مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
قرأت لك

كتاب المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه “أكبر سجن في العالم” وأهم أفكاره:وفاء حميد

غلاف كتاب بعنوان "أكبر سجن على الأرض" للمؤلف إيلان بابيه، يظهر يد ممسكة بقضبان حديدية مع شعار الجائزة الأدبية.

يرى إيلان بابيه أن احتلال عام 1967 جاء استجابة عملية لمتطلبات الأيديولوجية الصهيونية الإسرائيلية، بهدف السيطرة على أقصى مساحة ممكنة من فلسطين وفرض وجود أغلبية يهودية فيها كما يشرح من خلال وثائق أن حرب الاحتلال صيغت قبل عام 1967 بعشر سنوات، وهي استمرار للتطهير العرقي الذي بدأ عام 1948، وليست احتلالاً عابراً.

ويرى أن المناطق التي احتلتها إسرائيل أديرت بصفة “بيروقراطية الشر”، وشملت قوانين وجداراً وحواجز واعتقالات وترحيلاً ومستوطنات، بهدف إخضاع الشعب الفلسطيني. وكان قطاع غزة التجسيد الأكثر تطرفاً لمخطط “السجن الكبير”.

يطول الكتاب في شرح نقاط أساسية عن أبرز السياسيين الذين شاركوا وخططوا ونفذوا بطريقة استراتيجية وبدعم خارجي، عبر الصمت عما يرتكب من اقتلاع وهدم، ولكننا سنمر على بعضهم لنأخذ نبذة عن الجانب الإسرائيلي في كيفية دخوله فلسطين واحتلاله لها.

لقد طرد الكثير من الفلسطينيين من الضفة الغربية والقطاع، حتى أن الحكومة الأردنية اضطرت لبناء مخيمات جديدة للاجئين لاستيعاب تدفق الفلسطينيين المطرودين  فالفلسطينيون الذين تم احتواؤهم وعزلهم داخل مناطقهم الخاصة دون إحصاء عددهم الديموغرافي، والمطوقون داخل المنطقة كما في “الغيتو”، لا يملكون حرية التنقل والنمو والتوسع، ولا يتمتعون بحقوق سياسية واجتماعية، بل يعاملون كالحيوان في حظيرة مغلقة.

استحدث “غلين بومان” مصطلحاً لهذه الاستراتيجية ألا وهو “التكييس”، ومعناه حفظ الشيء داخل الكيس، وفي هذه الحالة، جرى تطويق الفلسطيني داخل أراض تزعم إسرائيل سيادتها المطلقة عليها.

بقيت الحدود الشرقية لإسرائيل (1966-1967) والسورية الإسرائيلية، ومحاولة تحويل مياه الأردن وروافده إلى شبكات مائية، استدعت مزيداً من العمليات الانتقامية والهجمات الإسرائيلية.

كانت عمليات التطهير العرقي وفق التخطيط المزعوم (1967-1968) عملية عسكرية بامتياز، تولاها رئيس القيادة المركزية رحبعام زئيفي الذي حل مكان عوزي ناركيس في صيف 1968 وهو عسكري مخضرم منذ عام 1948، عرف بلقب “غاندي” بسبب لون بشرته، لكن سياسته كانت لا سلمية، بل فلسفته كانت على شتى الصعد النقيض التام لفلسفة المهاتما غاندي،

أسس زئيفي الحزب الأول في إسرائيل الذي دعا علناً إلى نقل الشعب الفلسطيني إلى الأردن وخلال الانتفاضة الثانية، اغتيل من قبل الجبهة الشعبية في فندق “حياة” بالقدس، المبني على أرض ساهم هو في مصادرتها عام 1967لم يكتف زئيفي بضم مساحة 5 كيلومترات مربعة من القدس الشرقية، بل ضم أيضاً 65 كيلومتراً مربعاً من الأرياف والقرى المحيطة، ومعظمها لم يكن مرتبطاً ببلدية القدس، وبين ليلة وضحاها، أصبحت هذه المناطق جزءاً من “عاصمة إسرائيل الأبدية غير القابلة للتقسيم”، المقاومة لم تهدأ منذ وطئت قدم إسرائيل أرض فلسطين، فاستخدم الفلسطينيون الأدوات البسيطة في المقاومة حتى الحجر اتخذوه سلاحاً للدفاع عن وطنهم، وبداية من حركة “فتح”، صعدت وتيرة نضالها بعد عام 1968، وبدأت بشن هجمات دفاعية على أهداف مدنية عدة في إسرائيل،  فبدأت إسرائيل بتوسيع عملياتها فيما يسمى “مكافحة الإرهاب”.

بعد سنوات، اعترف موشيه ديان في مقابلة مع صحيفة “نيويورك تايمز” بأن سياسة إسرائيل كانت استفزازية لتهدئة المستوطنين اليهود قرب الحدود السورية، ولاحتلال المستوطنين مرتفعات الجولان منذ عام 1948كما صرح ديان قائلاً: “إن المستوطنين لم يحاولوا حتى إخفاء طمعهم بالأراضي”، بلغت الاشتباكات بين القوات الجوية السورية والإسرائيلية ذروتها مع إسقاط ست طائرات سورية في السابع من إبريل 1967.

ويرى إيلان بابيه أنها حرب تطهير عرقي بدأت منذ عام 1948، وأن هذا الاحتلال شكل حجر أساس لإسرائيل، ويصفه بأنه خطأ تاريخي يجب أن يصحح، وهو احتلال باقي فلسطين عام 1967، فلم يبق سوى 20% من الأراضي الفلسطينية.

كان الصهاينة يتدربون ويورثون طريقة وأسلوب اقتلاع الفلسطينيين من جيل إلى جيل، ومن جنرال إلى جنرال، ومن مستوطن إلى آخر. فكان اختصاص يوسف فايتس الذي اضطلع بدور كبير في تطهير فلسطين عام 1948، ثم تسليم هذا الدور إلى ابنه رعنان وايتس، الذي لم يقل نشاطاً عن أبيه في تحقيق حلم تحويل المناطق الفلسطينية إلى مناطق يهودية بالكامل.

كما أن رؤية ألون وبراغماتية أشكول رئيس الوزراء في وضع قانون مستقبلي للأراضي المحتلة لم تنجح، بعد وفاة أشكول، خلفته غولدا مائير التي أظهرت التزاماً بمواصلة سياسة الاستيطان على غرار سلفها، وكانت سياسية يهودية أمريكية تمرست في الحقل السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية، وتولت منصب وزيرة العمل ثم وزيرة الخارجية في إسرائيل، بالنسبة لغولدا مائير، لم يكن خيار السلام مطروحاً، كان حزب العمل يعرف باسم “الماباي”، فدعي “معراخ”، وكان اتحاداً بين “الماباي” ومجموعة “رافي” البرلمانية التي ترأسها ديفيد بن غوريون، وحزب “همفودا” (بمعنى الأحزاب الموحدة). وكان الدعم لقدوم المستوطنين الأوائل من قبل حكومة العمل التي بقيت في السلطة حتى 1977.

بعد اتفاقية أوسلو، بدأت إسرائيل تبتلع الأراضي الفلسطينية، فقد ترجمت إلى حقيقة جيوسياسية بموجب “أوسلو 2” أو “طابا”، وتضمنت تقسيم جميع المناطق الفلسطينية إلى كانتونات صغيرة. كانت خريطة سلام عام 1955 تظهر سلسلة من المناطق الفلسطينية المقطعة تشبه -بحسب عدد من المعلقين- قطعة سويسرية.

وقبل انعقاد القمة في صيف عام 2000، أدرك ناشطون وأكاديميون وسياسيون فلسطينيون أن العملية التي أيدوها لم تشمل انسحاباً عسكرياً فعلياً من الأراضي المحتلة، ولم تتعهد بإنشاء دولة حقيقية، سقط القناع عن “التمثيلية الثانية” التي شارك فيها القائد الفلسطيني في مفاوضات التسوية النهائية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك وبيل كلينتون.

طالب باراك بدولة منزوعة السلاح تكون عاصمتها قرية تسمى “أبوديس”، ولا تشمل أجزاء من الضفة الغربية مثل “غور الأردن” أو التكتل الاستيطاني، وليس لها مستقبل سياسي أو اقتصادي ولا خارجية مستقلة، بل تتمتع بحكم ذاتي يقتصر على جباية الضرائب والبنى التحتية والبلديات وبعض الجوانب المحلية، يعني العيش تحت الإكراه دون هوية أو حقوق إنسانية، احتلال يفرض نفسه بقوانين اتفاقيات دولية، هي نفسها التي ترفض أساليب الاحتلال في الأراضي الفلسطينية وتمنع التوسع الاستيطاني، لقد كان القضاة في فلسطين كلهم ضباطاً من الجيش، دون أن يملكوا خلفية قانونية، أربعة ملايين فلسطيني لا يزالون محتجزين بين جدران السجن.

هذا الكتاب لا يحاول تجييش الإسرائيليين، لكن هناك من يوافق على هذا السجن وآخرين يقفون موقف الحياد، الاحتلال ينظر إليه كتدبير مؤقت لاحتلال أرض بالنزاع المسلح، لكنه هنا ليس مؤقتاً، بل يتشبث بالأراضي المحتلة ويعتبر أطول احتلال حتى عام 1986، وما زال الاحتلال مستمراً.

بدأت القيادة الصهيونية منذ عام 1937 أول مقاربة لفكرة التطهير العرقي في فلسطين، وكان هذا القرار التاريخي نتيجة محتملة للزخم الأيديولوجي الصهيوني الداعي لجعل فلسطين موطناً لليهود، ومن هنا بدأت الصهيونية في إعادة تعريف اليهودية على أنها قومية على أرض فلسطين.

كان تركيز إسرائيل على استخدام نخبة أكاديمية لتنفيذ سياسات الاحتلال والقتل المهني في الضفة الغربية وغزة، فهو مشروع أكاديمي مدروس تتعلمه النخب في الجامعات لتأخذ دوراً قيادياً في مناصب الدولة لتنفيذ هذه السياسات، مثل الجغرافيا والتخطيط الميداني لإقامة المستوطنات والجدار العنصري، وتبرير هدم المنازل والاعتقال الإداري والإعدامات، وفي مجال علم النفس تطوير تقنيات الاستجواب والإذلال والتاريخ لتزوير الرواية الفلسطينية وتبرير التطهير العرقي، والإعلام تدريب ضباط التضليل.

تحدث بداية الكتاب عن كيفية تكريس دراستهم وعلمهم من أجل التخطيط للاحتلال وبناء هيكلية تكنولوجية لتهجير وتعذيب الفلسطيني، كان التدريب على حرب أكتوبر 1967، وبرزت شخصية بذلت جهوداً هدامة مدروسة، وهو إيغال آلون، أحد أبطال حرب 1948 وأحد مشجعي التطهير العرقي بحق الفلسطيني. رسم في سيرته الذاتية “سيف من الرملة”، وكان حدها سقوط المملكة الهاشمية،  ففي حال حصل ذلك -بحسب أقواله- يترتب على إسرائيل احتلال الضفة وربما أجزاء من القسم الشرقي لنهر الأردن وأوضح إيغال حاجة إسرائيل إلى التصرف بما يتجاوز تحالفاتها السابقة مع الأردن (الملك عبد الله أو مع حفيده الملك حسين) لانهيار المملكة.

كان خط إسرائيل أن الإدارة الأمريكية (ليندون بي. جونسون) أثبتت أنها أخلص حليف تمنت إسرائيل أن تحصل عليه يوماً، وزودت إسرائيل بمساعدات بقيمة 52 مليون دولار، فضلاً عن طائرات “سكاي هوك” ودبابات “باتون” وأحدث الأسلحة الأكثر فتكاً، والتي أدت دوراً محورياً في حرب 1967.

النتيجة تحويل غزة والضفة الغربية إلى سجن مفتوح يديره خريجو هذه الجامعات، صدمة القتل والقمع تدرسان ككفاءة مهنية في أرض المقدسات الأكاديمية. وهنا نشاهد كيف يدرس العدو لتأهيل نخبة لتنفيذ مهامها بإتقان، وكأننا نرى عصابات إجرامية تدرس بطريقة أكاديمية لتبرير توحشها فيما سترتكبه وتنفذه على أرض الواقع، تدرس نظم أي جريمة منظمة وليست عشوائية، تجمع بين القانون والجغرافيا والنفس والإعلام والتاريخ، لاحتلال هو مشروع أكاديمي متكامل، درس نخبة من الضباط والقضاة وباحثين ومخططين في أرقى الجامعات. فأي عصابات إجرامية تدرس في قاعات تدريسية؟

فقد شيد في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي أهم مراكز المجتمع الإسرائيلي، وانتهت أعمال البناء قبيل حرب 1967، وتتكون من ثلاثة مبان تعتبر عصب إسرائيل، وترتفع تلك المباني بأشكال مكعبة، وتضم الكنيست والمحكمة العليا وبنك إسرائيل. وكان المقر الفعلي لرئيس الوزراء -ولا يزال- في الطابق الثالث في المبنى الأقرب إلى مباني الجامعة فوق قمة “غفعات رام”.

في اجتماعاتهم حول الطاولة، وجد كل تيار وجهته الأيديولوجية مكاناً له، وقف الاشتراكيون من حزب العمال الموحد “هابوعيل هامزراحي” إلى جانب مناحيم بيغن، المؤيد للصهيونية التصحيحية وانضم إليهم أعضاء من الأحزاب الأكثر علمانية وليبرالية، وكذلك من الأحزاب الدينية الأقل تطرفاً. ولم يحدث أن تولت مثل هذه الشراكة التوافقية قيادة إسرائيل واتخاذ القرارات الحاسمة، كان حكم إسرائيل في هذه الفترة قومياً مترابطاً، يحدد أهدافه بدقة بإجماع عام.

كان صراع البقاء بالنسبة للدولة اليهودية تقليص عدد الفلسطينيين والتحكم بمعظم الأراضي الفلسطينية، أما “الواقعية السياسية” بالمفهوم الصهيوني فكان معناها التكيف مع عدم القدرة على تحقيق هذين الهدفين بالكامل، والتكفير عن ذنب الأوروبيين لما ارتكبوه باليهود، بذنب أعظم هو صناعة الهولوكوست في بلد آخر.

إذا كان اعتراف الأمم المتحدة عام 1948 أن احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية هو جزء من أراضيها، فكيف لإسرائيل أن تردع عن التوسع في باقي الأراضي؟

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading