دلالات شخصية المهرج في النص المسرحي العراقي -أ.م.د. محمد فضيل شناوه م.م.حسنين حمزة عبد علي الزهيري
جامعـــــــة بابـــــــل /كليـــة الفنـــون الجميلـــــة -قسم الفنون المسرحية
الفصل الأول: الإطار المنهجي
مشكلة البحث:
تعد شخصية (المهرج) في المنظومة الأدبية ركيزة، من حيث إضفاءها طابعاً درامياً بوصفها أحدى الشخصيات، هذا فضلاً عن المحمولات الدرامية والمعالجات الفنية في النص المسرحي، لذلك شكلت الشخصية إشكالية في النص المسرحي، ربما تكون محركه في الحدث، والتي لعبت دور غريم البطل أو الملك، لتبني مكوناتها وعناصرها الأساسية، فهي ربما يجيز لها إن تتمحور في خط درامي، وأحياناً تقترب من الشخصيات النمطية. وبذلك كونت شخصية (المهرج) خصوصية في النص اختلفت بالضرورة عن باقي الشخصيات، حيث من المعتاد إن لكل شخصية مسرحية قالبها الدرامي والمغزى الذي تسعى الوصول إليه، إذ إن ما يؤخذ عليها طابع التهريج، فمن ذلك كونت إشكالية أخرى، فمهما تعددت أوجه الأقنعة لدى تلك الشخصية في النص، اختلفت مفاهيمها وتعددت رؤيتها من نص مسرحي إلى آخر، بحسب طبيعة الموضوع المعالج وصفات الشخصية المفترضة، فمن خلال ذلك شكّلت علامة فارقة ليس في تاريخ المسرح فحسب، بل في تاريخ التطور الإنساني(الانثروبولوجي).
تظهر إشكالية شخصية (المهرج) على أنها شخصية تقترب من ملامح الشخصية المثيرة أو النظر إليها على أنها شخصية واقعية محضة تترشح من البنى السياسية والاجتماعية في النص المسرحي، فضلاً عن النظر إليها كشخصية تاريخية، أن هذا التعدد في الرؤى جعلت من شخصية (المهرج) إشكالية قائمة في النص المسرحي، هل تكمن وراءها مسوغات تتناكف في الطباع ضمن تفاعلية الأحداث في تواجدها داخل النص الدرامي، أو أنها شخصية ذات محمولات نفسية تعاني من الاغتراب في الحياة الواقعية أحياناً، هذا فضلاً عن أنها تطرقت إلى المظاهر الاجتماعية وعالجت السلوك والعادات الإنسانية بمبررات فكاهية، بما فيها من خداع وكذب وحماقة، ولا شك من أنها لا تخلو من الجانب فلسفي يتخذه المؤلف في تكوين ملامح شخصية (المهرج)، فغالباً ما تعبر عن أقوال فلسفية وضروب من الحكمة، على الرغم من النقد اللاذع وحالات الجنون والإسفاف التي تصل إلى حد الابتذال التي تعيشها تلك الشخصية. وبناءاً على ما تتحدد مشكلة البحث في الاستفهام الأتي:
ما الدلالات الفكرية والدرامية التي تحملها شخصية المهرج في النص المسرحي العراقي؟
أهمية البحث والحاجة إليه: يهتم البحث بشخصية (المهرج) في النص المسرحي العراقي، من حيث:-
- دراسة الدلالات الفكرية والدرامية وأبعادها المتمثلة في شخصية (المهرج) في النص المسرحي العراقي.
هدف البحث: تعرف الدلالات الفكرية والدرامية لشخصية المهرج في النص المسرحي العراقي.
حدود البحث: زمانياً: (1979-2011) مكانياً: (العراق)
موضوعاً: (دراسة دلالات شخصية المهرج في النص المسرحي العراقي)
تعريف المصطلحات: التعريف الإجرائي: الدلالة الفكرية
هي الإحالات التي انطوت عليها شخصية (المهرج) في الفكر الفرجوي والانثروبولوجي في أبعاد النص، والتي تم التعبير عنها بطريقة (فلسفية/ نفسية/ حكيمة/سياسية/اجتماعية/ اقتصادية/ دينية /جنسية).
الدلالة الدرامية:هي ما تؤديه شخصية (المهرج) من دلالات درامية داخل عناصر فضاء النص المسرحي لاحتوائها على تقنيات الشخصية (الهازلة /الجادة /الماجنة/ العبيطة) في مسار الحدث الدرامي، فضلاً عن الأسلوب التقني (الأدائي) في الحدث من سرد أو محاكاة لكلً من (سلوك/ زمان/ مكان/ بيئة).
التعريف الإجرائي: شخصية المهرج
شخصية مضحكه ساخرة متعددة الصفات ومتناقضة السلوك، عرفت بتكوينها الدلالي الرمزي في الشكل الانثروبولوجي، نتيجة إفرازات حقب تاريخية، لتلعب الأدوار النمطية، متخذة من التهريج خصوصيتها في خلط معاني الأفكار الجادة بالهازلة في بنية النص، لتكون مؤثرة في سياقات الأحداث بإبعادها الفيزيقية، موظفةً فنون الأداء، وانساق التهريج من مغالطات لغوية وجسدية، وفنون الضحك من (سخريه/حمق/ فكاهة/مجون/ نقد/ حكمة) في بنيه النص المسرحي.
الفصل الثاني: الإطار النظري
المبحث الأول: دلالات شخصية المهرج في النص المسرحي.
ترتسم حدود شخصية (المهرج) في الشكل الدرامي، بوصفها شخصية مبتكرة، لما تمتع به من أهمية في المسرح العالمي، بأنها شخصية تاريخية ومسرحية، مثل شخصية (البهلول) وشخصيات (ديلارتي) المسرحية و(المخنث نديم الملك). كونت هذه الشخصيات خصوصيتها عبر التاريخ في سياقاتها الوظيفية والاجتماعية والفكرية، فاستمدت شرعيتها من النص الذي يكون مرشحاً-متأتياً- من بنية اجتماعية وفكرية واقتصادية، وان الاتفاق أو الاختلاف على أنها خارج متن النص، لتبقى ترتجل وتقدم حواراً قد فرض عليها من خلال تقديم فكرة، أو مغزى ثقافي أو سياسي، وهنا تكون مجبرة على تنفيذ الخطوط العريضة التي وضعها الكاتب أو السيناريو المرتجل أو الشخصيات الارتجالية نفسها بعد الاتفاق على فكرة النص، لتستمد هذه الشخصية دورها المناط إليها، كما في كوميديا ديلارتي.
تظهر شخصية (المهرج) في المسرحيات القديمة بنوع من الدراما يتزاوج بين ما هو كوميدي وما هو تراجيدي، والذي يعرف بـ(trajicomedu) وهو خلط معاني الأفكار التي تبرز فيها مواقف تثير ضحكات يهتز لها الجسم، وتتبادل شخصية (المهرج) الهزلية وشخصيات أخرى الصفعات بصوت قوي تثير الضحك، لأنها لا تؤذي إلا كبرياءها، أن هذه هي الطريقة التهريجية ذات القدم في النصوص المسرحية التهريجية، أن هذا النوع المتسم بمهازل (المهرج) الذي عرف عبر تاريخ المسرح، لتثبيت جذور هذه الشخصية([1]). فيرجح (مولين ميرشنت) بقوله إلى إن الكوميديا “مشتقة من comedia نقلاً عن الكلمة اليونانية kw mwdla وهي تعني أما kwmos المسرح الصاخب، اللهو، أو تعود إلى المصدر المحتمل kwmy أي القرية aoldos أي المغني أو المطرب… وهكذا يعود أصل kwmwos أما إلى شاعر المرح الصاخب أو إلى شاعر القرية وهي تسمية لا تخلو في حد ذاتها من مغزى”([2]). ويرجع أول ظهور لشخصية (المهرج) في النص المسرحي “حوالي 370 (ق.م) حيث كتبت مجموعة من النصوص الإيمائية سميت إيماءات (سوفرون) والتي قدمت فيها بعد على شكل عروض إيمائية جمعت ما بين الرقص والفارس تقام في الساحات ألعامة، ويرتبط أقدم أشكال هذه الصيغة الدرامية ارتباطاً وثيقاً بالنزعة إلى المسرحيات المرتجلة الخاصة بالكوميديين الشعبيين، والتي تلتقي تقريباً مع التجربة التي قام بها المهرجون والمشعوذون في عصر النهضة”([3]).أما الكاتب فشذبها بالطريقة التي يرتئيها، بدءاً من (أرستوفانيس وبلاوتس) قديماً و (موليير وشكسبير) في عصر النهضة مروراً عند (براندللو و داريوفو) في العصر الحديث.
يقدم الكاتب شخصية (المهرج) في النص من خلال تعطيل القوانين الطبيعية وإحداث حالة من المبالغة والتنافر لتنتج في النص ثلاث تقنيات ترافق الشخصية الهزلية ([4]).
- الفكاهة اللفظية: وتتم عن استخدام التلاعب اللفظي في أكثر الحوارات رقياً وتعد ابسط شكل من أشكال السخرية التي تتمتع بها الشخصية الهزلية.
- كوميديا الشخصيات: يبرز في هذا النوع (المهرج) من خلال التناقض والتنافر الذي يتضح في الشخصية، التي تظهر خلاف ما تدعي أن تكون عليه.
- تعقيدات الحبكة: يلجأ إليها الكاتب في وضع شخصية (المهرج) في المسرحية الكوميدية، بتعقيدات الحبكة عن طريق استخدام الصدفة والهوية التي يخطئ التعرف عليها، فتولد مفارقات للشخصية الهزلية، ولاسيما إذا كانت الشخصية من الطبقات الدنيا مثلاً الخادم والراعي والجندي، وهذا النوع من المفارقات يكمن في شخصية (المهرج) كونها أكثر شيوعاً كأسلوب تكنيكي.
يضع الكاتب المسرحي شخصية (المهرج) في النص المسرحي، في سلوك متعارض مابين النظام الاجتماعي وشخصية (المهرج) – الفرد- لتثير السخرية والضحك من خلال تصرفات الشخصية، في صياغة الأحداث غير العادية للمسرحية، وعندما يتقاطع هذان العنصران (الادعاء الأساسي عن المجتمع وتصرفات الشخصية)، تحدث مثل هكذا مفارقة، ليوضح الكاتب أنه ليس الأخطاء في القوانين الاجتماعية وإنما في تطبيقها، فإن الشخصية هي المسؤولة عن إثارة الضحك وما يصدر عنها من مبالغات وحماقات وخداع تلك الشخصية، فهي مسلية لأنها مختلفة وغريبة، فهي تتخطى حدود الحس الشائع وتقلب القيم الأخلاقية العادية، فيحاول الكاتب المسرحي عند وضع مثل هكذا شخصيات مراعاة الإساءة إلى مؤسسات الدولة، أو نظام الحكم بقدر الإساءة إلى الأشخاص أنفسهم، محدثة عند المتلقي شيء من التغيير والموضوعية الأخلاقية من خلال السخرية ألناشئة من التهريج([5]). يكتفي الكاتب بوضع هذه الشخصية حتى لو كانت بشكلها الرمزي أو الدلالي على تهريج (المهرج)، فليس بالضرورة تواجد (المهرج) في النص عند بعض الكتاب، إذ يتحقق أحياناً من خلال المغزى الفكري للبناء الدرامي في النسق المسرحي فارضاً صيغه التهريج على الشخصية، مكتسباً صفه الشخصيات المهرجة “ليستخدم كتاب الدراما شخصية المهرج بطريق مباشرة أو غير مباشرة لكشف الزيف الأخلاقي والاجتماعي والسياسي وليس كمجرد أداة من أدوات الإضحاك”([6]). فمثلاً شخصية (المهرج) في الأدب الشكسبيري متجلية في أعماله المسرحية، لاسيما في مسرحية “الليلة الثانية عشر ومسرحية كما تهوى ومسرحية الملك لير وغيرها من الأعمال، ونجد إشارات كذلك إلى أعياد الحمقى، واحتفالات اختيار أكثر الوجوه قدرة على الإضحاك وفي رواية البؤساء (فيكتور هيجو) كما نجد شخصيات خاصة بالمهرجين والبهلوانات في أعمال (توماس مان) وغيره من كتاب المسرح المعاصرين”([7]). ليصف (مان) في روايته (اعترافات فليكس كرول) المهرجين بأنهم “رهبان الجنون الذين نبذوا العالم كله كائنات مهجنة تظفر مرحاً جزء منها إنساني، بينما ينتمي الجزء الآخر إلى عالم الفن المجنون”([8]). لقد حرص عديد من كتاب المسرح أمثال (شكسبير ولوب دي يفيجا وكالدرون وجولدوني وموليير) على تطعيم مسرحياتهم بادوار المهرجين كعامل تسلية وراحة نفسية في حالة المأساة، وكعامل سخرية وفلسفة في حالة الملهاة.
حظيت ظاهرة الأحمق وما تبعها من صفات في سلوك شخصية (المهرج)، باهتمام عديد من الكتاب والمفكرين “لتعد صفة الحماقة عند شخصية المهرج التي تنقسم بدورها إلى فئتين فرعيتين، وهي فئة الحمقى الطبيعيين: أي هؤلاء غير القادرين بطبيعتهم والنقائص وأسباب فطرية، على النشاط بشكل طبيعي بسبب ظروف جسمية أو عقلية أو انفعالية، أما الفئة الثانية فهي متصنعي الحمق: أو المتحامقين هؤلاء الذين يقومون بالمحاكاة أو التقليد على نحو متفكه وساخر”([9]). لتبرز شخصية (المهرج) كبطل أو غريم للبطل داخل المتن القصصي أو المسرحي “فغالبا ما تكون شخصية (المهرج) أو المجنون أو الخادم نقيض البطل، فهو جبان وثرثار لا يكتم سراً وهو مخلص لسيده بشكل عام، لكنه في بعض الأحيان يمكن أن يشترى بسهولة، وهو غبي أو يدعي الغباء، لكن بلاهته تخفي نوعاً من الحكمة الخاصة التي تظهر العالم بالمقلوب، بالإضافة إلى ذلك فأنه يشكل مع سيده ضمن الحدث وحدة درامية تقوم على التناقض، مما يؤدي إلى خرق وحدة الطابع في المسرحية، والى خلط الجدي والرفيع بالوضيع والغروتسك، كما في ثنائي دون جوان وخادمه (كاتالينون) في مسرحية الاسباني (تيرسو دي مولينا) (1583-1684) وفي الثنائيات التي يشكلها الخدم (ارليكان أو بريغيللا أو بوليشينيل) مع سيده الذي يخدمه في مسرحيات الكوميديا ديللارته في ايطاليا، والفرفور مع سيده، وقفه مع على جناح التبريزي في المسرحيات المصرية”([10]).
اختلفت مكانة الحدث والشخصية عند الكاتب في الدراما، فمنهم قدّم الشخصية المسرحية بوصفها الأكثر أهمية في الدراما والإشكال السردية على الحبكة، ولاسيما الشخصية المهرجة حيث أن تتبع هذه الشخصية وفقاً للحقب التاريخية بالنسبة للكاتب المسرحي، تطرح نوعين من شخصيات المهرجة في النص المسرحي، بعض الكتاب يصوغها بتقليدها النمطي، وتعرف بالشخصيات السكونية، والأخرى بشكلها الديناميكي التطوري، والتي منها الحكيمة الفلسفية، فهي تكون إرشادية وعظية، كما هي في نصوص (شكسبير) المسرحية كشخصية البهلول، إذ “يتضح لنا من دراسة دور المهرج في مسرحيات شكسبير أن ما طرأ عليه من تطور كان نتيجة لتغير الممثل الذي يقوم به…، وكان يعتمد على خفة الدم والحركة وتبادل القفش والنكات مع الجمهور الأرضي، حل محله فنان جديد ذو صوت رخيم، فأصبح الغناء أساسياً في ادوار البلبول والمهرج فيما تلا ذلك من مسرحيات”([11]). أما النمطية فهي شخصية المهرج (العبيط) الساخرة المضحكة، كما هي في شخصيات (بلاوتس وتيرانس) وشخصيات كوميديا ديلارتي (هارليكان، بنطلون)، أن المسرح الكلاسيكي قد طبقها على الشخصيات الرئيسة، وتنطوي شخصية (المهرج) في بنية الأدب المسرحي تحت الأدوار الهزلية ليطلق عليهم (الأدوار اليافعة)، وهم المهرجون الذين يلعبون شخصيات العشاق والجندي المتبجح والخادم الماكر الذكي والفتاة الساذج والأب الجشع، وعرف بهذا النوع من كتاب المسرح الروماني (تيرانس وبلاوتس)، ومن كتاب الكلاسيكية (جونسون وموليير)([12]). ليمثل (المهرج) أدواره في النص على أنهم “الأجلاف والفلاحون وغير المتعلمين في المسرحيات اليعقوبية (وليس بالضرورة أن يكونوا غير أذكياء)… وقد نشأت ادوار المهرجين من قناع (زاني) في الكوميديا المرتجلة بقدر كبير، وقد وجدوا في أشكال عديدة في كل زمن مثل الهالكين، وظهوره في مسرح المنوعات وفي مسرحيات بيكيت وفو”([13]). هذه النماذج من الشخصيات هي مسطحة والتي تعرف بشخصية الخادم، وهو أيضاً مهرج فارس، وتقدم الكوميديا دائما مهارات الخادم التي توصله لشيء، بل أن اجتهاده الذي ينم عن مقدرة لا يعني في النهاية سوى ثرثرة ([14]). يغلب الانطباع إلى أن شخصية (المهرج) ذات شخصية مسطحة (ذات البعد الواحد)، أن هذا النوع النمطي من أنواع شخصية (المهرج) الذي يتسم بالثبات قد عرف في الشخصيات الكاريكاتورية المقنعة، التي يقتصر دورها في حدود الشخصية الواحدة لحملها البعد الواحد، الذي يكون حاملاً لمجموعة الصفات، مثل شخصيات الساتيرية وكوميديا ديلارتي، كشخصية الخادم عند (بلاوتس).
يأتي (المهرج) في النص المسرحي الإغريقي من خلال مفارقة تظهر في الحدث التي تفيد التظاهر أو الادعاء وهي أصلاً صفة الشخصية في الكوميديا الإغريقية التي شاعت في تلك الحقبة، أي الذي يفرق بين المظهر وواقع الحال. فأستطاع الكاتب الواقعي أن يجعل مسرحياته معياراً لنقد الواقع، فان الشخصية تميزت بمظاهر التحليل النفسي، واضعاً الرذائل والفضائل معياراً للسلوك الإنساني، فيظهر بعض الشخصيات الذي عاب عليها وسخر منها المجتمع من سلوك وتصرفات، مثلاً عالج فكرة العرافين بطريقة خفية غير صريحة، معتبراً قولهم اقل الحقائق وأكثر الأباطيل قائلا “من الغباء أن نتعرف على المستقبل عن طريق أحشاء الطير”([15]). ليدفع (يوربيدس) بذلك شخصياته إلى السخرية في حالة استهزائه من فكرة أو شخص، طارحاً آراءه الفلسفية متهجماً على الدين والإلهة محاولاً إصلاح المجتمع، وبذلك يمكن تلمس التشابه مابين (يوربيدس) و(أرستوفانيس) في الدعوة إلى السلام وإعطاء العبيد والأرقاء الدور المهم في المسرحية والاستهجان والسخرية وطابع التهريج لدى شخصيات الخدم. ويمكن ملاحظة ذلك في مسرحية (الباخوسببيون) التي تظهر شخصية (بينثيوس) في مشهد قبيل موته، مرتدياً ملابس نسويه مبهرجة وحزامه مفكوك، وبعدها الإله ضاحكا، هو مشهد سخيف مضحك بشكل مقصود يوحي فيه (يوربيدس) إلى السخرية بدلالة التهريج، حيث أن تلك المعالجة الدرامية الكوميدية لهذه المسرحية قد استمدت من الأساطير، يؤكد (جورج تومسن) على أن هذه الأمور تعد من الأشياء المضحكة والبذاءة والتهريج([16]).
ركزت الكوميديا القديمة المتمثلة بـ(أرستوفانيس) على الموضوع، معتمدة على سمة التهريج والإشهار فيه والسخرية منه، فتكون الشخصية (كاريكاتورية) نمطية تبعاً للفكرة، بمعنى لم تكن الشخصية إنسانية مسؤولة عن تصرفاتها وسلوكها مثل المسرحية التراجيدية، لتكون ذات مواقف متغيرة متذبذبة، وغالباً ما يصور الكاتب على انه قصور ذاتي، فيستمد الكاتب قصتها من الواقع مثل شخصية (سقراط) في مسرحية (السحب) الذي عدّل الكاتب في هذه الشخصية ليتلاءم مع الموضوع الكوميدي، وتصوير شخصية (يوربيدس وأسخيلوس) في مسرحية (الضفادع) في صورة هزلية متصارعة، لتكمن دلالات (المهرج) في هذا النوع من الشخصيات والشخصيات الأخرى مستمدة من الحياة الواقعية والاجتماعية السائدة مثل شخصية (ستريسياديس) في مسرحية (السحب) التي تصور شخصية (المهرج) الغبي الريفي المختلط في المكر، وشخصية (بافلاجون) في مسرحية (الفرسان) التي تجيد الألاعيب الدهماء ليبين من رجال السياسة([17]). فيصوغ (أرستوفانيس) في كل من مسرحياته (الضفادع والزنابير والطيور) شخصيات مهرجة في شكل بدائي، وأن الحوار يدور بين (مشتركين) دعاباتهم ماجنة و(مشاهدين) يعلقون في إسفاف وزئيط، أما الأقنعة الحيوانية التي كان يتقلدها أصحاب هذه الحفلات الصاخبة فترجع إلى غياهب الأزمان، وقد توازي النمط السائد في طقوس بعض المجتمعات البدائية. أن نصوص (أرستوفانيس) الكوميدية كل من (الضفادع،الطيور) يقوم فيها الكورس بدور (المهرج)، ليعلق عليها الشاعر المسرحي (ماجنس) في أوائل القرن الخامس الميلادي على أنها (كوميديا التهريج الحيوانية)([18]). بذلك تلتحق شخصية (المهرج) ضمن الشخصيات”الفانتازيا، والشخصيات الخرافة الكوميدية، والأرواح”([19]). أن هذه الشخصيات التي عبّر عنها (أرستوفانيس) إنما هي من واقع المجتمع الذي عاصره “فالمهرجون الحقيقيون منذ (أرستوفانيس) كانوا مشغولين على الدوام بحالات الجوع الأساسية ليس فقط الجوع للطعام وللجنس، وإنما كذلك الجوع للكرامة، وللسلطة والعدالة”([20]). ليعبر(أرستوفانيس) عن حماقات عصره بصورة ساخرة مستهدفاً من ذلك الإصلاح في كل شيء، مستعيناً بالشخصية الهزلية الأقرب إلى الخيال، بذلك يعطي صورة منفردة في تكوين خصوصية لشخصية (المهرج)، وتنفيذها للجانب الهزلي أكثر تكنيكاً في فكرة النص، وبذلك وجد شخصيات من صلب العصر، مضيفاً عليها القالب الكوميدي. وتعد مسرحيات (أرستوفانيس) بمثابة ” الألعاب الشعبية الساخرة التي تشبه العاب السيرك…التي تطورت عن مقدمات قال المؤرخون أنها كانت أغنية تغنى في مواكب الآلة (ديونوسوس) ويشتركون فيه الكورس، ثم تطورت هذه الأغنية بعد ذلك إلى أن تغني الجوقة أغنية دينية تتبعها بإنشاد بعض القطع من الشعر العامي الهزلي المتهكم الساخر، هو الذي يعرف (بالبارابيز) ومن هذه الأشعار الساخرة بدأ التطور أيضاً إلى التهكم بالأشخاص وقد أعجب الناس بهذا اللون ولاسيما أن المنظمين في الكوموس كان يضعون أقنعة على هيئة حيوانات وطيور وكان بعض الأفراد يرقصون في هذا الحفل”([21]). قدم (أرستوفانيس) في مسرحياته شخصيات متطرفة وأدعياء البطولة في إطار ساخر وصاغ شخصية (المهرج) الشعبية، سواء أكان متمثلاً بالموضوع الساخر (كالفكرة) كما في مسرحية (البرلمان النسائي)، أم كشخصية مثل مسرحية (الضفادع والطيور)، معالجاً روح الصخب والمجون والنكتة الشعبية، وبذلك خلط الدراما بين الجد والهزل في شخصيات تعالج مشاكل الحياة العادية والقضايا السياسية والاجتماعية، والذي يعرف باسم (الأدب الملتزم أو مسرح الأطروحة)([22]). ليقدم (أرستوفانيس) في مسرحية (الاخارنيانيون) صورة واضحة لـ(المهرج) الساتيري في احتفالات الديونوسوسية الريفية بالتعاون مع شخصيات العبيد في جلاء الاحتفال ومظاهر التهريج([23]). نجح (بلاوتس) في تصوير شخصية (المهرج) في النص الروماني من خلال حوار متدفق مليء بالتلميحات مفعماً باللمزات والغمزات من خلال اللعب بالكلمات على نحو رشيق متميز، أن شخصية (المهرج) الوضيع الذي وظّفه (بلاوتس) في نصوصه امتلك قدرة فائقة على إثارة الضحك والقوة الكوميدية([24]). معطياً لشخصية (المهرج) أولوية في نصوصه الدرامية، ليوضح صورة من صور السلوك والمستوى الاجتماعي في كوميدياته، جاعلاً من شخصية (المهرج) بطلاً لأحداثه، ذلك في مسرحية (ابيديكوس والجندي المغرور والعبد المخادع)، لتعالج دراما (بلاوتس) جرأة (المهرج) بأفكاره التهريجية الصاخبة، وتكشف مسرحية(المعذب لنفسه) الأحداث عن شخصية (سيروس)، العبد المخادع الذي تمتلكه الرغبة في جمع المال والاحتيال على سيده في كل الأحوال([25]).
عبّر مسرح العصور الوسطى عن شخصية (المهرج) الذي ظل ماثلاً في النصوص الدينية، فكانت مسرحيات (الأسرار/المعجزات/الأخلاقية)، محطةً لشخصية (المهرج) سواء كان متجسداً في شخصية (الشيطان أو المهرج أو المغفل) أو الإيحاء الرمزي للشخصية التهريجية، فمثلاً في مسرحية(الأسرار) مشهد المسيح في الهيكل المليئة بالموعظة الجافة، يأتي بعد مشهد (سرقة جهنم) المثير والحيوي أن التهريجيات الغريبة للشياطين وعربات هيرود ومتاعب نوح المنزلية مع زوجته، فان تلك الأحداث الفظة هي مستمدة من مأدبة الحمار أو ما تعرف مأدبة الأسقف الصغيرة، أن هذا النوع من المسرحيات التهريجية ذات قوة في دراما العصور الوسطى التي تعادل قوة المسرحيات الدينية([26]). جاءت دلالة (المهرج) في النص مقترنة بشخصيات الجن والعفاريت التي تضمنتها معظم المسرحيات الكنسية.
عرفت كوميديا الفن ديلارتي في ايطاليا في نهايات القرن الخامس عشر حتى القرن السادس عشر، الشخصيات (المهرجة)، وهي كوميديا الشخصيات الشعبية، التي تستقي حيويتها من واقع الحياة، أنها تعرض شرائح اجتماعية وتنقدها، والممثلون يؤدون شخصيات نمطية ثابتة في فكرة المسرحية، وعلى الرغم من الارتجال وجدت سيناريوهات مسرحية كتبت لهذه الشخصيات، منها “وظائف مضحك البلاط في العصور الوسطى وعصر النهضة إلى مهرجي المسرح الإليزابيثي كما هي حال المهرجين في (الليلة الثانية عشرة) والملك (لير)، وهما ظريفان محترفان تختلف وظيفتهما الإضحاك في المسرحيات الريفية من مثل (كما تهواه)، واندمج فيما بعد هذا التقليدان في عناصر غريبة في الملهاة الفنية كوميديا دي يللارتي لتكوين شخصية المهرج التقليدي في المسرحيات الإيمائية والتهريجية والسيرك”([27]). عودة (المهرج) وظهوره في كوميديا ديلارتي ارتكزت حول شخصية (المضحك) في الدراما، أن ذلك (المهرج) من النوع الثابت النمطي (الأستاتيكي) الذي اعتمد على اللغة الخشنة والعناصر المرتجلة من حركته الإيمائية، أما الفكرة مستمدة من الواقع اليومي، فاستخدم القناع في كوميديا الفن ذات دلالة على الشخصية مثلاً: ماكوس(الشخص الغبي الأبله)، وبابوس(العجوز المخبول)، ودوسينوس (الأحدب)([28]). فهي شخصيات ليست بجديدة على الدراما، وسبق وان ظهرت في مسرحيات(أرستوفانيس وبلاوتس وميناندر)، و”يرجع هذا النوع إلى كوميديات (الفارس) التي اشتهرت في زمن (أرستوفانيس) المعروفة بفكاهاتها وسذاجتها وتقليد الشخصية الأكثر سلبية مثل شخصية (الكابتن) وشخصية (بانتالوني) وهو الجد الشرعي لتاجر البندقية لدى (شكسبير) مثل(شايلوك) وبخلاء (موليير) وكذلك شخصية (زاني)الخادم المحتال”([29]). أن هذا التطور الذي طرأ على شخصية (المهرج) مكنه من توثيق الارتباط وحمل الفن المسرحي بتعميق جذوره، لذا أن “تغير شخصية المهرج– البلياتشو في بحر ثلاث قرون تغير كثيراً، لكنه في عصر الملهاة المرتجلة الذهبي كان الوصيف ومدبر المكائد، والخادم الحصيف المتغابي لأحد المشايخ الطاعنين في السن، والذي لا ينفك يساعد العشاق الشباب في خططهم… بأخباره، أن سيدته شريفة تذوب فيه حباً، وان في وسعه أن يعد لهما موعداً غرامياً يتلاقيان فيه، ولكن لابد من أن يتنكر البنطلون في زي امرأة حرصاً على سمعة السيدة”([30]).
إن شخصيات كوميديا ديلارتي شخصيات نابضة بالحياة مطوعة فكرة النص وهيئتها الخارجية في خدمة الشخصية الكوميدية، وتعد شخصية (هارليكان) من ابرز الشخصيات المسرحية في دور (المهرج) الخادم في زيه التقليدي([31]). لتنقسم شخصية (المهرج) في مسرحيات ديلارتي إلى أولا: شخصية المهرج العاشق، وهم شباب من العائلات النبيلة وسيمي الوجوه خفيفي الظل يتعاطفون مع المشاهد،لا يرتدون الأقنعة، وملابسهم فاخرة التي تتفق مع العصر، وتبنى أحداثهم على قصص الغرام وتصوير الأجواء الشاعرية. ثانياً: شخصية المهرج الممتهن، شخصية بنطلون التاجر العجوز الذي يطارد النساء سواء كان زوجاً أو أباً مخدوعاً.(دوتورى) وهو شخصية تدعي الثقافة والعلم والمعرفة، ويظهر بدور الخطيب أو الشاب المثقف. (الكابيتانو) هو الضابط المتعالي الذي يدعي الشجاعة أو بدور الجندي المتخاذل. ثالثاً: شخصية المهرج الخادم، وتتميز هذه الشخصيات من رجال ونساء بأنها الشخصية الفكاهية الأكثر سخرية وهزءاً، فهي مصدر الألاعيب والحيل ومدبري الخدع والمكائد الذين يطلق عليهم اسم (زاني)، ولعل ما يميز هذا الشخصيات هو التحدب أو التقوس الجسدي في الأنف أو الكتف أو الظهر. (هارليكان) هو خادم (بنطلون)هو وغد ذكي قادر على الاحتيال يجمع قناعه الأسود بين المكر والتغابي. (بولنشينللو) هو خادم عجوز معقوف الأنف، هو من أهل نابولي يتصف بالمكر والخبث يظهر في جلباب طويل،(بريجلا) هو خادم قاسي ومستهتر دساس غير أمين، هو من أهل برجامو، اشتهر في البداية ببجامه الفضفاض والسروال والعباءة القصيرة، كما يلف حول وسطه قطعاً رفيعة من القماش الأخضر تبدو كالخطوط وهي العلامة المميزة للشخصية، يحمل معه كيس نقود وخنجراً، فضلاً عن شخصيات أخرى مثل (سكاراموش) والخدامات من أشهرهن (كولومبيين) وهي تكون خادمة البطل([32]). يبرز في المسرح الانكليزي مجموعة كتاب مثل (جون درايدن و وجونسون)، فضلاً عن(شكسبير) الذي عبر عن (المهرج) في نصوصه الدرامية والمجدد للدراما بنوعها الكوميدي العام وشخصية (المهرج) بطابعها الخاص، إذ أضفى عليها من الصفات ما لم يكن فيها. فأن (شكسبير) يحيل إلى التعاطف معهم، بسبب يقظتهم الروحية، أن شخصيات (شكسبير) المهرجة تتحدث عن الأفكار والمشاعر بطريقة واعية (عقلية حكيمة)، ليحدد سلوكهم في المسرحية وأحداثها([33]). كتب (شكسبير) مسرحياته مستخدماً شخصيات كوميدية، والتي تمتاز بنوع من شخصيات (المهرج) الحكيم (البهلول) ذات القول الفلسفي، لتطرح تلك الشخصية الناقدة للأوضاع الاجتماعية والسياسية عن طريق النكتة والفكاهة متجلية في مواقع عديدة، منها (العين بالعين/ الأمور بخواتيمها)، معالجاً نصوصه الدرامية بظهور شخصية “المهرج المتعدد الأشكال والأوجه، منها: المزاح، الأحمق، اللفظي في مرحه والغامض في نكاته”([34]). محاولاً أن يقيم ضرباً من التوازن الدرامي بين العالم الكوميدي أو التراجيدي والشخصية المرحة (المهرجة)، ففي جوهر المسألة أن الحدث والشخصية متضاربان، وللكوميديا دورها في تنظيم الشخصيات التي لا يتميز بها نبل المظهر، فهم أشخاص اعتياديين من أتباع الأمير أو خدم أو أصدقاء مضحكون، وهذا ما يجعل شخصياته ساخرة رقيقة مترفة متوازنة في قالبها الدرامي، فان مسرحياته الكوميدية هي أقامة ضرب من الاحتفال الذي تشترك فيه الشخصيات الساذجة المهرجة، والغرض منه إضحاك الناس، لذا كانت شخصياته تتنكر على هيئة ملوك أو رجال دين أو غيرها من الشخصيات التي كانت تبعث على الاحترام ويقيمون بأدوار تثير السخرية([35]). لتتسم قدرة (شكسبير) الإبداعية في صياغة شخصياته المهرجة التي تعتمد على المقدرة اللغوية في النص، بذلك تنفرد هذه الشخصيات “في حوارها، أي أنها جميعا تتكلم بأسلوبه، وهذا ما يزيد في ارتباط المشاهد بالشخصيات ذلك لأنه يجد نفسه فيها: أنها تعطيه العلو والرفعة والكبرياء لأنها ترفعه من مستوى أدنى إلى مستوى أعلى من الناحية الاجتماعية… لذا نجد المهرج والبطل والإنسان العادي يتساوون في الحديث ويمتلكون نفس الأهمية”([36]). ومما يثبت مقدرة هذا الكاتب هو وضعها في مسرحيات تراجيدية، على الرغم من حدية المواقف، إلا أنها في غاية الأناقة والرشاقة الدرامية إذ “تضمنت الكثير من الدراما الجادة تتخللها عناصر كوميدية، فضمّت شخصيات كوميدية في مسرحياته التراجيدية، مثلا شخصية (الحمال المخمور) في مسرحية (عطيل)، شخصية (حفار القبور) في مسرحية (هاملت)، وشخصية (العريف) في مسرحية (هنري الخامس)”([37]). أن هذا الخلط بين ما يعرف (تراجيكوميديا)، الذي يعتبر (شكسبير) فيها مجدداً لوحدة النوع، فضلاً عن تجاوز الوحدات الثلاثة فـ(شكسبير) “في كل المأساويات التي كتبها يدخل مشاهداً تثير الضحك أما من خلال مهرج أو روح لطيفة أو شريرة. وهو يفعل ذلك تفريجاً عن أعصاب المشاهد من قسوة ووطأة المأساة”([38]). لتبدو هذه المسرحيات كمسرحيات إشكالية، لأن في هذه المسرحيات دمج فيها (شكسبير) بين ما هو جاد وما هو هزلي. فيرى (كينث) على أن (شكسبير) كتب مسرحياته التراجكوميديا عندما كان في أوج قوته، ففي مراحله الأخيرة التي كتب بها (هاملت وكريولانس)، وهي الحقبة المأساوية والتي استمرت حوالي سبع سنوات، وهنا يأتي الفرق مابين (المهرج) في (هاملت) و(المهرج) في (العاصفة)، فكانت المرحلة الأخيرة التي كتب بها مسرحية (دقة بدقة وترويلوس وكريسيدا)، والتي عرفت بنوع من الكوميديا القاتمة (كوميديا المشكلات)، على أنها سخرية هازلة أو سخرية مأساوية، ويرجح (كينث) إلى تفنيد رأى النقاد في أن (شكسبير) كتب المأساة، لأنه كان يمر بحالة من الانقباض والتعاسة، وان افتقار كوميديا تلك المرحلة إلى البهجة، قد يعلل بالافتراض القائل بان فرقة (شكسبير) قد طلبت إليه كتابة الكوميديا بينما هو لم يكن في مزاج يسمح بذلك، ففي الحقبة الأخيرة التي تبدأ بمسرحية (بركليز) وهي نوع من المسرحيات ذات النهاية السعيدة، وهذا يعكس ما اسماه (دارون) بأقصى حالات صفوة الحزين. وكتب (موليير) الكوميديا المرحة حين كان مريضاً تعساً، وبذلك يمكن أن يفسر على أن (المهرج) في صوره المتعددة ومراحله الانتقالية الشكسبيرية من جنون إلى إسفاف إلى حكمة، هي صورة مسرحية تقليدية رافقت رحلة النص الشكسبيري([39]). لذا تكمن أهمية مسرحياته “لا في عقدة مسرحياته أو إلى إحالته، فموضوعاته موضوعات مأخوذة أو مفترضة بعامة… ثم نحن لا نجد له في الواقع أفكار أصيلة، ولكن شكسبير، بوصفه خلاقاً للشخصية التي تبدو كأنها مخلوقات بشرية حقيقية حيه تثير حولها المناقشات الحامية”([40]). في حين يبررها الدكتور(جونسون) بـ”تنوعها لوقائع كثيرة جدا… مشاهد متعددة بتداخل، وتتنوع بمرح ووقار، مرح يشتمل على قوة الملاحظة الحكيمة المثقفة ووقار غير محمل بالعنف الشاعري، الأعلى من العواطف الطبيعية للإنسان، شخصيات جدد يظهرون من وقت لآخر بتتابع متواصل عارضين أنماطاً مختلفة من الحياة وصيغاً معينة من الحوار”([41]). فهو يضع سلوكاً لـ(المهرج) معطياً له الحق في صياغة المشاعر الصادقة حتى ولو كانت أفعاله ساخرة، أن براءة تلك الشخصية التي تتعارض في السلوك والطباع أحياناً هي نموذج لـ(المهرج) الشكسبيري الطموح، ففيها من “سخرية بعض الأنماط السلوكية إلى درجة التنطع ولكن بصدق، فمن خلال السخرية من الطموح يكتسب المهرج الطموح ذاته، وقد لا يتعدى طموحه الإطار الشكلي ولا يصل إلى الحد الذي يتطلب بذل الجهد ولا يمنعه عند الأزمات من ركل خاصرة طفل لا يطاق، ولكن ما يتبقى من الطموح يكون بتزايد مطرد طموحاً فطرياً وفعلياً ومتحققاً، فلقد اقترب (المهرج) من الشيء الذي يسخر منه إلى الحد الذي انطبع فيه جزء منه فهو فخور بما استوعب”([42]). أن الشخصيات النمطية لـ(المهرج) هي الزوج الغيور، القواد، الجبان الفخور، العاشق، الخادم، فهي شخصيات نمطية مألوفة في الدراما الكلاسيكية، وبذلك يكون (شكسبير)، قد احدث خرقاً في الشخصية الدرامية، فشخصية (المهرج) لم تعد مثل الشخصية الكلاسيكية كما كانت سالفاً ، بل قدمت الخدمة الدرامية الفاعلة في الأحداث. حيث أن مفارقة ذلك (المهرج) في النص الشكسبيري تتضح أهميتها من خلال الحبكة الفرعية للكوميديا وأحياناً (تعليقاً) على الحبكة الرئيسة أو المحاكاة الساخرة له، لتكون شخصية (المهرج) عنده مزجاً بين الجد والهزل أو بين التصوير (الخيالي) والمألوف (الواقعي)، بما فيها من أحداث متضاربة، ليكون (المهرج) الشكسبيري ذو صفة امتزج فيها المنطق بالجنون وما بين الحقيقة والخيال([43]).
كتب (شكسبير) مسرحياته بناءًا على رغبة الجمهور والملكة، ليحتفى بها في القصور الزاخرة (بادوار المهرجين)، فشخصية (المهرج) في مسرحية (زوجات وندرسون المرحات) والتي تعد من أشهر كوميديات (شكسبير) “يقال أنها كتبت بتكليف من الملكة إليزابيث التي أفصحت عن رغبتها في أن ترى شخصية (فولستاف) في مسرحية مستقلة وهو يمارس مغامرات عاطفية ويقع في الحب… كان فولستاف في هنري الرابع شخصية ثانوية فان نجاحه الهائل حتم أن يخصص له شكسبير مسرحية فكاهية قائمة بذاتها يكون هو بطلها وكانت( زوجات وندرسون المرحات)”([44]). كما وضع في مسرحية (كما تهوى) التي استقى فكرتها من قصة (روزالند)، شخصية (المهرج) ذو أخلاق غليظة، وهي أخلاق الفيلسوف القديم الساخر بالحياة والحديث الماجن، المتمثلة في شخصية (تجستون) الذي يرافق الملك المنفي فيتساوى مع سيده ويسخر منه بنكات وكل ما يتصل به، حيث كان تحت رداءه الماجن ينتقد انتقاداً لاذعاً حياة موظفي البلاط ويقال عنه انه مجنون ولكن في جنونه شيء من النباهة، ولكن عندما يفكر المرء في تأثير مجونه وملاءمته ملائمة تامة لموضوعه يشعر بأن هذا القول خطأ([45]). أما في (لير) فيقدم شكسبير “شخصية (غلوستر)، الساذج المضحك، الذي يبدو في المشاهد المبكرة أشبه بشخصية نمطية من كوميديا الآداب الاجتماعية”([46]). إلى جانب (الملك والأعمى والمجنون) الذي يدوي المسرح حوارهم، فيأخذ (غلوستر) في تلك المواقف الدرامية ابلغ البؤس الإنساني، فان (غلوستر) الأعمى الذي تسلق ارتفاعاً غير موجود وسقط على أخشاب مستوية، يعد (مهرجاً) انه تهريج فلسفي، من الغريب تواجده في المسرح الحديث([47]). ينظر إلى مسرحية (الملك لير) المتمثلة في إطارها الكوميدي الساخر من خلال شخصية الملك والأبله، يذكر الناقد (مارتن أسلن) لما يفتقده الملك من انعدام البصر والبصيرة، وعالم تحكمه القسوة والجنون والوحشية، ليأتي دور (المهرج) والابنة الطيبة (كورديليا) اللذان يمثلان عنصر الخير الوحيد في هذا النص([48]). فالتهريج لديه فلسفة والمضحك شخصية غامضة ومليئة بالتناقضات التي تنجم عن المقاربة بين الحرفة والفلسفة، فحرفة الضحك تهيئ الإمتاع الفلسفي لتطلب قول الحقيقة ونسف الأساطير، والبهلول في (لير) لا يملك حتى اسماً لنفسه انه بهلول وكفى، فان البهلول الذي اعترف بأنه بهلول، ورضي بأنه مجرد مضحك في خدمة الملك، فتبنى فلسفة (المهرج) على الافتراض بان كل امرئ في الدينا بهلول، وأعظم البهاليل هو الذي لا يعلم انه بهلول: الأمير بالذات، وهذا السبب في أن (المهرج) يجعل بهاليل من الآخرين وإلا لما كان مهرجاً، هو معرض للشعور بالاغتراب لكونه مهرجاً([49]). لذلك عمد (شكسبير)على تقديم شخصية (المهرج) بمفهوم يتناسب مع رؤية عصره لـ “أن مخلوقات شكسبير المجنونة التعقل تمتزج بالسفاهة، والتعقل في قلب جنون”([50]). يستلهم (شكسبير) الجنون في الشخصية ليحقق ازدواجية مابين الحكمة والجنون، فأن هذه العلاقة تخلق بدورها المفارقة عند الشخصية الشكسبيرية المهرجة، ليضفى عليها أسلوبه الأدبي المتميز، لتبدو شخصية البهلول في الوهلة الأولى على انه مجنون، فهو في حقيقة الأمر أعقل من العقلاء لما ينطق به من أقوال وأفعال. بذلك يكون قدم صورة صادقة عن تفاهات عصره مجدداً فيها ما اكتسبه من ثقافات. وفي عام 1593 ارتسم (شكسبير) ” خطاه وخلق شخصيات خلقاً جديد يكسو ما كان منها قديماً… ونرى واضحاً في مسرحية (هنري الرابع وهنري الخامس)، يصل (شكسبير) إلى إقامة هذا النوع من المسرحيات فهو فيها سيد الكتابة فيصل إلى مرحلة الإبداع لا مزيد عليه في خلق الشخصيات، ومزج عنصري الفكاهة والمأساة في شخصيتي (فولستاف) المرح، الطروب، الأباحي، المتحرر من تقاليد المجتمع، وولى العهد في حياة، في طرافته، إذا ما اتسم العرش وخلع عن نفسه ثوب المجانة”([51]). أثبت قدرته في استلهامه للمواضيع الواقعية والتاريخية، ففي مسرحية (الليلة الثانية عشرة) وجدت شخصية (المهرج) إلى جانب شخصيات أخرى تمتلك القدرة على المرح والضحك والسخرية من خلال الأحداث التي دارت في القصر بين العشاق بتلاعب من الخدم مثل الخادمة (ماري) المرحة الذكية، وشخصية (سيد توبي) العجوز وشخصية (سيد اندرو) وهي شخصية (المهرج) الغبي، فضلاً عن وجود شخصية المضحك الخاص بالملكة (اوليفيا)([52]). تقدم هذه المسرحية حبكتين تتجلى في مظاهر الخداع وقصص الحب، الأولى حبكة الدوق والملكة وأخوها،أما الثانية المتمثلة في الصورة الهزلية من قبل السيد(توبي) والفارس(آجيو تشيك) فيأتي دور”المهرج خارج حدود الحبكتين ليقف ويعلق على الأحداث بحكمة بالغة مؤكداً فساد المظاهر واللغة، بل انه يصف نفسه في إحدى اللحظات بأنه مفسد الكلمات، ويبرز كيف تستخدم الشخصيات اللغة للتظاهر والخداع وإخفاء الحقيقة”([53]). يضع شكسبير دور الخادم ك(مهرج)، ففي مسرحية (عطيل) ولظهوره الطفيف في (الفصل الثالث/ المشهد الأول والمشهد الرابع)، لذا لم يكن ذا فاعلية درامية مثل نماذج أخرى متطورة مثل (فولستاف- والأبله- ستفانو)، لتعبر عن عدم النضوج والاكتمال الفكري والدرامي، فهي شخصية مهمشة تكاد لا تذكر في النص إلا بعض الشيء. أن ذلك (المهرج) بما يمتلكه من وقاحة فهو بارع عند (شكسبير) في التعبير اللغوي المجازي، لأنه يدعي الحكمة والفلسفة. ففي مسرحية (هنري الرابع) وهي الأكثر مرحاً من مسرحيات (ريتشارد الثاني والثالث وهنري الخامس والسادس)، فهو البطل (فولستاف) الذي تسيده المأساة بصفة المسرحية المتفائلة في تصوير الخلفاء وشريحة القصر والطبقة الإقطاعية، حيث شخصية (فولستاف)، في ميدان المعركة، وهو يناجي نفسه في مونولوغ، باحثاً عن أفضل مكان للاختباء فيه([54]). أن هذا النوع من (المهرج) الحكيم ذي السحر اللغوي الذي “يتحدث في لغة خاصة بطبعها وهي تلك المليئة بنكات غير مضحكة وبجناس غير مسل لكونها غير خاصة ببقية شخصيات شكسبير كافة، تتلاءم تماماً مع الطبع المتبجح المتهشم المتفسخ فولستاف السكير، لذلك فان هذه الشخصية تعبر حقاً عن طبع معين محدد لسكرها واحتيالها وفسقها، وكذبها وجبنها”([55]). وهذا ما يوجد في شخصية المهرج (الكابيتانو) في الكوميديات القديمة الذي يدعي الشجاعة. ليضيف (شكسبير) على شخصية (فولستاف) المهرج في كلا المسرحيتين “هنري الرابع أو في زوجات وندرسون المرحات، أصبح شخصية أدبية قائمة بذاتها وخالدة في حد ذاتها، تماماً كالشخصيات الخالدة التي خلقها شكسبير مثل (هاملت وعطيل وماكبث ولير)، أي ذلك النوع من الشخصيات الذي يتعدى حدود المسرحية ويخرج من سجن أحداثها ليصبح كائناً مستقلاً في ذاته له ملامحه النفسية المعروفة، وله ملامحه الجسدية المميزة، وله–هو الأهم- مغزاه في تصوير (حالة) إنسانية بعينها تتعدى حدود الزمان والمكان، أي انه يصبح نموذجاً نمطياً يخلقه الأديب أولاً ولكنه يعيش في الوجدان الجماعي للإنسانية كتعبير عن حالة إنسانية دائمة وثابتة”([56]). كما توجد شخصية (المهرج) القزم في مسرحية (ريتشارد الثالث) الذي “يبدأ بالتهريج، وهذا أول كشف (صدمة) انه اصغر حجماً من الأشخاص الآخرين جميعا، وعليه أن يرفع بصره لكي يحدق في وجوههم، انه مضحك وهو يعرف ذلك، بل هو يعرف كل شيء”([57]). يرمي (شكسبير) بدلالة (المهرج) في مسرحية (طرويلس وكريسيدا) لتعبر عن هزئها من الأحداث الأسطورية فان (منلاوس) زوج مخدوع و(هيلانه) عاهرة، و(أخيل وأجاكس) مهرجان ولكن الحرب ليست تهريجاً، والجدل التي تثيره المسرحية من أحداث حب وحرب تنتهي بالمسرحية إلى التهريج، ليحقق بذلك نوعاً من التراجكوميديا في دورين عظيمين لمهرجين: المهرج العذب (باندارس) في طروادة، والمهرج المر(ثيرسيتيس) في المعسكر الإغريقي، أن شخصية (باندارس) بهلول طيب القلب يريد أن يقدم أقصى جهده لكل إنسان، ويهيئ الفراش لكل عاشقين، ويعيش وكأن العالم مهزلة، أما المهرج المر(ثيرسيتس) وحده خال من كل وهم، لقد ولد كارهاً للبشر، ويعتبر العالم غروتسكيا دميماً([58]). هذا العرض الموجز الذي يقدمه (شكسبير) في مسرحية (طرويلس) ساعياً في ذلك من تحقيق الحق “فتتضح لنا معالم الضحك في البطل (أخيل) الأسطوري الذي يتغلب في الفراش مع فرخه المخنث فتتسم معالم المهرج على انه لوطي، وداعي، وغبي، وكثير الشجار كعجوز الشمطاء وليس أغبى منه إلا(أجاكس) جبل من لحم بعقل عصفور… (أخيل وفطرفلس)، يتعاتبان في خيمتهما بتقليد الملوك والقواد، فكثير ما يقلد المهرجون الأمراء في شكسبير، غير أن السخرية هنا أمضى وأقسى، فان الإبطال يقلدون المهرجون، وهم أنفسهم مهرجون، المهرج الحقيقي وحدة ليس مهرجاً، انه يجعل من الأمراء مهرجين، وهو أعقل واحكم ويكره ويشمت”([59]). ليستمد (شكسبير) هذه الشخصيات من الدراما الأسطورية ودراما مسرح العصور الوسطى، لما فيها من عناصر محببة من رقصات وأغان تهريجية، لتجعل الدراما ضرباً من التسلية التي يرضاها ويهواها السفلة من الناس، سواء كانوا فقراء أم أغنياء، حتى لو التزم المضحك بالدور الذي خصص له، فأنه كثيراً ما يفسد الوحدة الدرامية للقطعة التمثيلية، إذا كان من الصعب عليه أن يقاوم الرغبة في التدجيل، لذا يستعين (شكسبير) بهذه الشخصية بالإضافة إلى العناصر المحببة الأخرى لدى الجماهير.
يواجه (شكسبير) بطله(هاملت) ضمن سياق الأحداث مع شخصية (المهرج) بعبارات حازمة، ليذهب نقاد عصر النهضة وشعراؤها، إلى ابعد من هذا ورأى بحذف شخصية الأبله كلياً، ومنهم من يؤكد وجود هذه الشخصية في مسرحيات (شكسبير) بأنها مشهد ترويحي أو فاصل هزلي بين المشاهد المفعمة بأحداث كارثية([60]). فأن مشهد (المهرج/ حفار القبور) في (هاملت) يصور أحداث دموية غير طبيعية بمقتل خمس شخصيات، وثلاث مرات ظهوراً للشبح وظهور الشخصية المجنونة واستعراض صامت لرجلين يتهاتران ويتقاتلان في قبر، ساعة تشييع الجنازة وجماجم وعظام الموتى، ومهرج يتبادل النكات مع أمير وأغان مشجية ومواكب جنود، حيث أن هذا الاتساق الغريب بين المتناقضات، حيث يقدم (شكسبير) في لمحة خاطفة لروح الدراما في العصر الإليزابيثي وروح مؤلفها وروادها([61]). جاعلاً في مشهد (حفار القبور) محطة لبطله (هاملت) مندداً بصورة غير واضحة، وهي إشارة جلية وبصورة خاطفة إلى الحياة والموت، إلى الرغبات الإنسانية في الحياة، وما يقابل تلك الرغبة، فكانت شخصية (حفار القبور) ذات دور فعال في تنشيط الحبكة وتصحيح مسارها([62]). لذا فـ”شخصية (الأبله) هي احد انتصارات شكسبير المسرحية… فان حذفه منها يفسد التناسق فيها كما يفسد الانسجام في الصورة… فكان (جونسون) وهو يزمجر محتماً على وجود شخصيات البلهاء في المسرحيات بوجه عام– وربما منتقداً بالأخص وجود المهرج في مسرحية الليلة الثانية عشر”([63]). أن مصدر الفكر المسرحي الشكسبيري يتضح في معالم التجديد، إذ حقق (شكسبير) فكرة شخصية (المهرج) في القرون الوسطى الذي كان يسخر من الراهب بارتداء ثوبه، وتكمن دلالة (المهرج) الشكسبيري في تقليد الأمراء والأبطال، ليضعهم في موضع السخرية، ويمكن ملاحظة ذلك في شخصية (المهرج) “(بك) في (حلم ليلة منتصف الصيف)، من المخلوقات الجن في الفلكلور الانكليزي، انه (روبن الفتى الطيب)، إلا انه أيضاً هارلكوين في كوميديا ديلارتي النهضوية… خفيف اليد والأصابع، بارع في تدبير المقالب، يشوش على الأزواج المحبين ويجعل (تيتانيا)، تداعب رأس حمار وتغازله، انه في الواقع يجعلهم كلهم مضحكين، تيتانيا الملكة، واوبيرون الملك وكذلك العشاق هيرميا وليساندرة هيلينا وديميتريوس فهو يفضح جنون الحب”([64]). ويمكن ملاحظة شخصية (اينو باريوس) هو ذلك (المهرج) في مسرحية (انطونيو وكليوباترا)، الذي استمد (شكسبير) حبكتها من الأحداث الرومانية، فيأتي فيها المنظر التهريجي على سطح السفينة (بومباي)، فهو أكثر منظر ماجن وتهريجي([65]). تمتزج مسرحيات (شكسبير) بمواقف تعمق القضايا الإنسانية وتجعلها صالحة لكل زمان ومكان إذ “أن المشاهد المأساوية في شكسبير كثير ما يخلطها روح من الإضحاك، الغروتسكية والمفارقة، كما أن مشاهد الإضحاك كثيراً ما تخلطها المرارة، والغنائية، والقسوة في مسرحه، والمهرجون هم الذين ينطقون بالصدق، ولا ينطقون به وحسب، بل هم يعيدون تمثيل مواقف هي في عادة من اختصاص الأمراء، السكير (ستفانو) والمهرج (ترينكزلو) كلاهما يريدان السلطة “([66]). حاول (المهرج) الشكسبيري أن يمس المقدس ويخلع عنه قدسيته.
أن تواجد (المهرج) في أكثر تراجيديات (شكسبير)، وان جعله يلعب دوراً صغيراً، لكنه يستمر من بداية المسرحية ملازماً لشخصية البطل (الملك)، الذي لا يقتصر دوره على تسلية الملك في أوقات فراغه فحسب، بل ملازماً له في اعصف انفعالاته وأعنفها، ليحقق نوعاً من الضحك والبكاء في آن واحد، ففي مشهد (العاصفة) مثلاً لا يفكر إلا في سيده. بينما يلوح بحكمة إلى الموت في الملك (لير) (سنذهب للعشاء في الصباح) يرد الأبله قائلاً (وأنا سأذهب إلى الفراش في الظهيرة)([67]).
تناولت المسرحيات الفرنسية خلال حقبة القرن الخامس عشر وما بعدها شخصية (المهرج) الساخرة من خلال الانتقادات السياسية في تناول مواضيع الواقع، فكان من بين الكتاب (جرينور) الذي عرف بكتابة المسرحيات الهزلية (الفارس)، ومن مسرحياته (المعلم بيير باثلان)،([68]). وأيضاً في مسرحية (مقالب سكابان)، وهي من نوع الفارس، وتميزت شخصية (سكابان) بوصفها شخصية هزلية نمطية، فهي تختزل دلالة (المهرج) في ضرب من الشراسة وخفة الظل التي تحيل إلى الضحك حتى يقال عنه مجنون([69]).
ومن اختراعات المسرح الفرنسي وتأثيرات سحر كوميديا دي يللارتي عليه، ابتكرت شخصية (المهرج) الكوميدية الفرنسي(جيل)، وهي شخصية تهريجية نمت في حقبه موليير (1622-1673) معتمدة على التهريج الخشن ذي التعابير والنكات المرضية لجميع الطبقات، لتلقي كوميديا (دي يللارتي) بظلالها على شخصيات فرنسية منها المسرحي (موليير)، والتي تظهر في نصوصه المسرحية شخصية (المهرج) وهي شخصية (زاني) إذ “اندمجت هذه الأنماط في شخصيات درامية معقدة، فقد حول موليير ماسكاريل وسجاناريل وسكابان إلى شخوص بشرية معروفة لها سمات نفسية متفردة”([70]). فأن شخصية (المهرج) في النص المسرحي المولييري، أصبحت ذات قيمه دلالية مختلفة، من خلال اكتسابها أبعاداً مكتملة، لذا تميز الجانب النفسي في النص المولييري، لتصبح أكثر عمقاً درامياً مما كانت عند (شكسبير) الذي وضعها في لمحات خاطفة. وبذلك تكون شخصية (مهرج مضحك) منها الهابطة، مثلا في مسرحية (البرجوازي النبيل) في شخصية ( كوفييل)، أما شخصية المضحك ذات العلاقات البارزة فهو (المهرج) العجوز، و(المهرج) البدين ذو الهيئة المستديرة والخادم، أما شخصية المضحك النامي فتتواجد في مسرحية (دون جوان) في شخصية (سجناريل)([71]).
ومن سمات شخصية (المهرج) الفرنسي، هو إفراغ الشخصية المسرحية من وجودها التاريخي لتتحول إلى نمط عندما تتوقف عن كونها شخصاً، كما في مسرحية (عدو البشر/ موليير)، عندما قدم شخصية (ألسيست) وهي تختزل وجودها بشكل نمطي([72]). ليجعل من (المهرج) شخصية ماكرة منتهزة عامل الصدفة، ومن هذه المسرحيات هي (مدرسة الأزواج)، بما فيها من مصادفات. تميز(موليير) بشخصياته في اكتسابها طابع التهريج عن طريق أسلوب التكرار، فتنتزع الشخصية المسرحية طابعها الإنساني، لتتحول إلى نمط فهي تكتسب قيمتها النمطية من خلال ذلك التكرار المستمر والمحرك لملامحه الأساسية، وهذا ما يتواجد في شخصية (البخيل)([73]). وهي شخصية (هارباغون) التي تثير الضحك من خلال إدراكها للنقص ومواقفها الرعناء أو الخرقاء، فهي لا تثير عاطفة الشفقة (الألم) على العكس من شخصية (شايلوك) في (تاجر البندقية)، فهي تعطي ضرباً من التعاطف، ليكون (المهرج) في نصوص (موليير) ضرباً من السلوك والعادات الهازئة، ليتحول السلوك الإنساني على نسخ من الآلية الجامدة الذي يفتقر إلى الميكانيكية المستمرة، بسبب اضطلاع الكاتب في التوظيف ووضعها في هذا القالب في سياقات الأحداث، ويلاحظ أن “موليير قد لعب شخصية (المهرج) في ادوار مسرحياته المختلفة (ارنولف- اورغون- مورون)، وقد احتفظ بالماكياج جزئي على انه مبالغ فيه ولا يتغير، وهو مأخوذ عن ماكياج شخصية (سكاراموش) الايطالية، لينتهي إلينا بنماذج مصورة تظهر (موليير) على هذه الحالة في مختلف الأدوار”([74]). كما في مسرحية (المتأنقات)، التي لعب فيها رفيقه (جوداليه) دور(المهرج) والذي ساهم في إنجاح ملاهي (موليير)، فهو شخصية محبوبة لدى الشعب الباريسي([75]). وعلى الرغم من أن شخصيات (موليير) الدرامية التي مثلت شخصية (المهرج) النامية أو المتطورة التي تتسم بإبعادها النفسية والاجتماعية ووزنها الدرامي الثقيل، إلا إنها شخصيات مضحكة، والتي لم يدرك احد من المشاهدين أن الحديث يجري عنه، لكنه كان يرى أن الموضوع يدور حول جاره أو حول احد آخر، في الحقيقة أن كل شخصيات المسرحية كانت نموذجاً من النماذج البشرية الموجودة في المجتمع([76]).
ادخل كتاب مسرح القرنين السابع والثامن عشر شخصية (المهرج) في نصوصهم المسرحية كشخصية ذات ارث مسرحي ودلالة أنثروبولوجيا ورمز فكري، لما تتمتع بها من مهارات لفظية ومسرحية. ليحل محلها دراما هابطة عرفت (بالفودافيل) ومن النوع الرخيص والفج، كانت تصنع من كل مادة سواء كانت كوميديا الإيطالية أو أوبرا أو رومانسية شكسبيرية أو دراما كلامية فرنسية، لذا كانت شخصية (المهرج) في أحسن حالاته، شخصية الممل الأحمق، وقح نموذجي يحشر أنفه في كل شيء حشراً اضحاكياً، لكنه هنا أسمى وأكثر بلادة منه في أي مكان آخر، وهذا الفرق بينه وبين أولئك المهرجين الحيويين في أفضل مسرحيات كوميديا دي يللارتي([77]). فاستعملت كلمه (البانتومايم) في انجلترا في وصف مواضيع بالية أسطورية درامية أو عرض مهرجين (بلياتشو)، لينتهي عصر (المهرج) هارليكان في القرن التاسع عشر، ليحل محله (المهرج) الذي ابتكره البريطاني (جوزيف جريمالدي).
ومن نصوص القرن التاسع عشر المسرحية التي شهدت إقبال الكاتب في الخوض بشخصية (المهرج) في النص، وشكلت نقطه تحول لهذه الشخصية في استيعاب الدراما المسرحية، هذه الشخصية بثقلها وأبعادها في النص كما في مسرحية (المهرج المتجول/1853) وهي من تأليف الكاتب الانكليزي (فردريك روبسون/1821-1864)([78]).
ضمن الكاتب الأمريكي ( روبرت شرود/1896-1955) شخصية (المهرج) في مسرحية (العبيط أو الأبله) في عام (1936)، خالقاً انطباعات عن حماقات بعض الحكام في اتخاذ القرارات السياسية وفي إدارة شؤون الحرب، في أحداث تدور حول مجموعه من شخصيات (مهرج) الفودفيلات الأمريكي ومهرجين وأقزام وعالم ألماني ورجل فرنسي يجتمعون في فندق فتجمعهم سخرية القدر وتفرقهم مصالحهم الشخصية([79]). وبعد فشل الكاتب الأميركي (فيليب باري) في مسرحيته الساخرة (زمن المرح)، استطاع أن يعاود الكرة وبالأسلوب نفسه، ليسترد مجده المسرحي بصياغة مسرحية (المهرجون) عندما قدمها سنة (1938)، وهي مسرحية أخلاقية تصور الصراع القائم بين الخير والشر، لتأخذ الأشكال الرمزية والإيحاءات المتمثلة في البطل الذي يلبس ثوب الحق، وان الاستسلام للقدر مع التفاؤل والأمل قد يعيد الرجاء والسعادة لبني البشر([80]). ومن أشهر المسرحيات التي كتبت في حق شخصية (المهرج) العالمي، مسرحية (المهرجون) للكاتب (تريفور جريفينز)([81]).
ظهر (مهرج) القرن العشرين في ايطاليا بأسلوب (الجروتسك) وفي صياغة المواصفات المتبعة في خلق الشخصية في نصوص المسرح الاجروتسكي، الذي يعرف بمسرحيات (القناع والوجه) الذي ابتكره (جيارللي) في سنه (1916)، حيث تكون شخصية (المهرج) في هذا النوع الدرامي موضع السخرية، فهو أسلوب المتناقضات، وتطور هذا الأسلوب على يد الكتاب الايطاليين، فـ”فكرة القناع والوجه جزء لا يتجزأ من موضوعها الذي يدور حول مفكر يشعر بالوحدة ويعمد إلى إخفاء شخصيته والظهور بمظهر المهرج وإذا به أمام الجمهور مهرج مسكين يثير الضحك باعتباره ساذجا غبي يتندر عليه زملاؤه ويضربونه، ويستيقظ الحب في قلب المهرج حين يتعلق (بكونسويلو) الجميلة” ([82]).
أن مسرحية (المهرج /1957) للكاتب المسرحي الانكليزي (جون اوزبورن/ 1929-1994) هي من أشهر مسرحيات (المهرج)، لعب دور(المهرج) الممثل الشهير (لورانس أوليفيه) التي نالت شهرة عالمية وترجمت إلى معظم لغات العالم وقدمت على المسارح وشاشات السينما([83]). وكما تعد مسرحية (البهلوانات /1972) هي من انضج أعمال (ستوبارد) في الدراما الانكليزية وأكثر تعبيراً عن ولعه بالكلمات موظفاً اللغة بشكل مبتكر وأصيل، لتصبح اللغة نفسها جزء من الحدث الدرامي، حيث يصفه النقاد لاسيما بعد ما كتب هذه المسرحية، بأنه الوريث الحقيقي لـ(لشكسبير وبرنادشو و أوسكار وايلد )([84]). فهو يستعير شخصيات السيرك المهرجة ولاعبي الاكروباتيك في مسرحيته، ليوظف البراعة الحركية إلى جانب الفعل الدرامي (الحدث) خالقاً من فعل التناقض صراعاً من الأفكار يثير الضحك، فضلاً عن استغلاله لجميع إمكانيات اللغة، للتعبير عن الحركة الدرامية الصاخبة، لتصبح مسرحية (البهلوانات) كوميديا نابعة من الحركة اللغوية نفسها، فضلاً عن الاستخدام الخاطئ للألفاظ مثل شخصية (البروفيسور) مثلاً([85]).
المؤشرات التي أسفر عنها الإطار النظري
1- أخذت شخصية (المهرج) في المجتمعات طابع المؤدي، لتكتسب قيمتها من البعد التاريخ ووفق النسيج الاجتماعي (السوسيولوجي).
2- عرفت شخصية (المهرج) بتنوع دلالاتها التقنية في السخرية والضحك، كالرقص والغناء والتنكيت والألعاب البهلوانية والضرب على الآلات الموسيقية والتنبؤ بالمستقبل وتفسير الأحلام.
3- لعبت شخصية (المهرج) أدوارها في الدراما، من خلال تضمنها لادوار عديدة، منها الثانوية (كالنادل/ الجندي المتخاذل/زوج غيور/مستشار/مضحك الخليفة)، فكان أما صوتاً للمؤلف أو لعب شخصية خارجة(طارئة)على الحدث، قدمها المؤلف بدور الشخصية الهزلية، ومنها الشخصيات المحورية الملازمة للأحداث والمنشطة لحبكتها.
4- تكمن دلالات الفكاهة في شخصية (المهرج) لتؤدي وظائف جمالية ومعرفية في خطابها، بوصفها (الذات) المنتجة للضحك والفكاهة والتهريج في تكوين علاقة جدلية.
5- كانت شخصية (المهرج) الهزلية وسطاً ناقلاً ما بين الذات الساخرة ومحيطها الاجتماعي، من خلال الجهل وعدم المعرفة (المفارقة) أو المغالاة والاستهجان لكل شيء في صياغة الأسس والسلوك.
6- كانت المفارقة لدى شخصية (المهرج) موضع التناقض الفكري للمفهوم الجسدي والنفسي، فتبنى فكرة الجسد على المدنس الرذيل الساخر، في حين النفس تكون في موضع القداسة والاحترام، فما بين دلالات المظهر والجوهر(المقدس والمدنس) تظهر السخرية والمفارقة والتهكم، للحط من الآخرين أو من نفسه.
7- بنيت فلسفة شخصية (المهرج)، على أسس افتراضية، ومغالطة مجريات الحياة، ونسف الثوابت والظواهر العلمية، من خلال الهبوط بالقيمة (فكرة/موقف/كارثة) من مراتب عليا إلى الهاوية السفلى، فان ذلك التلاشي المفاجئ للقيمة الفكرية أو الجمالية أو الاجتماعية، قد أضعف من القدرة العقلية في تواصل الاستيعاب.
8- حملت شخصية (المهرج) الهزلية، مجموعه من النكات الكوميدية، الأولى تكون بذيئة (سوداء)، والثانية ذات التداعي الفكري (الذهني)، مستخدمة أسلوباً من الخداع والمراوغة، بغية خلق جو من التسلية والاستمتاع، وان النوع الثاني يكون الأقرب نمطاً من (المهرج) هو(البهلول أو البلبول).
9- امتزجت شخصية (المهرج) في مزاحها ما بين الأسلوب الكوميدي والتراجيدي، في مواقفها وأحداثها بفكرة (الجد- بالهزل)، في أسلوب خطابي يجمع بين مقومات التفكه والجدية ضمن تزامنية الحدث الدرامي
10- عدت شخصية (المهرج) من الشخصيات الاستعراض للقدرات العقلية والجسدية(الأدائية) التي تتمتع بها الشخصية في بنية النص الكوميدي عن طريق أبعادها الدرامية المكونة للشخصية الهزلية، من خلال ثلاثة عناصر رئيسه تتمثل في (الإدراك والنزوع والوجدان)، يقابلها كل من الكوميديا والهزل والفكاهة، لتتجلى في صيرورة تكوين شخصية (المهرج) بأبعادها وجوانبها كافة. (الانفعالي/المعرفي/السلوكي/ الاجتماعي/النفسي/الوظيفي).
11- ترشحت شخصية (المهرج) في النص من الدلالات الثقافية الفلكلورية (الشعبية)، لتكون نتاجاً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، ليمارس الوظيفة النقدية، عن طريق المتعة والتسلية والترويح الذاتي(النفسي)، لتستقي مفهومها من الأساطير والملاحم، بوصفها منتج انثروبولوجي، فتكون أكثر دقة في التعبير وفنون المحاكاة والتشخيص، متخذةً من الإيماءة والإشارة والرمز دلالة في التوظيف الثقافي والمعرفي الفكري. لتختلف وتتنوع وظيفتها من نص ومن شخصية إلى أخرى .
12- أدت شخصية (المهرج) الدور المحوري في الأحداث، فضلاً عن فعاليتها الدرامية للحبكة، ويتم ذلك بأسلوب المتعارض في الموقف بين ما هو عليه وما يدخل عليه آنياً.
13- اكتسبت شخصية (المهرج) مقومات في النص، بمفهوم تهريجي وبهلواني وسلوكي، ارتقت إلى عدة صفات هزلية وسمات شخصية، بسبب تكوينها الاجتماعي الانثروبولوجي، كصفات(الحماقة/التطفل/البخل/ الاحتيال/التملق/التفاخر/الغباء/ والتطبع الآلي) وشخصيات(الحمقى والمغفلين/ /البهلوانين/الظرفاء/المضحكين).
14- اتضحت تقنية (المهرج) في ثلاث. أولاً: المغالطات اللغوية، ثانياً: تعقيدات الحبكة التي يلجأ إليها الكاتب، ثالثاً: استخدام الكوميديا التي تعتمد على ذاتية الشخصية، وهذا النوع يمزج ما بين اللغة والحركة سيناريو حركي لفظي: وهو المغالطات في الشخصية، وموضوع الاستحالة .
15- يقرن المؤلف ما بين شخصية (المهرج) في النص مع فكرة الجوع الإنساني، وهي نقد إنساني قصد من ورائه الجوع لشتى الغرائز الإنسانية (السلطة/المال/الجنس).
16- حققت شخصية (المهرج) في النص أهدافها الدرامية، من خلال بوحها النفسي الذاتي التي فسح لها المؤلف المساحة الدرامية الكافية، فمن خلال شخصية (المهرج) الخارجية في النص تم التسلل إلى شخصية (المهرج) الداخلية(النفسية) في النص، لتصبح أداة لتنفيذ رغبات الشخصية الداخلية.
17- انقسمت شخصية (المهرج) على فئتين. الأولى: تكون ثابتة بسلوكها النمطي في النص من خلال ملمحها وشكلها، والتي يقتصر دورها في حدود الشخصية الواحدة، والفئة الأخرى الديناميكية المتحركة وهي الشخصية(النامية) والتي تتمتع بالأبعاد الشخصية كافة.
الفصل الثالث: الإجراءات
عينة البحث:- قام الباحثان باختيار مسرحية (المهرج) كعينة للبحث.
أداة البحث:-أعتمد الباحثان المؤشرات التي أسفر عنها الإطار النظري، أداة لتحليل عينة البحث.
منهج البحث :- أعتمد الباحثان المنهج الوصفي (التحليلي) لتحليل العينة.
اسم المسرحية: المهرج· تأليف: عواطف نعيم سنه التأليف: 1998
فكرة المسرحية:(المهرج) مسرحية ذات الفصل الواحد، تستعير فيها المؤلفة لفظة (المهرج) للتعبير المجازي، لتحاكي به غايتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمنجز الثقافي، موظفة أبعاده الإنسانية بمفاهيم كونية (العدالة والحرية والمساواة)، فهي مسرحية ذات مغزى إنساني وما يحيط به من عوامل تضع في مقدمتها المصطلح السياسي، تتجلى مسرحية (المهرج) في بنيتها الدلالية الرمزية لتقترب من تجارب الدراما الحديثة، لتسرد الأحداث على لسان المرأة(الناطق)، فتنهض المرأة من موتها لتقص أحداثها بنفسها في زمن الماضي (من الحياة) مستعيرة بلسان (المهرج) الصامت، لتشير المؤلفة إلى أيقونة شخصية (المهرج) الصامتة (البانتومايم) في مواقفها وأفعالها، محاولة أن تخترق دلالات الصمت بالتعبير الرمزي الجسدي، ليتحقق المضمون السياسي وما تضمره من دلالات فكرية، فهي تستعير شخصية (المهرج)، لوصف حقبة محددة، لتقدم معاناة الإنسان بضروب من الاختزال (الصمت المعبر)، لتكون هذه الشخصية رمزاً للتعبير وبدلالات صمت شخصية (المهرج) يصمت الحق والتعبير والفن وجرأة القول والمصير الإنساني، هذه المفاهيم حاولت المؤلفة أن تضعها في داخل النص بدلالات ايقونية، فتكون محطة لانطلاق شخصية (المهرج).
تحليل المسرحية: يدور الحدث بين شخصيتين محوريتين، الأولى امرأة عجوز طاعنة في السن، والثانية شخصية (مهرج) في مقتبل العمر، يقف بزيه التقليدي وان بدت عليه ملامح (المهرج) الحزين، فيأخذ الصمت طيلة المسرحية، ماعدا الإشارات والرموز وتحركاته على خشبة المسرح، لتنقل المرأة العجوز قصتها في الحياة، لتكشف الأحداث إنها بانتظار ابنها وزوجته وحفيدها (وائل)، تدور المسرحية حول معاناتها في الحياة والانتظار، وعند كل مرة يحاول(المهرج) أن ينتشلها، لكنها ترفض معللة بقدوم عائلتها، فتكشف ذروة الأحداث عن طريق شخصية (المهرج) في ثلاث صور وقد اختطت بشريط اسود.
أن وضع شخصية (المهرج) في هذا النص يوحي بدلالات عدة، أرادت المؤلفة أن تفضي بدلالة شخصية السارد للأحداث والمحرك لها، وهو الشخصية الصامتة في النص لكنها ساردة، وان الشخصية التي تروي الأحداث والقصة هي المرأة العجوز(اللسان السارد) فقط، وجعلت من المرأة تروي أحداثها بنفسها بدلالات شخصية (المهرج)، وهنا تكمن فكرة النص في عملية تبادل الأدوار، لتحقق المؤلفة مكاسبها الدرامية، من حيث الاستعارات والإشارات الرمزية إلى السلطة والجوانب الفكرية، فضلاً عن تأدية الوظيفة الدرامية، فأن صمت الشخصية قاد إلى الرمزية العالية في أوجه شبه مع الدراما الحديثة، ولاسيما (العبثية) بدلالات النص، ليكون الانتظار والصمت هما عنصران اتكأت عليهما المؤلفة في الاقتراب من مذهب اللامعقول، فضلاً عن دلالات الشخصية الحزينة (القناع) التراجيدي.
تلوّح المؤلفة منذ اللحظات الأولى في بنية الأحداث بدلالة (المهرج) الحزين، فتجمع به أحلام مثبطة ودوافع نفسية تقترب من الهلوسات، محاولة تجاهل زمكانية الأحداث، بالرغم من وضع بعض المكونات الأساسية التي تحتاجها الشخصية من المكملات الدرامية والتقنية، مشيرة إلى حقبة زمنية مستعيرة الدلالات الرمزية في تجسيد الأحداث التي تركت انطباعاً على سكونية البنية النصية، فهي تكون بنية درامية راكدة لا تتمتع بالديناميكية في تطور الحدث بالشكل الفجائي والسريع، كما في بنية النص الكلاسيكي الذي تأتلف فيه المقومات البنائية للنص، من تمهيد والحدث الصاعد ومن ثمة ذروة الأحداث ويليها مباشرة الحدث الهابط ثم الحل، ففي هذا النوع من المسرحيات يأخذ الفعل مديات من الأحداث الدرامية، أما في هذه المسرحية فيأخذ الفعل اتجاهاً واحداً وهو الدوران حول نفسه، فتبقى مكونات الصراع والأفعال في بنية درامية راكدة، وغالبا ما يصنع مؤلفها البداية مشابهة للنهاية، وهنا تعطي المؤلفة توصيفات عابرة في الدلالة على نهاية المسرحية وفي بدايتها التي تستدل على ذلك من خلال موت شخصية المرأة (العجوز) من خلال دلالة سقوط كرة من الصوف من حجر المرأة وهي جالسة على الكرسي، والدلالة الثانية من خلال ميلان رأس المرأة إلى احد جوانب كتفيها، والدلالة الثالثة تشير المؤلفة إلى الصمت المطبق في ذلك المشهد الذي يوحي بدلالات الموت.
على مسافة من الكرامفون القديم، يقف مهرج، يرتدي الملابس التقليدية الملونة، إلا انه يمثل الوجه الحزين للمهرج. المهرج ينظر حيث تغفو المرأة المسنة. مرآة كبيرة على يمين المسرح على مسافة من كرسي المرأة، علق قفص عصفور، يرتفع على مقربة من الكرامفون. تسقط من حجر المرأة كرة من الصوف تتدحرج مبتعدة..المرأة تنتبه… تتلفت حولها المهرج يتأمل المرأة..المرأة تنظر إلى المهرج برهة، ثم تشيح عنه. المرأة تحدق صوب الساعة الجدارية المعلقة.. ثم تلتفت نحو باب الدار. تميل المرأة برأسها على كتفها. الإضاءة مركزة.. تعطي إحساس بالسرية والغموض. ص225-226
تشطر المؤلفة شخصية (المهرج) في هذا النص إلى قسمين، تضع الوجه الضاحك في شخصية المرأة العجوز، والوجه البائس في شخصية (المهرج)، وبذلك تكتمل شخصية (المهرج) في الجمع بين كلتا الشخصيتين، للدلالة على إنهما شخصية واحدة، فضلاً عن أنها نقطة التقاء في تكوين مفهوم شخصية (المهرج) الضاحك الباكي، فتتمثل مشاهد ومواضع الحزن في شخصية (المهرج)، وهي بذلك تجزأ مفهوم شخصية (المهرج) على صعيد تقنية الشخصية (التكنيك)، وهذا يعد أسلوباً جديداً من ناحية التدشين الدرامي في شخصية (المهرج)، وعلى الرغم من التجديدات، لكنها لم تغادر سياقات شخصية (المهرج).
المرأة:( تضحك وهي تتذكر) ما أجمله وهو يلتهمها بفمه الصغير المدور.. واحدة في الفم والأخرى بين الأصابع.. في طريقها إلى فمه، والصحن بين أحضانه..
المهرج:( المهرج يحاول أن يكلمها وتبدو عليه ملامح الحزن)
المرأة: انتظر.. ليس الآن.. ص227-228
وُظّفت شخصية (المهرج) بتقنية الجسدية في خلق اللغة الدرامية، ففي هذا النص استطاعت المؤلفة من خلق لغة التعبير الدرامي، فتستعين بالإشارات والإيماءات ذات الدلالات اللغوية المعبرة التي أشارت لها داخل متن النص، لتستوحي مدلولاتها الفكرية للشخصية من الدراما ذات التعبير الصامت ولاسيما الشخصيات الصامتة (البانتومايم).
(يسمع صوت فتح باب.. دقات ساعة قديمة تعلن الرابعة..صوت المرأة تتكلم خارج المسرح)
المرأة: البيت الثالث على اليمين. نعم الذي أمامه سيارة زرقاء، نعم لا بأس لا داعي للاعتذار(غلق باب.. تدخل المرأة.. تواجه المهرج) المهرج:(ينظر إلى المرأة باستفهام)
المرأة: يخطئون مرة ثانية. المهرج:(يتقدم نحو المرأة ماداً لها ذراعيه)(المرأة تجفل.. تتراجع إلى الوراء) ص234
وظفت المؤلفة مهرجها بالشكل الذي يبوح بالانفتاح إلى الرمزية أكثر من الشخصيات المهرجة الأخرى، التي يكون فيها قاصاً وروائياً جيداً لحكايات الآخرين وحكاياته بلسانه، فهنا تستعير المؤلفة شخصية (المهرج) بدلالة التوظيف الرمزي الجسدي، فتقص الأقصوصة من قبل الشخصيات نفسها، وهذا لا يحجم من دور (المهرج) الدرامي، بل يكون هو المفعّل للحلقة الدرامية في هذا النص، من حيث توظيف المرأة في الحدث التي تأخذ مكان شخصية (المهرج) في نقل الأحداث، فتكون شخصية (المهرج) هي المحركة والكاشفة لبنية الحدث بلسان الآخر.
المهرج:( يتقدم ليقف قرب الصورة الأولى المعلقة في سقف المسرح )(تتجمد حركة المرأة ونظرتها)
لابد من الانتظار والأمل… لا تفعل ليس الآن..
المهرج:( يمسك الصورة الأولى من طرفها ويحاول وجهها نحو الجمهور والمرأة) (الصورة الأولى تمثل رجلاً عربياً يتطلع بعتب.. الصورة مؤطرة بشريط اسود ..)
المرأة: آه يا جراحي، ما استطعت سوى الانتظار والصبر.
المهرج:(يمسك الصورة الثانية ليحولها نحو الجمهور والمرأة) ( الصورة تمثل شاباً مبتسماً.. وهي مؤطرة بشريط اسود. وكذلك الحال مع الصورة الثالثة التي تمثل شابة تتطلع نحو الجمهور والمرأة بعينين باسمتين.. وهي مؤطرة بشريط اسود.. الصورة الرابعة تمثل طفلاً ضاحكاً، بين يديه لعبة.. والصورة أيضا مؤطرة بشريط اسود)..( تبقي الصورة الخامسة دون أن تدار من قبل المهرج ). ص245-246
تقترب المؤلفة بنص (المهرج) من فلسفة اللاجدوى، مفترضة أن الشخصية وموضعها في الدراما تدور حول فكرة العبثية، فشخصية (المهرج) طيلة المسرحية في سجال وثرثرة دون إضفاء تقدم في الأحداث، فيكون الحدث أشبه بمحاورة، وهو أشبه بمهرج (كودورت)، فان تلك الشخصيات التي تلهو على قارعة الطريق، فهي بملامحها الشكلية وما تقوم به من أعمال وأحداث تضفوا إلى مقام التهريج، وبذلك تكون دلالات التهريج في المعنى أو المضمون، وهنا تتم الإشارة إلى أن (المهرج) والمرأة العجوز في هذا النص ينعكس الأمر، هما مهرجان من ناحية الشكل، أما المضمون فيحيل على شتى الدلالات والرموز التي تنبع من ذلك الشكل التهريجي.
المهرج:(تتجمد حركته أيضاً..)(المرأة والمهرج يلتقيان في نظرة معبرة)
المهرج:(يتحرك باتجاه المرأة..) المرأة: لا.. إلا تفهم، ليس الآن.. لننتظر بضع لحظات، لحظات قصيرة في عمر الزمن.. ماذا يغير لو أضفنا هذه اللحظات إلى كل تلك الساعات… والدقائق والأيام والسنين التي ضاعت ونحن ننتظر ؟؟؟؟هذه تضاف إلى تلك، ولن يتغير شيء. ص244
أن استلهام شخصية (المهرج) في هذا النص، يعد معالجة تجريبية في صياغة هذه الشخصية وتقديمها بمفهوم عالمي تجريبي، أن تلك المعالجة تطلبت أكساء ذلك البعد التاريخي لشخصية (المهرج) الممتزج بدلالات الحداثة والرمزية لتفضي الأحداث إلى رمزية (المهرج) العابث، فتسقط المؤلفة تيارات الفلسفة الحديثة على الشخصية، ولاسيما الفلسفة العبثية في النص، الذي تجسد في انتظار المرأة للشخصيات الغائبة التي لم تأتِ ولن تأتي، على الرغم من معرفتها بأنها لا تعود، لسبب بسيط إنها غادرت حياة الدنيا، وحتى في اللحظات الأخيرة تضع المؤلفة إشارة إلى عودتهم، في حين أحكم (المهرج) القبضة على يدها، لتقرع الباب التي انتظرت طيلة المسرحية عودتهم في دلالات رمزية تشير إليها المؤلفة إلى عودة السعادة عودة الأمل، عودة الحرية.
المهرج:( يتقدم نحو المرأة.. يمد يده إليها ..)
المرأة: خذ بيدي.. أنت تعرف الطريق إليهم. يدك ارحم من تلك الأيدي التي رسمت مصيري… وحددت لي دربي تحركي… خذ بيدي، فطالما مددت يدك لكثيرين قبلي.. وقدتهم نحو أحلامهم. (تمسك المرأة بيد المهرج) ما ابرد يدك وما انعم ملمسها..(تبدأ بالحركة ويدها في يد المهرج متجهين نحو الجمهور.
حين يبدأ جرس الباب بالرنين يتوقف المهرج ثم حركة المرأة ما بين الباب والجمهور.. المهرج وجهه باتجاه الجمهور، أما المرأة فوجهها يستدير نصف استدارة باتجاه الباب حيث الجرس مازال مستمراً في رنينه… تحاول أن تندفع لفتح الباب لكن يد المهرج تتشبث بيدها بقوة…) ص247-248
حمل هذا النص مضامين ودلالات تعبيرية فيزيقية (صوتي/جسدي) لشخصية (المهرج) تم توظيفها في النص بالأسلوب الصامت المعبر عن محمولاتها الفكرية، متخذاً منها لغة درامية مشتركه موحدة في دلالاتها ومفهومها في كل زمان ومكان، فضلاً عن الإسقاطات الفلسفية والتجريبية.
الفصل الرابع: النتائج
1- انطلقت فلسفة شخصية (المهرج) من الذات، فكان حاملاً لذاته في فلسفة الصراع الإنساني مع نوازع الحقيقة وما سعت النفس إليه، والتي اشتركت بالموضوع الكوني والذاتي مع الآخر.
2- طرحت المؤلفة شخصية (المهرج) في النص بوصفها أيقونه دلالية معبرة ومتغيرة الرمز، تميزت بالفكر الفلسفي الذي ناقش قضايا العصر بطريقة جدلية وربما خلقت الحلول الاجتماعية، فهي شخصية ناقشت مشكلات العصر.
3- أخذت الشخصية (المهرج) الدور العبثي في النص، فكمن وراءها المعنى الفلسفي، فكان العبث مظهراً من الخارج، أما مضمونها فكان السخرية من رموز سياسية أو اجتماعية.
4- تميزت شخصية (المهرج) بمضمونها الداخلي والخارجي بالفكر الفلسفي من خلال ما لعتبه الشخصية من دور درامي (مهرج) وهو الخارجي، أما التعبير وحالة الإحساس بالواقع الاجتماعي من الداخل، وبذلك كان البوح النفسي هو المصدر للفلسفة الذاتية.
5- استعانت المؤلفة في باللغة الجسدية للشخصية، فوظفتها في النص بالأسلوب الصامت المعبر عن محمولاتها الفكرية، متخذةً منها لغة درامية مشتركه موحدة في دلالاتها ومفهومها في كل زمان ومكان .
6- أخذت شخصية(المهرج) دلالاتها في نصوص الدراما الحديثة على أنها رمز دال على الأوضاع السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية وفي مختلف التوظيفات المسرحية، الصامتة منها أو الناطقة في منظومة دلالية معبرة.
الاستنتاجات:
1- أخذت شخصية (المهرج) أحداثها ومواقفها من نسيج البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية فعالجتها بطريقة مضحكة دلت على السخرية والاستهزاء.
2- كشفت شخصية (المهرج) بدلالاتها المعرفية والفلسفية عن مفارقات المواقف الحياتية وعن تجليات الحقائق الإنسانية التي كانت مضمرة في النفس.
3- أفاضت شخصية (المهرج) في حوارها مؤدية إلى مزج الأفكار أو خلطها بعضها مع البعض الآخر، وكذلك الجد منها بالهزل.
4- شكلت شخصية (المهرج) ظاهرة إنسانية عالمية بفعل التهريج وما قدمته من أفكار فلسفية مست واقع الإنسانية جمعاء حول كينونة الوجود الإنساني وما تشترك فيها من هموم.
5- أثرت وتأثرت شخصية (المهرج) في زمان الأحداث ومكانها وبيئتها، فكانت مؤثرة في سياق الأحداث بفعل دورها التهريجي أو المضحك الهزلي.
الهوامش
(1) أدوين ويلسون، التجربة المسرحية، تر: إيمان حجازي، (القاهرة: أكاديمية الفنون، 2001)، ص348-349.
(2) مولوين ميرشنت، الكوميديا، تر: جعفر صادق خليل، (بيروت: منشورات عويدات، 1980)، ص14.
(3) فيتو باندولفي، تاريخ المسرح،ج1، تر: الأب الياس زحلاوي، (دمشق: وزارة الثقافة والإرشاد القومي،1979)، ص233.
(4) أدوين ويلسون، مصدر سابق، ص356-359.
(6) فاطمة موسى محمود، قاموس المسرح، ج5، (القاهرة: الهيئة المصرية، 2008)، ص1624.
(7) شاكر عبد الحميد، الفكاهة والضحك، (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون، 2003)، ص416.
(5) ماري ألياس وحنان قصاب، المعجم المسرحي، ط2، (بيروت: مكتبة ناشرون، 2006)، ص485-486.
(10) فاطمة موسى محمود، وليم شكسبير شاعر المسرح، (القاهرة: دار الكتاب العربي ، بلا)، ص30.
(11) رينيه ويليك وأوستن وارين، نظرية الأدب، ط3، تر: محي الدين صبحي، (الكويت: المجلس الأعلى، 1962)، ص288-289.
(12) جون لينارد وماري لوكهارست، المرجع في فن الدراما، تر: محمد رفعت يونس،(القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2006)، ص443.
(13) اريك بنتلي، الحياة في الدراما، تر: جبرا إبراهيم جبرا، (بيروت: مؤسسه فرانكلين للطباعة، 1968)، ص50.
(14) محمد كامل حسين، الأدب المسرحي من العصور القديمة والوسطى، (بيروت: وزارة الثقافة، 1960)، ص78.
(15) جورج تومسن، أسخيلوس وأثينا للدراما، تر: صالح جواد كاظم، (بغداد: وزارة الإعلام، 1994)، ص239.
(16) محمد حمدي إبراهيم، نظرية الدراما الإغريقية، (بيروت: مكتبة ناشرون، 1994)، ص119-120.
(17) فؤاد شرقاوي، مقدمة في الأدب اليوناني والروماني، (الإسكندرية: قسم الآثار كلية الآداب، بلا)، ص105.
(18) ذكرى عبد الصاحب، منظومة الماكياج وعملها في تجسيد الشخصيات المسرحية (مسرح الطفل أنموذجاً)، (بغداد: بلا، 2010)، ص73.
(19) صالح سعد، الأنا والآخر، (الكويت: المجلس الوطني للثقافة، 2001)، ص111.
(21) أنطوان معلوف، المدخل إلى المأساة والفلسفة المأساوية، (لبنان: مكتبة ناشرون، الشركة المصرية للطباعة، 2009)، ص121-122.
(22) جميل نصيف التكريتي، قراءة وتأملات في المسرح الإغريقي، (بغداد: وزارة الثقافة والإعلام، 1985)، ص87.
(23) احمد عتمان، “المصادر الكلاسيكية لمسرح شكسبير”، في: مجلة عالم الفكر، العدد(3)، الكويت، وزارة الإعلام ، ديسمبر، 981، ص169.
(24) إبراهيم سكر، الدراما الرومانية، (القاهرة: الهيئة المصرية، 1970)، ص80-82.
(25) توبي كول وهيلين كريش، الممثلون والتمثيل، تر: ممدوح عدوان (دمشق: وزارة الثقافة، 1997)، ص86-87.
(26) جون رسل تيلر، الموسوعة المسرحية، ج1، تر: سمير عبد الرحيم، (بغداد: دار المأمون، 1990)، ص125-126.
(27) مجد القصص، مدخل إلى المصطلحات والمذاهب المسرحية، ط2، (عمان: مطبعة الروزنا، 2007)، ص65.
(28) ذكرى عبد الصاحب، مصدر سابق، ص61.
(29) شلدون تشيني، المسرح في ثلاث آلاف سنة من الدراما والتمثيل والحرفة المسرحية ،ج2، تر: حنا عبود، (دمشق: وزارة الثقافة ،1998)، ص335.
(30) جيمس لافر، الدراما أزياؤها ومناظرها، تر: مجدي فريد (القاهرة: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، بلا)، ص118.
(31) شكري عبد الوهاب، المكان دراسة في تاريخ وتطور خشبة المسرح، (بيروت: المكتب العربي الحديث، 1987)، ص176-178.
(32) شفيق مجلي، “الكوميديا الشكسبيرية”، في: مجلة المسرح ، العدد(4) ، القاهرة، مسرح توفيق الحكيم ، ابريل 1964، ص87-89.
(33) كليف باركر، الألعاب المسرحية معالجة جديدة للتدريب المسرحي، تر: منى سلام، (القاهرة: مهرجان القاهرة الدولي، 2003)، ص10.
(34) شفيق مجلي، مصدر سابق، ص89-90.
(35) جلال جميل وصالح مهدي، “الكوميديا الشكسبيرية على المسرح العراقي (1940-1990)”، في: مجلة الأكاديمي العدد(11)، بغداد، التعليم العالي والبحث العلمي ،1995، ص62-63.
(36) أدوين ويلسون، مصدر سابق، ص371.
(37) مجد القصص، مصدر سابق، ص74.
(38) كينث ميور، شكسبير وراسين وابسن في مراحلهم الأخيرة، تر: عبد الله حسين، (القاهرة: دار الكتاب العربي، 1961)،ص35-36.
(39) مارجوري بولتن، تشريح الدراما، تر: دريني خشبة، (القاهرة: مكتبة الانجلو المصرية، 1962)، ص161.
(40) صلاح نيازي، من مناجيات شكسبير (هاملت.الليدي مكبث. مكبث)، (دمشق: دار المدى ،2010)، ص42-43.
(41) وولتير كير، الملهاة والمأساة، تر: عبد الرحمن أمين مرغلاني، (القاهرة: دار الأمين، 2003)، ص240.
(42) د.سى. ميوميك، المفارقة، تر:عبد الواحد لؤلؤة، (بغداد: دار الرشيد ، 1982)، ص33.
(43) سمير سرحان، المسرح الانكليزي المعاصر، (بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة ، بلا)، ص152.
(44) محمد عوض إبراهيم، في: مقدمة مسرحية كما تهوى (شكسبير)، تر: محمد عوض إبراهيم ، (القاهرة: دار المعارف، بلا)، ص8.
(45) بان كوت، شكسبير معاصرنا، ط2، تر: جبرا إبراهيم جبرا، (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات،1980)، ص152.
(47) نهاد صليحة، شكسبيريات، (القاهرة: الهيئة المصرية، 2005)، ص67-69.
(48) بان كوت، مصدر سابق، ص188-189.
(49) كينث ميور، مصدر سابق، ص32.
(50) مصطفى طه حبيب وسلامه حمادة، شاعر الكون وليم شكسبير،(القاهرة: مكتبة الآداب بالجماميز،1944)،ص65،66.
(51) شفيق مجلي، مصدر سابق، ص90.
(52) نهاد صليحة، مصدر سابق، ص35.
(53) بان كوت، مصدر سابق، ص62-64.
(54) ليف تولستوي، شكسبير والدراما، تر: محمد عبد النجار، (دمشق: دار الحصاد، 1992)، ص56.
(55) سمير سرحان، مصدر سابق، ص152.
(59) أ.س. برادلي، التراجيديا الشكسبيرية، ج2، تر: حنا ألياس، (القاهرة: المؤسسة المصرية العامة، بلا)، ص83-84.
(61) ليف تولستوي، مصدر سابق، ص57.
(62) أ.س. برادلي، مصدر سابق، ص84.
(63) بان كوت، مصدر سابق، ص188.
(64) أ.س.برادلي، مصدر سابق، ص200.
(65) بان كوت، مصدر سابق، ص268-269.
(66) أ.س.برادلي، مصدر سابق، ص85-88.
(67) فاطمة موسى محمود، قاموس المسرح، ج4، مصدر سابق، ص1136.
(68) أندريه فيلبيه، الممثل الكوميدي، تر: محمد مهدي، (القاهرة: الهيئة المصرية، 2007)، ص38.
(69) كليف باركر، مصدر سابق، ص10
(70) أندريه فيلبيه، مصدر سابق، ص86-87.
(73) ليون شانصوريل، تاريخ المسرح، تر: خليل شرف الدين، (بيروت: منشورات عويدات،1960)، ص162.
(75) ف. م. مولاتولي، موليير، تر: يوسف إبراهيم، (دمشق: دار حوران للدراسات، 1994)، ص74،75.
(76) شلدون تشيني، مصدر سابق، ص495.
(77) فاطمة موسى، قاموس المسرح، ج2، مصدر سابق، ص695.
(78) مارجوري بولتن، مصدر سابق، ص66.
(79) صلاح عبد المجيد، في مقدمة مسرحية المهرجون وقصة فيلادلفا، فيليب باري، تر: صلاح عبد المجيد، (الكويت: وزارة الإعلام، 1974)، ص17-18.
(90) فاطمة موسى محمود، قاموس المسرح، ج5، مصدر سابق، ص1624.
(92) فاطمة موسى محمود، قاموس المسرح، ج1، مصدر سابق، ص199-200.
(93) سمير سرحان، مصدر سابق، ص99-100.
(94) توم ستوبارد، البهلوانات، تر: سمير سرحان، (القاهرة: الهيئة المصرية ، 1986)، ص182-185.
· . عواطف نعيم وآخرون، مسرحيات عراقية، مسرحية المهرج، (القاهرة: دار عشتار للنشر، 1998).
قائمة المصادر والمراجع
أولاً: المعاجم والقواميس والموسوعات:
| 1 | تيلر(جون رسل). الموسوعة المسرحية. ج1، تر: سمير عبد الرحيم. بغداد: دار المأمون، 1990. |
| 2 | محمود(فاطمة موسى). قاموس المسرح ،ج1،ج2،ج4، ج5. القاهرة: الهيئة المصرية، 2008. |
| 3 | ألياس(ماري) وحنان قصاب حسن. المعجم المسرحي. ط2. بيروت: مكتبة ناشرون، 2006. |
ثانياً: الكتب
| 4 | إبراهيم(محمد حمدي). نظرية الدراما الإغريقية. بيروت: مكتبة ناشرون، 1994. |
| 5 | باركر(كليف). الألعاب المسرحية معالجة جديدة للتدريب المسرحي. تر: منى سلام. القاهرة: مهرجان القاهرة الدولي، 2003. |
| 6 | باندولفي(فيتو). تاريخ المسرح. ج1. تر: الأب ألياس زحلاوي. دمشق: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، 1979. |
| 7 | برادلي(أ.س). التراجيديا الشكسبيرية. ج2. تر: حنا ألياس. القاهرة: المؤسسة المصرية العامة، بلا. |
| 8 | بنتلي(اريك). الحياة في الدراما. تر: جبرا إبراهيم جبرا. بيروت: مؤسسه فرانكلين للطباعة، 1968. |
| 9 | بولتن(مارجوري). تشريح الدراما. تر: دريني خشبة. القاهرة: مكتبة الانجلو المصرية، 1962. |
| 10 | تشيني(شلدون). المسرح في ثلاث آلاف سنة من الدراما والتمثيل والحرفة المسرحية. ج2. تر: حنا عبود. دمشق: وزارة الثقافة المعهد العالي للفنون، 1998. |
| 11 | التكريتي(جميل نصيف). قراءة وتأملات في المسرح الإغريقي. بغداد: وزارة الثقافة والإعلام، 1985. |
| 12 | تولستوي(ليف). شكسبير والدراما. تر: محمد عبد النجار. دمشق: دار الحصاد، 1992. |
| 13 | تومسن(جورج). أسخيلوس وأثينا. تر: صالح جواد كاظم. بغداد: وزارة الإعلام، 1975. |
| 14 | حبيب(مصطفى طه) وسلامة حمادة. شاعر الكون وليم شكسبير. القاهرة: مكتبة الآداب بالجماميز،1944. |
| 15 | حسين(محمد كامل). الأدب المسرحي من العصور القديمة والوسطى. بيروت: وزارة الثقافة، 1960. |
| 16 | سرحان(سمير). المسرح الانكليزي المعاصر. بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، بلا. |
| 17 | سعد(صالح). الأنا – الآخر(ازدواجية الفن التمثيلي). الكويت: المجلس الوطني للثقافة، 2001. |
| 18 | سكر(إبراهيم). الدراما الرومانية. القاهرة: الهيئة المصرية، 1970. |
| 19 | شانصوريل(ليون). تاريخ المسرح. تر: خليل شرف الدين. بيروت: منشورات عويدات،1960. |
| 20 | شرقاوي( فؤاد). مقدمة في الأدب اليوناني والروماني. الإسكندرية: منشورات قسم الآثار كلية الآداب، بلا. |
| 21 | صليحة(نهاد).. شكسبيريات. القاهرة: الهيئة المصرية، 2005. |
| 22 | عبد الحميد(شاكر). الفكاهة والضحك. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون، 2003. |
| 23 | عبد الصاحب(ذكرى). منظومة الماكياج وعملها في تجسيد الشخصيات المسرحية (مسرح الطفل أنموذجاً). بغداد: بلا ،2010. |
| 24 | عبد الوهاب(شكري). المكان دراسة في تاريخ تطور خشبة المسرح. بيروت: المكتب العربي الحديث، 1987. |
| 25 | فيلبيه(أندريه). الممثل الكوميدي. تر: محمد مهدي. القاهرة: الهيئة المصرية، 2007. |
| 26 | القصص(مجد). مدخل إلى المصطلحات والمذاهب المسرحية. ط2. عمان: مطبعة الروزنا، 2007. |
| 27 | كوت(بان). شكسبير معاصرنا. ط2. تر: جبرا إبراهيم جبرا. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات، 1980. |
| 28 | كول(توبي) وهيلين كريش. الممثلون والتمثيل . تر: ممدوح عدوان. دمشق: وزارة الثقافة، 1997. |
| 29 | كير(وولتير). الملهاة والمأساة. تر: عبد الرحمن أمين مرغلاني. القاهرة: دار الأمين، 2003. |
| 30 | لافر(جيمس). الدراما أزياؤها ومناظرها. تر: مجدي فريد. القاهرة: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، بلا. |
| 31 | لينارد(جون) وماري لوكهارست. المرجع في فن الدراما. تر: محمد رفعت يونس. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2006. |
| 32 | محمود(فاطمة موسى). وليم شكسبير شاعر المسرح. القاهرة: دار الكتاب العربي، بلا. |
| 33 | معلوف(أنطوان). المدخل إلى المأساة والفلسفة المأساوية. لبنان: مكتبة ناشرون.الشركة المصرية للطباعة, 2009. |
| 34 | مولاتولي(ف . م) موليير. تر: يوسف إبراهيم. دمشق: دار حوران للدراسات، 1994. |
| 35 | ميرشنت(مولوين). الكوميديا. تر: جعفر صادق خليل. بيروت: منشورات عويدات،1980. |
| 36 | ميور(كينث). شكسبير وراسين وابسن في مراحلهم الأخيرة. تر: عبد الله حسين. القاهرة: دار الكتاب العربي، 1961. |
| 37 | ميوميك(د. سي). المفارقة. تر: عبد الواحد لؤلؤة. بغداد: دار الرشيد، 1982. |
| 38 | نيازي(صلاح). من مناجيات شكسبير (هاملت.الليدي مكبث. مكبث). دمشق: دار المدى، 2010. |
| 39 | ويلسون(أدوين). التجربة المسرحية. تر: إيمان حجازي. القاهرة: منشورات أكاديمية الفنون، 2001. |
| 40 | ويليك(رينيه) وأوستن وارين. نظرية الأدب. ط3 تر: محي الدين صبحي. الكويت: المجلس الأعلى، 1962. |
ثالثا: المجلات والدوريات
| 41 | جميل(جلال) وصالح مهدي. الكوميديا الشكسبيرية على المسرح العراقي (1940-1990). في: مجلة الأكاديمي. العدد(11). بغداد. منشورات التعليم العالي والبحث العلمي، 1995. |
| 42 | عتمان(احمد). المصادر الكلاسيكية لمسرح شكسبير. في: مجلة عالم الفكر. العدد(3). الكويت وزارة الإعلام. ديسمبر،1981. |
| 43 | مجلي(شفيق). الكوميديا الشكسبيرية. في: مجلة المسرح. العدد(4). القاهرة. مسرح توفيق الحكيم، 1964. |
رابعاً: المسرحيات
| 44 | باري(فيليب). مسرحية المهرجون وقصة فيلادلفا. تر: صلاح عبد المجيد. الكويت: منشورات وزارة الإعلام، 1974. |
| 45 | ستوبارد(توم). البهلوانات. تر: سمير سرحان. القاهرة: الهيئة المصرية، 1986. |
| 46 | محمد(عوض إبراهيم). في: مقدمة مسرحية كما تهوى (شكسبير). تر: محمد عوض إبراهيم. القاهرة: دار المعارف، بلا. |
| 47 | نعيم(عواطف) وآخرون. مسرحيات عراقية، مسرحية المهرج. القاهرة: دار عشتار للنشر، 1998. |






