المواقف وحدها هي ما تُظهر بواطن البشر-احمد نصرالله

الحركة الإنسانية، بدفقها الانسيابي أو المفاجئ، بعطرها ويحمومها، بتفجرها ودهشتها الرطبة، هي ما تخلق الفجوة بين ما يتظاهر به الإنسان وبين جوهره الحقيقي؛ بين قناع يختفي خلفه ووجه يحمل في طياته وقسماته شيء كان خافيا عن أعيننا طيلة الوقت.
في لحظة عابرة قد تلمح ردة فعل غير محسوبة: إيماءة تكشف المستور، كلمة تفلّتت من عقالها دون رقيب، أو نظرة أفصحت عن مكنون لم يُرد لها أن تكون بادية للعيان، صرخة مشحونة بكل بواطن النفس. هذه التفاصيل الصغيرة تُبرز ما يختبئ خلف الأقنعة، ويزداد وضوحها كلما اشتدت المواقف وقويت وطأتها على المتلقي.
وتتفاوت ردود الأفعال قوة وضعفا تبعا لدرجة التأثر والتفاعل، من خلال لقطات معينة لا تخفى على عين خبير، أو قريب حاد به الوهم عن رؤية الأمور على حقيقتها. وعبر تلك اللقطات تتشكل المعرفة الحقيقية بالإنسان، ليس من مشاهد عادية أو حوارات معادة، أو من وقت كان الصفاء سائدا فيه، وإنما عبر أحداث غير اعتيادية تُعري بدورها مكنون النفس.
فلا يمكن رصد طبيعة إنسان ما أو الاقتراب من جوهره الحقيقي إلا عبر هذا التفاعل الحيوي بينه وبين الموجودات المحيطة به، ذات الصلة الوثيقة بتفاعله الإيجابي أو السلبي على حد سواء.
فأنت في حال قوتك وجمالك وغناك وسيطرتك في مكانة لها حيثيتها وجلالها، تشعر بها وتلمسها بدرجة أو بأخرى، عبر شعور فخر من قريب، أو مهابة من عدو، أو حقد من لئيم. لكن عند السقوط بعد اعتلاء قمة، والتردي بعد رفعة منزلة، والافتقار بعد غنى، تتبدى أشياء لم تكن مطلقا بالحسبان؛ معظم الأقنعة تسقط ويظهر الوجه الحقيقي الذي كان خافيا عنك.
ففي لحظات الانكسار لا يجد المنافق جدوى من التظاهر، ولا العاجز طاقة للمجاملة، إذ لا ثمرة تُرجى ولا جائزة تُنتظر. وحده الصادق يبقى إلى جوارك بلا غرض، لا يقترب طمعا ولا يتراجع خوفا؛ هو معك لأجل ذاتك، لا لما تملك.
وهنا، يا صديقي، تتضح الحقيقة البسيطة العميقة: لا يُعرف وجه الإنسان إلا حين تسقط أقنعته، ولا يُعرف معدنه إلا حين تنكسر زينته.





