مقالات اجتماعية

قراءة في فيلم سينمائي فرنسي- خديجة جعفر

صورة لامرأة ذات شعر داكن ومجعد، تبتسم قليلاً وتظهر فقط من جانب وجهها. الخلفية عبارة عن ستائر ذهبية.

لمن تنتصر الحياة؟
سؤال ليس ببراءة التساؤل السطحي، حين
يخفت الضجيج القصصي، والحبكة الرواية سردا وتتضح ترانيم الموسيقى لغة مضافة للقول،وحين تخطفك الالوان وعوالم الصورة على الرغم من محدودية أماكن التصوير ، لتكون أمام فيلم سينمائي بامتياز .فن ، يحيلك من لغو الكلمات إلى عوالم الصور الحاضر أمامك بالتفاصيل التقنية الدقيقة،لتتشكل بطولة موازية ،بطولة شيئية متحركة ، غير آدمية ، خارج أطر ال
” كاستينغ” للشخصيات الادائية من المنظومة السينمائية، اسقطت معها معايير التقليد من رؤية البطولة الفردية نحو التكامل من عناصر التكوين، فلدقة التعابير المرسومة على الأوجه ولحركات الجسد ، ما تمكن ان يجعل من كل الفريق التمثيلي، والتقني، بطولة مكتملة بكل معنى الكلمة،بحيث يصعب مع هذا التكامل اي استثناء أو أي فصل من عناصر العمل ..
فالبطل في هذا الفيلم ليس شخصا دون غيره،  بل ليس  شخصا يتحرك، أنه شخص يشعر ويحس البعد الاعمق من الموقف ، يظهر انفعالاته بكل تنوعها  وبالتلاحق الملفت على الوجه والجسد، فالحزن حزنا حتى لو يبدو الممثل مبتسا، والفرح واضح المعالم في اللون حينا، وفي الحركة ، حتى في لحظة دمع،والتوتر ملحوظ في ارتجافات الوجه والشفاه،حتى لو ابتُلِعَ  الكلام من الحوار ،الا ان المُشاهد يرى الانفعال واضحا ..
وهذا التظهير للانفعال ، ان يدل فعلى رسالة من عدة رسائل ارادها الاخراج بحثا ،من خلال الفيلم الفرنسي :
” Le Fabuleux Destin d’Amélie Poulain” (Amélie)
للكاتب والمخرج: Jean-Pierre Jeunet
فاميلي ، موضوع الفيلم وحاملة رسائله ، شخصية ملتبسة، تجد منفذا لتغيير نمط حياتها و اقتحام الحياة المجتمعية، فتختار عيش التفاصيل، يهزها الحزن أينما وجد، فتتدخل اصلاحا للاقدار ،بحثا عن لحظة فرح تفتقدها منذ طفولتها، لم يدلي بها نص بصريح المكتوب، او حوار مباشر ،بقدر ما وشت به ايحاءات التعبير انفعالا..
اميلي ، تعيش حزنها ووحدتها بكرم العطاء، تشعر بوجع الآخرين وتحاول الحد منه متدخلة في التفاصيل المعاشة لتجعلها اكثر بهجة ، فتفرح دون افصاح كلامي، فرحها عبارة عن مجموعة عضلات تعبيرية لوجه تتغير رسوماته بدقة وتسارع تبعا للموقف، جسد ينشط بنفس وتيرة الأشكال المراد اصلاحه، فكتبت اميلي حوارات ظلية  للمشاهد بانفعالات وجهها وجسدها،فيما النص يتجول في مجالات حياتية مختلفة ليصبح ثانويا ويضع حدا  لمرحلة بطولة القصة والحبكة من الفن السينمائي لصالح الصورة والصوت وقدرات الانفعال التمثيلي على بث الرسالة…
انفعالات ” اميلي ” تمثيلا، تمكنت من ان تبث الكثير من الرسائل الحياتية من خلال الفيلم، بدءاً من سؤال الفرق بين معنى الحياة من العيش ، هل تكون لحظات فرح مسروقة تنزرع في التفاصيل تحايلا على المواجهات المباشرة ، ام في حمل القضايا المقنعة من شغب التدخل لإصلاح حياة الاخرين كمثال مطروح؟
سؤال التنشئة الأسرية يطرح نفسه بعمق، فلتعابير الحزن الطفولي، والانكسار، ومعانى اللاجدوى التي تظهرها أعين اميلي الطفلة  تلك اللحظة، حين تقرر الام التخلص من السمكة الصديقة الوحيدة،ليستقر محايدا في تعابيره مع والدها أثناء زيارتها له، مؤشرا لأثر الحزن المترسب، ما يتركه الاهل على الشخصية الانطوائية واحالة العيش الى عالم خاص، يجمع بين واقع مضطرب وافتراض مصطنع، ليس متخيلا ، بل انه عالم صناعة شخصية مواز للحقيقة، اختلفت معاييره ومقاييسه عن الواقعية التي تظهرها أحداث المحيطين من عالمها المهني، لكنه سؤال لا بد  طرحه حول جدية تحقيقه واقعا ..
الحب واشباعاته، ليس تفصيلا من تساؤلات الفيلم ، فهل يكون الحب لغة جسد وحفلة المتع اللحظوية، أم رواسب المفاهيم المغلوطة التي تظهر الحب حالة توتر وانتقاص، بعيدا عن كونه خيار توازن يعاش؟
أم تراه رحلة بحث عن المعنى من العلاقة التي تستوجب مواثيق اثباتها قبل الشروع بها؟ الامر الذي طلبته اميلي ضمنا عبر سلسلة حيل متلاحقة قبل استسلامها لعواطفها مع شخصا احبته..
ختاما، لا يمكن للمشاهد ان يتخطى رحلة انفعالات، وتساؤلات مختلفة عاشها على مدى ساعتين تقريبا نقلته من مُسَّلمات العيش نحو بحث المعنى الأعمق من تفاصيل يوميات يعيشها، وهذا ما اثبتته النقاشات الختامية من العرض في :” نادي السينما- سبعين- صيدا “، مساء سبت تميز باسئلة  غير اعتيادية .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading