عندما يتحول الفن إلى ساحة اختبار للحرية: إشكالية (حمدية)- سمية زكي البطاط

لو أردنا مثالاً واقعياً على تعقيد العلاقة بين الحرية واحترام المقدسات، فلن نحتاج إلى البحث بعيداً؛ فالجدل الذي أثاره مسلسل (حمدية) بين أطياف المجتمع العراقي يكشف لنا كيف يمكن لعمل فني أن يتحول إلى مرآة لحساسية عميقة في الوعي المجتمعي.
العمل الفني بطبيعته مساحة للتخيّل والنقد وإعادة قراءة الواقع، لأن الفن في أي مجتمع لا يعيش إلا في مناخ يسمح بالأسئلة الجريئة. ولكن حين يلامس الفن مناطق دينية أو رمزية حساسة، تتداخل ثلاثة مستويات ذات إشكالية معقّدة: حرية الإبداع، وحق الجمهور في الاعتراض، وواجب الاحترام.
في الجلبة التي صاحبت مسلسل (حمدية)، انقسم الناس بين من رأى في العمل ممارسة مشروعة لحرية التعبير، ومن اعتبره تجاوزاً على رموز دينية ومشاعر اجتماعية. وبين الموقفين ظهرت لغة حادة واتهامات متبادلة؛ ذاك يتحدث عن قمع فكري، وآخر يتحدث عن استفزاز مقصود.
لكن السؤال الذي يغيب وسط الضجيج هو:
هل يمكن أن نقرّ بحرية العمل الفني، وفي الوقت نفسه نناقش مسؤوليته الأخلاقية؟
الفن ليس خطاباً قانونياً بحتاً، بل فعلٌ ثقافي يؤثر في نسيج المجتمع. أما حرية الإبداع فلا تعني تحصين العمل من النقد، كما أن الاعتراض لا يجب أن يكون مصحوباً بالمطالبة بالإلغاء أو المنع. هنا تحديداً يظهر الفرق بين مجتمع يحاور، ومجتمع ينقسم، وآخر يقمع.
إن احترام المقدسات لا يعني أن تتحول إلى منطقة محرّمة على أي معالجة فنية، كما أن حرية الفن لا تعني تجاهل السياق الاجتماعي والنفسي الذي يعيش فيه الجمهور. المسألة غاية في التعقيد، لأن المجتمع العراقي، بتعدده الديني والطائفي، يحمل ذاكرة مثقلة بالصراعات والحساسيات، وأي عمل يمس هذه المساحات يُقرأ غالباً بعيون الخوف لا بعيون التحليل.
الإشكالية الحقيقية لم تكن في وجود المسلسل بحد ذاته، بل في طريقة إدارة الاختلاف حوله. بعض الأصوات طالبت بالمنع الفوري، وأخرى سخرت من غضب الناس بدل أن تفهم أسبابه. وهنا يتضح أن المشكلة أعمق من عمل فني؛ بل هي مشكلة ثقافة اختلاف.
الأكثر جدلاً هو حين يتحوّل كل جدل إلى معركة هوية؛ حينها سنخسر فرصة النضج. وحين نتعامل مع أي اعتراض كمحاولة لإسكات الحرية، نفقد التوازن.
القضية إذن ليست على طريقة: هل يحق لصنّاع الفن أن يبدعوا؟ أو هل يحق للجمهور أن يغضب؟ فالحقيقة أن كلاهما يملك حقه.
فإذاً، كيف نمارس هذا الحق دون أن نحوّل الاختلاف إلى قطيعة؟ لأن الحرية التي لا تقبل النقد تتحول إلى تعالٍ، والدفاع عن المقدسات الذي لا يقبل الحوار يتحول إلى رقابة خانقة. وما بين هذين الحدّين تتشكل المساحة المدنية التي نحلم بها.
مساحة يمكن فيها لعمل فني أن يُنتج، ويمكن للجمهور أن يعترض، ويمكن للنقاش أن يبقى نقاشاً لا ساحة تخوين.
ومن هذا المنطلق نعود إلى الفكرة الأولى:
لا تعارض بين الحرية واحترام المقدسات إذا أدركنا أن الاحترام ليس إسكاتاً، وأن الحرية ليست استفزازاً. إن المجتمع الذي يتعلم كيف يختلف دون أن يتكسر هو مجتمع بدأ ينضج.
أما الذي يخشى الفكرة أو يخشى السؤال، فسيظل يعيش في دائرة ردّ الفعل.
الخلاصة:
الحرية واحترام المقدسات ليسا نقيضين كما نتصور، بل مساحتان تتقاطعان في نقطة واحدة: وعي الإنسان بذاته وبالآخر. فالحرية، في جوهرها، هي قدرة الإنسان على أن يفكر ويختار ويعبّر دون إكراه، لكنها في الوقت نفسه ليست انفلاتاً من كل قيد، وليست ممارسات عدوانية أو ثأرية على مشاعر الآخرين.
الحرية التي تتحول إلى تعمّد جرح المقدسات ليست شجاعة فكرية، بل ممارسة للقوة دون حكمة. وبالمقابل، فإن احترام المقدسات لا يعني فرضها على الجميع، ولا تحويلها إلى سيف مسلط على أي رأي مختلف؛ فالمقدّس بالنسبة لشخص قد لا يكون كذلك لآخر.
وهنا تظهر معضلة المجتمعات المتعددة: كيف نحمي حق الفرد في التفكير الحر دون أن نحول حريته إلى أداة استفزاز؟ نحن أمام وجود رأي ناقد للدين، لكنه رأي غير مؤمن؛ لذلك يتحول النقاش أحياناً إلى استهزاء، أو يتحول الدفاع إلى قمع.
يمكن للإنسان أن يكون حراً في عدم الإيمان، وحراً في نقد الأديان، وفي الوقت ذاته يختار ألّا يسخر وألّا يجرح عمداً. الاحترام هنا ليس قيداً على الحرية، بل تعبيراً عن نضجها، لأن الحرية الحقيقية لا تحتاج إلى استفزاز لتثبت وجودها.
والإيمان الحقيقي لا يخاف من سؤال.
في مجتمعاتنا كثيراً ما يتم اختزال القضية في معادلات سطحية: إما أن تؤيد الحرية المطلقة حتى لو مست المقدسات، أو أن تدافع عن المقدسات حتى لو قُيّدت الحريات.
لكن الواقع أعمق من ذلك، لأن:
القانون يحمي الأفراد، لا الأفكار،
والأخلاق تُحكم بأسلوب التعبير.
السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس:
«هل يحق لأحدهم أن يقول هذا؟»
بل: «هل يضيف القول معرفة، أم يثير ضجيجًا فقط؟»





