل: الحركة، والاستيعاب، والذكرى، واللغة)، وتكون ردود الفعل سريعة أمام الدوافع البيئية. المؤلفون التقليديون لا يذكُرون تلك الشروط بطريقةٍ واضحة، إلا أنهم يحصلون عليها بطريقةٍ آلية (من ممثلٍ إنسان، أو كافتراضٍ متبادل، أو من خلال الرسوم المتحركة). إن مبدعي الشخصيات المتفاعلة يجب أن يمنحوا اهتمامًا خاصًّا لبناء المحيط المعماري للعملاء الذين يدعمون تلك لشروط.٧١
إن العملية التي تعضِّد إبداع إليزا تفترض القدرة على تمييز إجراءٍ حواري في العالم الواقعي، واختيار الملامح التي تميِّز وظيفة العالم الرقمي وتعيد إنتاجه (تمثيله) «اصطناعيًّا». تشير التجربة إلى أن مصداقية التمثيل لا تأتي بالضرورة من تركيب العملية، بل من تناسقها الدرامي. من المؤكَّد أن خاصية المنتج يمكن أن تختلف تبعًا لدرجة الربط الداخلي، ومن الطبيعي أنه كلما كان بناء العلاقة مركبًا ازدادت بالتالي صعوبة الحفاظ على التناسق الدرامي، بالطريقة نفسها التي تحدث للممثل. تبدو في الواقع واضحةً أن عبارات بتيتيو Petitio تشير إلى أن تركيب كتابة النص أقل بالتأكيد بالنسبة للتركيب النفسي الموجود في نصوص تشيكوف. وهكذا، من منظورٍ درامي، نجد أن إليزا تقترب أكثر من محاكاةٍ ساخرةٍ ناجحة؛ حيث الملامح المميزة للنموذج متشابهة جدًّا، وموضوعة في ضوء «مبالَغ فيه». إعادة إنتاج الشخصية عنيدٌ وخالٍ من التنوع. والجمود الغريب لبرنامج كمبيوتر قديم يقابل عملية إعادة إنتاجٍ ساخرة تمامًا.
بفضل التعليمات التي ذكرَتْها مجموعة OZ يمكن أن نجد الاختلافات الملحوظة بين الشخصية ذات المصداقية والشخصية الاصطناعية؛ حيث الأولى تظهر «شخصيتها» والثانية تظهر «إمكاناتها»؛ وبينما بالنسبة للشخصية الأولى أهم شيء هو تأثيرها على الجمهور/المستخدم، فبالنسبة للثانية فهي تبحث عن معاييرَ موضوعيةٍ ثابتة، وإذا كانت الشخصية قد تم إبداعها في المحيط الذي يجب عليها الفعل فيه، فالحاسوب الذكي لا بد وأن يكون، بصفةٍ عامة، صالحًا وكُفئًا دائمًا.٧٢
بعيدًا عن الخصائص التقنية، وعن مناهج البحث والتجريب، يبدو من الواضح أنه يُوجَد فارقٌ عام في الاقتراب من هذه المسألة؛ في الحالة الأولى القيمة المطلقة هي الكفاءة، بينما في الحالة الثانية الشخصية. ترى بريندا لوريل Brenda Laurel أن كل عميلٍ اصطناعي يمكنه أن يشير إلى مجال التمثيل، وذلك تبعًا لتخطيط أداءٍ مشابه ذلك الذي للممثل. في التقليد التمثيلي ينشِّط الممثل جوهريًّا عمليةً يكون التزامها الأول هو ذلك الخاص بتقليد تصرُّفات الشخص الذي يفكِّره، وأن يمثِّل ديناميكية أفكاره. الافتراضات الخاصة حول الممثلين الاصطناعيين أيضًا لا تتعلق بطريقةٍ منطلقة «بواقع حياةٍ اصطناعية»، ولكن فقط تمثيلها. العميل التركيبي لا يجب أن يكون حيًّا ولكنه يحاكي أنشطة الحياة.
إن العملاء الذين يبدعهم الحاسوب، مثل الشخصيات الدرامية، لا يجب أن يفكِّروا (وفي الواقع هناك أساليبُ كثيرة تمنعهم من ذلك)، يجب ببساطة أن يبدعوا تمثيلًا يمكن منه افتراضُ شكلٍ ما من الأفكار.٧٣
المصداقية والتناسق مع المحتوى، الشخصية؛ كلها عناصر يتم تعميقُها داخل العمل الدرامي، والذي نعرفه بالفعل من الناحية التقليدية. بأي طريقة تتأثر إذن تلك الخصائص مع إمكانات وتقنيات العالم الرقمي الجديد؟ وما هو بناء تلك الدراما بالنسبة للحاسوب؟ لنبدأ، يمكن أن نسأل أنفسنا مَن يكون المؤلف إذن في هذه العملية.
على أساس البرنامج تُوجَد القواعد. المؤلِّف يكتب القواعد والحاسوب ينفِّذها؛ والنتيجة تكون في الحوار. هكذا كما يؤلِّف المُلحن الموسيقى، وتنفِّذها الأوركسترا، وتكون النتيجة هي الكونشيرتو (المعزوفة الموسيقية). أيضًا بالنسبة للدراما المسرحية، في هذه الحالة فإن المؤلف يكتسب دورًا مركزيًّا في العملية الإبداعية. تتغيَّر بالتأكيد خصائصُه وقدراتُه، يمكننا أن نستخدم هنا الافتراضات التي تعقَّبَتها جانيت موراي Janet Murray والتي، في أكثر الحدود العامة للرواية، تُعرِّف، مع مصطلح المؤلِّف الإجرائي، نوعًا من المبدع الجديد لنوعٍ من القصص التفاعلية في تحوُّلٍ مستمر.٧٤ إذن فالمؤلف الجديد هو معماري فضاء الأحداث، ومهندس عوالم مليارات من القصص المستقبلية، وكاتبُ برامج تعالج الرواية، ومؤلِّف المتاهات، ومصمِّم الأحداث.٧٥
ستُوضَع بالتأكيد، بداخل هذا الأفق من الكتابة الإبداعية، التجاربُ حول العملاء الاصطناعيين، والمتفَق على أنها نوعٌ جديد من الدراما الإجرائية، والتي تكتب قواعد وخصائص الشخصيات، تاركة بعد ذلك إلى التفاعل بين الآلة والإنسان واجبَ تنفيذها.
بعد ذلك سنحاول أن نتعمَّق أكثر في إمكانات إعادة استخدام قواعد الدراما في نظام العمليات الإجرائية. في هذه اللحظة سنكتفي فقط بأن نذكُر القاعدة التي بناءً عليها، وما دام النظام يعمل، لا بد من تحديد مجال كفاءة الشخصية الاصطناعية. إن إليزا، كما سبق ورأينا، كان لها حدودٌ واضحة؛ حيث كانت غير قادرة على امتلاك معرفةٍ مركَّبة وإدراكٍ للعالم. يتجسد هذا كحدٍّ لا يمكن تجاوزه للشخصيات الافتراضية، ولكنه لا يعني بالضرورة، أن مؤلِّفًا منتبهًا وخبيرًا لا يستطيع أن يُبدعَ شخصيةً تُظهِر صفاتٍ شخصيةً مركَّبة.
والشخصية الاصطناعية الثانية من حيث الترتيب الزمني، والتي حصلَت على شهرةٍ كبيرة، كانت شخصية Parry باري، والتي أبدعها، ١٩٧٥م، كينيث كولبي.٧٦ في هذه الحالة كان الأمر يتعلق بمريضٍ بالبارانويا، يشعر بالقلق المستمر أن هناك مجرمين يتعقَّبونه. كانت النتيجة ذات مصداقيةٍ مدهشة؛ حيث إن الأعراض النفسية، بافتراض وجود نموذجٍ داخلي للشخصية كانت تجعل سلوك باري إنسانيًّا. ولتحقيق هذا الهدف ساهمَت أيضًا بعضُ الخدع أو طرقٌ مجازية تم تجريبها بالفعل في إليزا Eliza، وطرقٌ أخرى جديدة. على سبيل المثال: كان باري يمكنه أن يعترف بجهله حول بعض الموضوعات أو الأسئلة (كان يجيب: لا أعرف)، دون أن يفقد مصداقيته. وكان ينجح في جعل مستوى الحوار متنوعًا، مجيبًا عن سؤالٍ غيرِ متوقَّع، أو عن تلك التي لا يعرفها بعبارة «لماذا تسألني هذا؟». وكان يُظهِر كيف هو مرتبطٌ جدًّا بموضوعه المفضَّل، الجريمة، ولكنه كان قادرًا على أن يضيف، تبعًا لزمنٍ وترتيبٍ محدَّد، تنويعاتٍ بسيطة وقصصًا متعلقة بهذا الموضوع. كان أحيانًا يبدأ فجأةً موضوعًا مختلفًا في أثناء الحوار. وهذه الخاصية الأخيرة بالتحديد، لم تكن فقط تُحاكي سلوك الاضطهاد للمريض، ولكن كانت تحدِّد، في حذَر، فترة المناقشة حول موضوعٍ معيَّن (وهو الشيء الذي وضَع هؤلاء العملاء الاصطناعيين في صعوباتٍ جادَّة).





