التنوير المؤدلج وتحولات السلطة النقدية – صالح سليمان عبد العظيم

مقاربة سوسيولوجية للمشروع الفكري لــ “جابر عصفور”
مقدمة
يصعب إدراج جابر عصفور في خانة واحدة من خانات الفعل الثقافي العربي المعاصر. فهو، من جهة، ناقد أكاديمي تَشكَّل وعيه داخل الجامعة، واشتغل مبكرا على التراث النقدي والبلاغي العربي. وهو، من جهة ثانية، مثقف حداثي جعل من التنوير والعقلانية والحرية مفردات مركزية في خطابه. وهو، من جهة ثالثة، فاعل مؤسسي ارتبط اسمه بعدد من المواقع المؤثرة في إنتاج الثقافة وتداولها، من الجامعة إلى المجلة المتخصصة، ومن المجلس الأعلى للثقافة إلى المركز القومي للترجمة ووزارة الثقافة. بهذا المعنى لا تحيل تجربة عصفور إلى مسار فردي في التأليف والنقد فحسب، بل إلى نمط من المثقف الذي يجمع بين المعرفة، والمنبر، والمؤسسة، والقدرة على صناعة الاعتراف.
تنبع أهمية عصفور من هذا التداخل ذاته. فكتبه لا تُقرأ قراءة وافية إذا عُزلت عن موقعه داخل الحقل الثقافي، كما أن موقعه المؤسسي لا يُفهم على حقيقته إذا فُصل عن تصوره النظري للتراث والحداثة والتنوير. لقد كان حضوره أوسع من حضور ناقد ينجز دراسات في الأدب؛ إذ ساهم، عبر الكتابة والتدريس والتحرير والإدارة الثقافية، في ترسيخ لغة نقدية مخصوصة أصبحت جزءا من المعجم الحداثي العربي في العقود الأخيرة. ومن ثم فإن دراسة إنتاجه تقتضي النظر إليه بوصفه بنية فكرية وثقافية مركبة، لا بوصفه مجموعة مؤلفات متفرقة.
تبدو ملامح هذا المسار واضحة منذ أعماله الأولى. ففي الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي ومفهوم الشعر ينصرف عصفور إلى التراث النقدي العربي، لا بوصفه مادة محفوظة للتلخيص والاستعادة، بل بوصفه مجالا قابلا لإعادة القراءة في ضوء أسئلة النقد الحديث. وقد أتاح له هذا الاشتغال أن يكشف عن طاقة نظرية وجمالية داخل البلاغة والنقد القديمين، وأن يقدم نفسه باحثا متمكنا من أدوات الدرس التراثي ومنفتحا في الوقت نفسه على مناهج حديثة في التحليل والتأويل.
غير أن هذا الانشغال بالتراث لم يبق محصورا في دائرته الأكاديمية الأولى. ففي أعمال لاحقة مثل قراءة التراث النقدي وغواية التراث أخذت العلاقة بالماضي منحى أكثر إشكالية، إذ لم يعد التراث موضوعا معرفيا فحسب، بل صار طرفا في جدل أوسع حول الحداثة، والعقل، وإمكان النهضة. هنا يبدأ الخيط الناظم في تجربة عصفور في الظهور: قراءة التراث ليست عودة إليه، بل مساءلة له؛ وليست استعادة بريئة للماضي، بل إعادة إدخاله في أفق الحداثة.
ويتأكد هذا الاتجاه في انتقاله إلى الحداثة الأدبية، ولا سيما في كتبه عن الرواية والشعر الحديث. ففي زمن الرواية والرواية والاستنارة ورؤى العالم لا يتعامل عصفور مع الأدب بوصفه بناء جماليا مغلقا، بل بوصفه تعبيرا عن تحولات اجتماعية وثقافية عميقة. فالرواية عنده ليست مجرد جنس أدبي صاعد، بل علامة على انتقال في الوعي: من الواحد إلى المتعدد، ومن الصوت المفرد إلى تعدد الأصوات، ومن البنية التقليدية إلى فضاء المدينة والفرد والصراع الاجتماعي. وهكذا تصبح الحداثة الأدبية لديه مدخلا إلى تصور أشمل للحداثة الثقافية.
أما في كتاباته التنويرية، فإن هذا المسار يبلغ ذروته الصريحة. فكتب مثل التنوير يواجه الإظلام، محنة التنوير، دفاعا عن التنوير، هوامش على دفتر التنوير، أنوار العقل، ضد التعصب، ونقد ثقافة التخلف تنقل عصفور من دائرة النقد الأدبي إلى فضاء المعركة الثقافية المباشرة. في هذه المرحلة لا يعود السؤال الأدبي منفصلا عن سؤال الدين والدولة والمجتمع والحرية والعقل. كما لا يعود التراث مجرد مادة للقراءة، بل يتحول إلى ساحة صراع بين تأويلات متعارضة: تأويل حداثي يريد تحرير العقل، وتأويل محافظ يراه عصفور امتدادا لثقافة الاتباع والانغلاق.
ولا يمكن فهم اتساع أثر هذا الخطاب من غير الانتباه إلى السياق المؤسسي الذي تحرك فيه عصفور. فقد ارتبط اسمه بجامعة القاهرة، وبمجلة فصول في لحظة مهمة من تاريخ النقد الأدبي العربي، وبالمجلس الأعلى للثقافة، وبالمركز القومي للترجمة، وبوزارة الثقافة. هذه المواقع لم تصنع أفكاره، لكنها وفرت لها مجالا واسعا للتداول والتكريس. فقد خرجت مقولاته من صفحات الكتب إلى الندوات والمؤتمرات وسلاسل النشر ومشروعات الترجمة واللجان الثقافية وشبكات التلقي الأكاديمي. لذلك لم يكن خطاب عصفور خطابا نظريا محدود التداول، بل أصبح جزءا من بنية ثقافية أوسع أسهمت في تشكيل الذائقة النقدية الحديثة في مصر والعالم العربي.
من هذه الزاوية، تبدو قراءة عصفور قراءة في مسار متكامل تتصل حلقاته بعضها ببعض. فـالصورة الفنية لا تنفصل عن مفهوم الشعر وقراءة التراث النقدي، لأن هذه الكتب جميعا تكشف عن طريقة مخصوصة في مساءلة التراث. وزمن الرواية لا ينفصل عن الرواية والاستنارة ورؤى العالم، لأنها تجعل الأدب الحديث شاهدا على تحول ثقافي أعمق. أما هوامش على دفتر التنوير وأنوار العقل ودفاعا عن التنوير فتجسد الانتقال من النقد بوصفه ممارسة معرفية إلى التنوير بوصفه موقفا أيديولوجيا وثقافيا.
تكمن إشكالية هذا المسار في أن عصفور، على الرغم من اتساع معرفته وقوة حضوره النقدي، لم يكن محايدا في اختياراته المرجعية. فهو يدافع عن العقل، غير أن العقل في خطابه يقترب في مواضع كثيرة من العقل الحداثي الذي يضع التراث والدين موضع المحاكمة. ويدافع عن التنوير، لكن التنوير عنده غالبا ما يستحضر النموذج الأوروبي وصراعه التاريخي مع الكنيسة والسلطة الدينية، أكثر مما يستند إلى إمكانات التجديد المنبثقة من داخل البنية الإسلامية نفسها. ويدعو إلى قراءة التراث، إلا أن هذه القراءة تميل أحيانا إلى تحويل التراث إلى موضوع للمساءلة الحداثية، لا إلى اعتباره مصدرا قابلا للإحياء والاجتهاد من داخله. كما يتبنى مفهوم الدولة المدنية، وهو مفهوم يحتاج في خطابه إلى تدقيق مستمر حتى لا يختلط رفض الكهنوت والاستبداد بتحييد المرجعية الدينية من المجال العام.
لذلك لا تنطلق هذه الدراسة من إنكار القيمة العلمية لجابر عصفور، ولا من الرغبة في اختزال إنتاجه في موقف أيديولوجي مضاد. إنها تسعى، بالأحرى، إلى قراءة التوترات الداخلية في تجربته: بين الباحث الأكاديمي والمثقف المحارب، بين استدعاء التراث ومساءلته، بين الدفاع عن العقل وإحلال العقل الحداثي محل المرجعية الدينية، بين مقاومة التعصب وتوسيع الاشتباه في التدين المحافظ، وبين نقد السلطة التقليدية وتشكيل سلطة ثقافية جديدة تستند إلى المؤسسة والخطاب وشبكات الاعتراف.
وعليه، تقوم هذه الدراسة على أطروحة رئيسة مفادها أن جابر عصفور أنجز مشروعا حداثيا واسع الأثر في النقد والتنوير، غير أن هذا المشروع ظل مأزوما في أساسه المرجعي؛ لأنه جعل الحداثة، في كثير من المواضع، معيارا لإعادة فهم التراث والدين، بدلا من أن يجعل الوحي والتراث والعقل الإسلامي عناصر متداخلة في بناء نهضة معاصرة. ليست المشكلة إذن في دعوته إلى العقل، ولا في رفضه للتعصب، ولا في دفاعه عن الترجمة والأدب الحديث، وإنما في الصيغة التي أعاد بها تعريف هذه القيم، وفي الثنائيات التي حكمت خطابه: التنوير في مواجهة الإظلام، العقل في مواجهة النقل، الحداثة في مواجهة التراث، المدنية في مواجهة الدينية، والحرية في مواجهة المحافظة. وقد منحت هذه الثنائيات خطابه قوة وانتشارا، لكنها اختزلت في الوقت نفسه تعقيد العلاقة بين الإسلام والحداثة، وبين التراث والتجديد، وبين العقل والوحي.
1- التراث بين القراءة العلمية والتوظيف الحداثي
تبدو علاقة جابر عصفور بالتراث علاقة مركبة لا يصح اختزالها في الرفض أو القبول. فهو لم يدخل إلى التراث بوصفه خصما مباشرا له، ولم يتعامل معه تعامل الهاوي الذي يكتفي بالأحكام العامة، بل اقترب منه في بداياته باحثا أكاديميا يمتلك أدوات القراءة والتحليل، ويعي طبيعة المادة النقدية والبلاغية التي يشتغل عليها. لذلك يمكن القول إن المرحلة الأولى من مشروعه، ولا سيما في كتابيه الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي ومفهوم الشعر، تمثل أكثر مراحله تماسكا من الناحية العلمية؛ إذ ينصرف فيها إلى دراسة المفاهيم النقدية القديمة، وإلى إعادة بناء أسئلتها الداخلية، مستفيدا من مناهج النقد الحديث من غير أن يقطع صلته المباشرة بالنصوص التراثية. وهذه النقطة بالغة الأهمية؛ لأنها تميز عصفور في بداياته عن نمط آخر من الحداثيين الذين تعاملوا مع التراث من خارجه، أو جعلوه موضوعا للإدانة قبل الفهم.
في الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي يشتغل عصفور على مفهوم دقيق هو “الصورة الفنية”، محاولا تتبع حضوره في البلاغة والنقد العربيين. ولا يقرأ الصورة باعتبارها زخرفا بلاغيا أو عنصرا جماليا جزئيا فحسب، بل باعتبارها مدخلا إلى فهم طبيعة التصور الجمالي عند النقاد والبلاغيين العرب. ومن ثم فإن أهمية هذا الكتاب لا تعود فقط إلى موضوعه، بل إلى طريقته في التعامل مع التراث النقدي بوصفه مجالا قابلا للتحليل النظري. فهو يحاول أن يكشف أن النقد العربي القديم لم يكن مجرد أحكام ذوقية متفرقة، بل كان يحتوي على إمكانات مفهومية يمكن إعادة قراءتها في ضوء أسئلة النقد الحديث.
ويتواصل هذا المسار في مفهوم الشعر، حيث ينتقل عصفور من دراسة الصورة إلى دراسة التصور النظري للشعر في التراث العربي. هنا لا يكتفي بجمع آراء النقاد القدامى، بل يسعى إلى فهم الشروط التي أنتجت مفهوم الشعر، والمعايير التي حكمت النظر إليه، والحدود التي رسمت العلاقة بين الشعر واللغة والخيال والمعنى. وفي هذا الاشتغال يظهر عصفور باحثا معنيا ببنية المفهوم لا بمجرد تاريخه. إنه يسأل: كيف تشكل مفهوم الشعر؟ وما الذي اعتبره القدماء جوهرا شعريا؟ وما العلاقة بين البلاغة والنقد في إنتاج هذا التصور؟ هذه الأسئلة تكشف أن عصفور في هذه المرحلة لا يتعامل مع التراث تعاملا سجاليا، بل تعاملا تحليليا يحاول استخراج منطقه الداخلي.
غير أن هذه القوة الأكاديمية لا تخلو من إشكال مبكر. فالملاحظة التي يمكن تسجيلها هنا أن التراث عند عصفور، حتى في لحظات الإنصاف العلمي، لا يُترك دائما لكي يتكلم من داخل شروطه الخاصة، بل يعاد إدخاله في أفق سؤال حداثي سابق عليه. وهذا ليس عيبا في ذاته؛ إذ لا توجد قراءة معاصرة للتراث بلا أسئلة معاصرة. لكن المسألة تصبح إشكالية عندما تتحول الأسئلة الحديثة إلى معيار وحيد للتقييم، فيغدو التراث جديرا بالاعتبار بقدر ما يقترب من مفاهيم الحداثة، أو بقدر ما يقدّم شاهدا على وجود عقلانية مبكرة، أو نزعة نقدية، أو قابلية للتحديث. عندئذ لا يعود التراث موضوعا للفهم فحسب، بل يتحول إلى مادة تُنتقى منها العناصر التي تصلح لدعم خطاب حاضر.
من هنا يمكن فهم تطور علاقة عصفور بالتراث في أعمال لاحقة مثل قراءة التراث النقدي وغواية التراث واستعادة الماضي. ففي هذه النصوص لا يبقى التراث مادة أكاديمية محددة، بل يتحول إلى قضية ثقافية أوسع. لم يعد السؤال: كيف فهم النقاد القدامى الصورة أو الشعر؟ بل صار السؤال: كيف نتعامل نحن مع التراث؟ هل نستعيده؟ هل نتجاوزه؟ هل نعيد تأويله؟ هل يمثل طاقة بناء أم قوة جذب تشد الوعي إلى الماضي؟ هذه النقلة من الدرس المفهومي إلى السؤال الثقافي العام تكشف عن تحول مهم في مشروع عصفور؛ إذ صار التراث طرفا في معركة الحداثة، لا مجرد موضوع في تاريخ النقد.
في غواية التراث تحديدا يبرز هذا التحول بوضوح. فالعنوان نفسه دال؛ إذ لا يتحدث عن “قيمة التراث” أو “حيوية التراث”، بل عن “غوايته”. والغواية هنا تحمل معنى مزدوجا: فهي تشير من جهة إلى جاذبية الماضي وقدرته على استدعاء الوعي، لكنها تشير من جهة أخرى إلى خطر الاستسلام لهذه الجاذبية. بهذا المعنى يصبح التراث عند عصفور قوة ملتبسة: لا يمكن تجاهلها، لكن لا ينبغي الارتهان لها. هو ذاكرة ضرورية، ولكنه قد يتحول إلى أسر. وهو مجال للقراءة، ولكنه قد يغدو سلطة تعيق حركة العقل. ومن هنا تظهر حساسية موقفه؛ فهو لا يلغي التراث، لكنه يتعامل معه بحذر شديد، وكأن العلاقة به لا بد أن تمر دائما عبر وسيط نقدي حداثي يضبطها ويمنعها من التحول إلى تبعية للماضي.
أما استعادة الماضي فيحمل بدوره دلالة مشابهة؛ فالماضي لا يستعاد عند عصفور بوصفه مرجعية مكتملة، بل بوصفه مادة قابلة لإعادة البناء. فالاستعادة هنا ليست عودة مباشرة، وإنما استعادة مشروطة بالتأويل. وهذا يعني أن الماضي لا يعود إلى الحاضر كما كان، بل يعود بعد أن يعاد ترتيبه وفق حاجات الحاضر وأسئلته. وهذا المنهج قد يكون مفيدا إذا كان المقصود به تحرير الوعي من التقديس غير النقدي، لكنه يصبح موضع مساءلة إذا أدى إلى إخضاع الماضي كله لمنطق الحاضر الحداثي، بحيث لا يبقى من التراث إلا ما يقبل الاندماج في مشروع التحديث.
وتزداد هذه المسألة وضوحا في كتابه المرايا المتجاورة: دراسة في نقد طه حسين. فاختيار طه حسين ليس مجرد اختيار لموضوع نقدي، بل هو اختيار لنموذج ثقافي. فطه حسين، في المخيال الحداثي العربي، يمثل صورة المثقف الذي واجه السلطة التقليدية باسم المنهج، والعقل، والحرية، والحق في السؤال. ولذلك تبدو قراءة عصفور لطه حسين امتدادا لرغبته في بناء نسب تنويري عربي. إنه لا يقرأ طه حسين فقط بوصفه ناقدا أو أديبا، بل بوصفه لحظة مؤسسة في معركة الحداثة العربية. ومن ثم فإن حضور طه حسين في مشروع عصفور يكشف عن النموذج الذي يستبطنه: نموذج المثقف الذي يضع التراث موضع الفحص، ولا يقبل سلطته إلا بعد إخضاعها للعقل والمنهج.
وهنا يظهر جانب آخر من علاقة عصفور بالتراث، وهو بناء سلسلة رمزية للتنوير العربي. ففي كتاباته يحضر، صراحة أو ضمنا، عدد من الأسماء التي تمثل عنده امتدادا لهذا المسار: رفاعة الطهطاوي، محمد عبده، فرح أنطون، طه حسين، علي عبد الرازق، نجيب محفوظ، وغيرهم. غير أن هذه السلسلة، على أهميتها، تثير إشكالا منهجيا؛ لأنها تُقرأ في كثير من الأحيان كما لو كانت خطا واحدا متصلا يقود بالضرورة إلى الحداثة كما يفهمها عصفور. والحال أن هذه الشخصيات لا تنتمي إلى موقف واحد من الدين والتراث والغرب والدولة. فمحمد عبده، مثلا، لا يمكن اختزاله في عقلانية حداثية بالمعنى العلماني؛ لأنه كان إصلاحيا من داخل المرجعية الإسلامية. ورفاعة الطهطاوي كان معنيا بالتوفيق بين الوافد الحديث والبنية الإسلامية لا بإحلال الأول محل الثانية. أما فرح أنطون وطه حسين وعلي عبد الرازق فلكل منهم موقع مختلف في تاريخ السجال بين الدين والحداثة. جمع هذه الأسماء في خط تنويري واحد يؤدي أحيانا إلى تبسيط تاريخ النهضة، وإلى تحويله إلى سردية حداثية انتقائية.
من هنا يمكن القول إن المأخذ الجوهري على عصفور لا يتمثل في اهتمامه بالتراث، ولا في استعماله أدوات حديثة في قراءته، بل في الطريقة التي يتحول بها التراث عنده إلى مادة داخل مشروع حداثي سابق التحديد. فهو ينتقي من التراث ومن تاريخ النهضة ما يعزز صورة العقل التنويري، ويمنح أهمية خاصة للنماذج التي واجهت السلطة التقليدية أو أعادت تأويل الماضي، بينما يقل اهتمامه بالعناصر التي تؤكد مركزية الوحي، أو فاعلية علوم الشريعة، أو قدرة المناهج الإسلامية الداخلية على التجدد. وهذا لا يسقط القيمة العلمية لقراءته، لكنه يوجب التعامل معها بوصفها قراءة منحازة، لا قراءة محايدة.
فالقارئ لعصفور يلاحظ أنه يميل إلى إبراز اللحظات التي يمكن توظيفها في بناء سردية التنوير: لحظة السؤال، لحظة التمرد على الاتباع، لحظة نقد السلطة التقليدية، لحظة الانفتاح على الغرب، لحظة الدفاع عن العقل. لكنه لا يمنح الوزن نفسه للحظات أخرى لا تقل أهمية في تشكيل العقل العربي الإسلامي: لحظة ضبط الدلالة في علم أصول الفقه، لحظة التمييز بين القطعي والظني، لحظة بناء مناهج الحديث، لحظة المقاصد، لحظة الاجتهاد المنضبط، لحظة الجمع بين النص والعقل داخل العلوم الإسلامية. وبهذا يغدو التراث في قراءته أقرب إلى ساحة يُبحث فيها عن سوابق للحداثة، لا إلى بنية معرفية متكاملة لها شروطها الخاصة.
وتزداد خطورة هذا المنحى عندما يغيب التمييز بين طبقات التراث. فالتراث العربي الإسلامي ليس كتلة واحدة. فيه الوحي، وفيه علوم فهم الوحي، وفيه الفقه، وفيه الكلام، وفيه التصوف، وفيه الفلسفة، وفيه الأدب، وفيه السياسة، وفيه التاريخ الاجتماعي، وفيه عادات الناس وتقاليدهم. ولا يصح منهجيا أن تُعامل هذه المستويات جميعا بالمنطق نفسه. فالوحي ليس كالتاريخ السياسي، وعلم أصول الفقه ليس كالعادات الاجتماعية، واجتهادات الفقهاء ليست كالنصوص المؤسسة، وتجربة السلطان في التاريخ الإسلامي ليست هي الشريعة ذاتها. فإذا غاب هذا التمييز، فإن نقد التراث قد ينزلق بسهولة من نقد الاجتهاد البشري إلى مساءلة المرجعية الدينية، ومن نقد التاريخ إلى تحييد النص، ومن نقد الفقيه إلى تهميش الفقه، ومن نقد الجمود إلى التشكيك في بنية العلوم الإسلامية نفسها.
وهذه هي النقطة الأكثر حساسية في قراءة عصفور وما يشبهها من قراءات حداثية عربية. فهي تبدأ غالبا من موقع يبدو مشروعا: رفض الجمود، ونقد التكرار، ومواجهة الاتباع، وإعادة فتح باب السؤال. غير أنها قد تنتهي، إذا لم تضبط حدودها، إلى نقل مركز الشرعية من الداخل إلى الخارج؛ أي من الوحي واللغة والعلوم الإسلامية إلى الحداثة ومناهجها. وعندئذ لا يعود التجديد تجديدا من داخل البنية، بل إعادة تشكيل لها وفق معيار وافد. والنتيجة ليست إحياء التراث، بل إنتاج علاقة قلقة معه: نحتاجه بوصفه ذاكرة، ونخافه بوصفه سلطة؛ نستحضره بوصفه مادة، ولا نطمئن إليه بوصفه مرجعية.
ومن منظور نقدي إسلامي، لا يمكن قبول هذا المسار على إطلاقه. فالتجديد لا يعني إخضاع التراث لمنطق الحداثة الغربية، ولا يعني كذلك تكرار التراث كما هو. التجديد الحق يبدأ من التمييز: بين الوحي والاجتهاد، بين الأصل والتطبيق، بين الثابت والمتغير، بين النص وتاريخ تلقيه، بين العلم الشرعي وتوظيفه السياسي، بين نقد الانحراف ونقض المرجعية. وبهذا المعنى يصبح التراث مجالا للعمل لا عبئا، ومصدرا للتجديد لا مجرد مادة للتفكيك.
إن قراءة عصفور للتراث تظل مهمة لأنها نبهت إلى ضرورة الخروج من التلقي الساكن، وحاولت أن تكشف إمكانات نظرية وجمالية داخل النقد العربي القديم. لكنها، في الوقت نفسه، تظل قراءة محتاجة إلى نقد لأنها جعلت الحداثة في كثير من الأحيان هي الأفق الذي يُستدعى التراث إليه ويُختبر في ضوئه. وهذا هو جوهر الإشكال: التراث لا يُرفض، لكنه لا يُقبل إلا بعد أن يصبح قابلا للاندراج في مشروع التنوير الحداثي. ومن ثم فإن قيمته لا تُستمد من بنيته الذاتية ولا من موقعه في تشكيل العقل الإسلامي، بل من مدى قابليته لأن يصبح شاهدا على الحداثة أو سندا لها.
وبذلك يمكن تلخيص الموقف في أن عصفور قدم قراءة علمية ذات قيمة للتراث النقدي، غير أنه حول هذه القراءة تدريجيا إلى جزء من مشروع حداثي أوسع. ففي مستوى البحث الأكاديمي كان التراث موضوعا للفهم والتحليل، أما في مستوى المشروع الثقافي فقد أصبح موضوعا للتوظيف والمساءلة. وبين المستويين تقع الإشكالية الأساسية: كيف يمكن الإفادة من أدوات عصفور في قراءة التراث من غير الوقوع في انحيازه الحداثي؟ وكيف يمكن نقد الجمود من غير تحويل الحداثة إلى سلطة حاكمة على التراث؟ وكيف يمكن استعادة الماضي من غير أن يصبح الماضي أسيرا لأسئلة الحاضر وحدها؟ هذه الأسئلة هي التي تجعل دراسة علاقة عصفور بالتراث ضرورية لفهم مشروعه كله.
2- الحداثة الأدبية: من التحليل الجمالي إلى الأيديولوجيا الثقافية
يمثل اهتمام جابر عصفور بالرواية منعطفا مهما في مشروعه النقدي؛ إذ انتقل من الانشغال بالتراث البلاغي والنقدي والشعري إلى التعامل مع الرواية بوصفها أحد أبرز الأجناس الأدبية تعبيرا عن تحولات العصر الحديث. ففي كتابه زمن الرواية تتبلور أطروحة مركزية مفادها أن الرواية أصبحت الفن الأقدر على تمثيل العالم الحديث، بما يحمله من تعقيد اجتماعي، وتعدد في الأصوات، واتساع في التجربة الإنسانية، وتشابك بين الفرد والجماعة، والمدينة والسلطة، والطبقة والوعي.
ولا تنبع أهمية هذه الأطروحة من كونها دفاعا عن الرواية فحسب، بل من كونها محاولة لإعادة ترتيب سلم القيم الأدبية في الثقافة العربية الحديثة. فقد سعت إلى زحزحة التصور التقليدي الذي يمنح الشعر مكانة مركزية مطلقة، ويجعله الجنس الأدبي الأعلى والأكثر قدرة على التعبير عن الوجدان العربي. ومن هذه الزاوية، أسهم عصفور في ترسيخ مكانة الرواية داخل الخطاب النقدي العربي، وفي فتح المجال أمام قراءة السرد بوصفه بنية فنية ومعرفية قادرة على استيعاب التحولات الكبرى في المجتمع والثقافة.
غير أن قوة هذا التصور لا تمنع من مساءلته نقديا. فالرواية عند عصفور لا تُقرأ باعتبارها شكلا أدبيا فحسب، وإنما تتحول في كثير من الأحيان إلى دلالة حضارية على دخول الثقافة العربية أفق الحداثة. وبذلك لا يعود تطور الرواية مجرد تطور في أدوات السرد أو تقنياته، بل يصبح علامة على تغير أعمق في الوعي، وفي علاقة الإنسان بالعالم، وفي طريقة النظر إلى المجتمع والتاريخ. ويتضح هذا المعنى بصورة أكبر في كتابه الرواية والاستنارة، حيث يربط بين السرد الروائي وقيم التنوير، فيجعل الرواية وسيطا لإنتاج وعي نقدي تعددي، لا يكتفي بعكس الواقع، بل يسهم في إعادة تشكيله وكشف تناقضاته.
ويمتد هذا الربط بين الشكل الأدبي والرؤية الفكرية إلى أعمال أخرى، مثل رؤى العالم: عن تأسيس الحداثة العربية في الشعر، حيث لا ينظر عصفور إلى الحداثة الفنية على أنها مجرد تجديد في اللغة أو الصورة أو البناء، بل يراها تعبيرا عن رؤية شاملة للوجود والإنسان والتاريخ. ومن ثم يصبح العمل الأدبي، في منظوره، أكثر من نص جمالي؛ إنه حامل لرؤية كونية، ومؤشر على موقع الثقافة من أسئلة الحرية والعقل والتقدم.
ومع أن هذا التصور يمتلك قدرا واضحا من الجاذبية النظرية، إلا أنه ينطوي على إشكال جوهري يتمثل في الميل إلى المطابقة بين الحداثة الفنية والتقدم الحضاري. فليس كل شكل أدبي حديث أكثر عمقا أو إنسانية من الأشكال القديمة، كما أن الخروج على القوالب التراثية لا يعني بالضرورة تحقق التحرر أو بلوغ الوعي النقدي. فقد تنطوي بعض الكتابات الحديثة على رؤية إنسانية خصبة، لكنها قد تحمل في الوقت نفسه نزعات عدمية، أو اغترابا حادا، أو نسبية أخلاقية، أو تمردا غير منضبط على الدين والمجتمع والقيم الجامعة. وفي المقابل، قد تتضمن بعض النصوص التراثية أو الكلاسيكية تصورا أكثر تماسكا لمعنى الإنسان، ووظيفته في الوجود، وعلاقته بالخالق والجماعة والمصير.





