مدرسة المشاغبين: عمل كوميدي عابر للزمن

محمد باهي

على الرغم من التحولات التي عرفها الذوق الفني، حافظت المسرحية على حضور واسع وانتشار ملحوظ لدى مختلف الأجيال. جاء العمل المسرحي مواكبا لظواهر وتقليعات موضوية عديدة، من بينها ظاهرة «الهيبيزم».
ورغم تعاقب الأجيال وتوالي عقود من الزمن، وتجاوزا للتحولات التي عرفها المسار الكوميدي في ظل التغيرات التي عرفتها المجتمعات العربية، وفي سياق التطورات السوسيولوجية والسوسيواقتصادية للشعوب، وبالنظر إلى كون الكوميديا انعكاسا لتمظهرات وتجليات ظواهر مجتمعية ينبغي تصريفها في أعمال كوميدية تستمد مقوماتها من فن المسرح، فإن العمل الكوميدي «مدرسة المشاغبين»، المقتبس عن الفيلم الإنكليزي «إلى المعلم مع الحب»، الذي عُرض في 20 أكتوبر/تشرين الأول 1971، وشاركت في بطولته فرقة من الفنانين المتحدين المصريين، وضمت كلا من: عادل إمام، سعيد صالح، أحمد زكي، سهير البابلي، يونس شلبي، هادي الجيار، حسن مصطفى وعبد الله فرغلي، يعد أحد أهم هذه النماذج، وهو من تأليف علي سالم وإخراج جلال الشرقاوي.
انتشار الشغب داخل الفصول الدراسية
يلخص النص المسرحي أنماطا سلوكية لمجموعة من الطلبة المشاغبين في إحدى المدارس الثانوية، حيث أفضت ردود الأفعال تلك إلى وجود مشاكل عدة لمدرسي المدرسة، جراء التنامي المفرط لأساليب الاستهتار والسخرية التي تحولت بمرور الأيام إلى انفلات أخلاقي لم يعد يطاق من قبل الأساتذة، الأمر الذي دفع ناظر المؤسسة إلى البحث عن مدرس جديد عساه يضع حدا لهذه الفوضى العارمة، التي تعم فصول الدراسة، وعقب ذلك أرسلت إدارة المؤسسة مدرسة جديدة تحاول أن تتبنى استراتيجية مغايرة، ومنهجية عمل مختلفة عن سابقاتها، وذلك أملا في استمالة هذه الثلة من الطلبة المشاغبين، وخلق أجواء من تشويق المواد الدراسية، فضلا عن الرغبة في تجسير العلاقات بين الطلبة والأستاذة، ومحاولة الارتقاء بمنهجية التواصل إلى مراتب تجعلها قابلة لتبادل الاحترام والقبول بالرأي والرأي الآخر.
الظهور اللافت لظاهرة «الهيبيزم»

برزت مسرحية «مدرسة المشاغبين» في ظرفية جد حساسة في أواسط أجيال عقد سبعينيات القرن الماضي، حيث بدت ظاهرة «الهيبيزم» بكل تمظهراتها في الأوساط الغربية، وكانت تظهر على شاكلة سراويل الجينز الواسعة من الأسفل، والشعر الطويل الكث، وتنامت وتيرتها بشكل لافت لتصل عدواها في زمن قياسي إلى الدول العربية، حيث جعلت المسرحية الاعتداء على المدرسين، والتحرش بالمعلمات، والتمرد على نظم المدرسة، مدعاة للفخر والتباهي والشجاعة لدى التلاميذ، وهي أفكار وسلوكيات، اعتبرت في رأي المتتبعين وخبراء التربية والتعليم غريبة وحاطة بكرامة المدرس، وقدسية المؤسسة التعليمية بشكل خاص، في الوقت الذي كانت فيه مكانة المدرس تحاط بهالة من الاحترام والتوقير، باعتباره يمتلك فكرا تنويريا، ويساهم في صقل المواهب والكشف عن الكفاءات والقدرات، ويقود أجيال المتمدرسين نحو آفاق مستقبلية واعدة.
مجموعات غنائية تخرج عن المألوف لتجسيد تعبيرات فرضتها الظرفية
وبالرجوع إلى الظرفية التاريخية التي برزت فيها مسرحية «مدرسة المشاغبين»، يتبدى للمتتبعين الدور اللافت الذي خلفته «الجدار» الأغنية الشهيرة لمجموعة «البينك فلويد»، وهي أوبرا روك تستكشف الهجران ودوامات العنف والعزلة، وتجسد الأغنية في شقها الأيديولوجي دور المعلم الذي يمثل الحكومة، والتلاميذ هم الشعب، ودواعي عدم السماح للشعب أن يفعل ما يحلو له، بل ينبغي السيطرة عليه وإحباط تطلعاته، وجاء في مطلع الأغنية: لا نريد تربية، لا نريد مراقبة، لبنة أخرى في الجدار، وقد ظهرت هذه الموجة من الأغاني التي كانت تعكس بروز أنماط جديدة لسلوكات الشباب منتصف سبعينيات القرن الماضي، بالتوازي مع ظهور مسرحية «مدرسة المشاغبين»، التي شكلت واحدة من أبرز فنون الكوميديا الساخرة في مصر، التي كان لها ألقها وعنفوانها الفني على جميع المستويات في تلك الفترة.
التلاقح الثقافي وبروز التقليعات الموضوية
ويبدو للمتتبع أن تداعيات ما كان يصطلح عليه آنذاك بالتلاقح والتمازج الثقافي بين الشعوب، كانت حاضرة بقوة، وأن مآلاتها انعكست على أنماط سلوكيات التلاميذ داخل المؤسسات التعليمية، بالنظر إلى كون هذه الأخيرة كانت تشكل مشتلا حقيقيا للتقليعات الموضوية الجديدة، لتنتقل عقب ذلك إلى باقي طبقات الشعوب، وفي هذا السياق برزت ظواهر مجتمعية دخيلة على الفئات الشبابية، فتجسد ذلك من خلال أشكال التمرد والسخرية وإثارة الشغب في المدارس، وعلى هذا الأساس كانت الأعمال المسرحية آنذاك كنصوص وثيمات تعكس سلوكيات ذات طابع اندفاعي للتلاميذ، فجاءت مسرحية «مدرسة المشاغبين» من خلال عرضها الساخر ومجموعة الفنانين، الذين تألقوا في أداء الأدوار التي أنيطت بهم بطريقة احترافية.
وعلى المنوال نفسه ظهرت في الظرفية الزمنية ذاتها مجموعة البيجيز BEEGEES البريطانية، موازاة مع ظاهرة «الهيبيزم»، وهي مجموعة غنائية أصدرت آنذاك ألبومات غنائية موغلة في السخرية من الأوضاع المجتمعية وسلطات الحكم، وكان من أبرز أغانيها، التي اكتسحت الساحة الفنية وتغنت بها جماهير واسعة على مدى عقد سبعينيات القرن الماضي، «حمى ليلة السبت» SATURDAY NIGYT FEEVER ، إلى جانب ذلك شاركت المجموعة الغنائية بمعية بطلها جون ترافولتا في عدة أفلام سينمائية مواكبة لظاهرة «الهيبيزم».
الظاهرة الغيوانية انطلاقة فنية مواكبة للتحولات الإبداعية
وعلى صعيد الوطن العربي، كانت أولى بوادر الظواهر الفنية التي تزامنت مع انطلاقة أشكال وأنماط إبداعية موازية للأعمال الفنية، التي واكبت العمل المسرحي «مدرسة المشاغبين «، الذي ما زالت أصداؤه تتردد في أوساط الجماهير والمتلقين والباحثين والنقاد، الظاهرة الغيوانية في المغرب المتمثلة في ظهور مجموعة ناس الغيوان الغنائية، التي جاءت بمنهج جديد وفلسفة فنية تعكس وتتغنى بهموم وقضايا المجتمع، بأساليب ساخرة وكلمات تمتلك حمولة فنية فيها الكثير من الحكم والعبر بليغة الدلالات، وأعقبها ظهور مجموعات غنائية مماثلة من قبيل، لمشاهب، جيل جيلالة، إزنزارن، تاكادة وغيرها.
وبهذه الكرونولوجيا الفنية والإبداعية تتبدى لدى مجايلي تلك الحقبة نوستالجيا عارمة، تعيد إلى الأذهان مختلف التعبيرات الفنية التي واكبت ظاهرة «الهيبيزم» بمختلف تمظهراتها وتجلياتها، والتي بالنظر إلى كونها لحظة فارقة ومفصلية في تاريخ الإبداع وتحولاته، وجعله في خدمة هموم وقضايا الشعوب، وتجسيده على شكل أعمال مسرحية وغنائية ذات حمولات تمتلك الكثير من السخرية لمواجهة الحيف والظلم، ولجوء الفئات الشبابية إلى هذا الصنف من الأعمال قصد التنفيس والتعويض عن واقع أضحى لا يطاق.
وتبقى مسرحية «مدرسة المشاغبين» رغم مرور أزيد من أربعة عقود محافظة على انتشارها الواسع لدى مختلف الأجيال، وذاكرة تاريخية توثق أعمال نخبة من عباقرة فن الكوميديا الساخرة، التي تم توظيفها في مرحلة كانت تتسم بضرورة تكسير الأساليب النمطية، ومواكبة ظواهر إبداعية وفنية اكتسحت العالم برمته، لتوثق منطق التلاقح الفني وتعبيراته، رغم محدودية وسائل التواصل آنذاك، تحت طائلة مقولة مفادها: الفن لا تنطلي عليه منظومة الحدود الجغرافية.

كاتب مغربي





