الأسطورة والمعنى – فراس السواح
إنانا وشجرة الحلبو
يبتدئ هذا النص السومري الحيوي، والمؤثر بأسلوبه وإيقاعه الشعري الداخلي، بمقدمةٍ في التكوين وخلق العالم.
في الأيام الأولى، في مطلع الأيام الأولى،
في الليالي الأولى، في مطلع الليالي الأولى،
في الأيام الأولى، عندما جرى خلْق كل ما يلزم،
في الأيام الأولى، عندما جاءت المشيئة بكل ما يلزم،
عندما جرى خبز الخبز في المقامات المقدسة،
عندما جرى أكل الخبز في بيوت البلاد،
عندما تم إبعاد السماء عن الأرض،
عندما تم فصْل الأرض عن السماء،
عندما تم تعيين اسم الإنسان،
عندما اضطلع آنو بالسماء،
عندما حُملت إريشكيجال على العالَم الأسفل غنيمة،
عندما أبحر، عندما أبحر،
عندما أبحر الأب يطلب العالَم الأسفل،
انهمرت على الملك الحجارة الصغيرة،
انهمرت على إنكي الحجارة الكبيرة،
الحجارة الصغيرة التي تُرمى باليد،
والحجارة الكبيرة التي تُقذف بالقصب المهتز،
ملأت قاع المركب، مركب إنكي،
غمرته في انقضاضها كعاصفةٍ داهمة،
هاجم الماء الصاخب مقدمة المركب،
مثل ذئاب مفترسة،
وهاجم الماء الصاخب مؤخرة المركب،
مثل أسود كاسرة.
(إلى هنا وتنتهي المقدمة، لتبدأ الأسطورة بالمطلع التالي):
في تلك الأزمان، شجرة، شجرة حلبو،
زُرعت على ضفة نهر الفرات.٣٧
لقد كبرت شجرة الحلبو (معنى الاسم غامض الدلالة) على شاطئ النهر ترتوي من مائه، إلى أن جاء يوم هبَّت فيه ريح الجنوب بقوةٍ واقتلعت الشجرة فرمتها إلى الماء الذي حملها. وفيما كانت الإلهة إنانا «تهيم على وجهها خائفةً من كلمة الإله آن وكلمة الإله إنليل» على حد التعبير الحرفي للنص، وقع بصرها على الشجرة فأعجبتها وانتشلتها عائدةً إلى بستانها الخصيب حيث غرستها هناك، ثم راحت تعتني بها لكي تصنع من خشبها عرشًا لجلوسها وسريرًا لمضجعها. وبمرور الأيام كبرت الشجرة، ولكنها لم تورق ولم تزهر لأن ثلاثة كائنات غريبة قد احتلتها؛ فقد أوت إلى قاعدة الشجرة حيةٌ هائلة لا يؤثِّر فيها سحرٌ ولا تعويذة، فجعلت لها وكرًا هناك، واتخذ من قمتها طائر الزو مسكنًا له ولصغاره (ويُدعى أيضًا إمدوجد، وهو طائرٌ أسطوري عملاق معروف بعدائه للآلهة). وفي الوسط أقامت ليليث شيطانة القفار. فراحت الفتاة المرحة إنانا تبكي وتذرف الدمع. مضت إنانا إلى أخيها أوتو إله الشمس طالبةً عونه على استرجاع شجرتها، ولكن أوتو لم يهتم بالأمر، فمضت إلى جلجامش ملك أوروك وطلبت عونه فاستجاب لها. وضع جلجامش عليه درعه وحمل فأسه فجاء إلى الشجرة حيث صارع الحية وقتلها بفأسه. ولما رأى الطائر ما حلَّ بالحية فر بصغاره إلى الجبال البعيدة. أما ليليث فقد قوضت بيتها وعادت إلى القفار. عند ذلك عمد جلجامش إلى الشجرة فاجتثها وقدمها إلى إنانا لتصنع منها عرشًا وسريرًا. وبالمقابل فقد كافأته إنانا بأن صنعت له من قاعدة الشجرة بكو، ومن قمة الشجرة مكو، ومعنى هاتَين الكلمتَين غامض؛ غير أن مترجم النص السيد كريمر يرجِّح أن تكون طبلًا وعصا الطبل.
على هذا النحو تنتهي أسطورة إنانا وشجرة الحلبو لتبدأ بعدها أسطورة جلجامش وإنكيدو والعالَم الأسفل، ويربط عنصر الأداتين الموسيقيتين (البكو والمكو) بين الأسطورتين، بحيث تبدأ أسطورة جلجامش وإنكيدو من استلام جلجامش للأداتين اللتين تسقطان منه بعد قليلٍ من كوةٍ في الأرض إلى العالم الأسفل. وبما أن محرر ملحمة جلجامش البابلية قد تعامل مع الأسطورة الثانية بشكلٍ مستقل عن الأسطورة الأولى، وأدمجها في نهاية قصته حيث شكلت اللوح الحادي عشر والأخير من الملحمة، فإني أرجح أنه قد استند في ذلك إلى تقليدٍ آخر يفصل بين الأسطورتين ويتعامل مع كلٍ منهما على حدة. وهذا ما سوف ألجأ إليه هنا، فأتعامل مع أسطورة إنانا وشجرة الحلبو كنصٍّ مستقل عن أسطورة جلجامش وإنكيدو والعالَم الأسفل.
لا يأتي استغلاق هذه الأسطورة من بنيتها المركبة، ولا من غرابة حوادثها وتداخلها، أو غموض عقدتها القصصية. فنحن هنا أمام حكاية تبدو بسيطة للوهلة الأولى، وهي تسير في اتجاهٍ خطي واحد وصولًا إلى العقدة التي تتمثل في استيلاء الكائنات الثلاثة على الشجرة. ثم يتم حل العقدة بطريقةٍ مألوفة في عددٍ من الأساطير الرافدية الأخرى، وصولًا إلى النهاية السعيدة وحصول إنانا على بغيتها، كل هذا جعل قارئ هذا النص يتناوله كحدوتةٍ عادية لا تحمل رسالةً مهمة. غير أن أول ما يصرف نظرنا عن بساطة القصة، هو تلك المقدمة في الخَلق والتكوين المؤلفة من جزأين، بأسلوبها الجزل وإيقاعها الموسيقي المؤثر. فكل ما في هذه الافتتاحية الفخمة يهيئنا لتوقع حدوث أمرٍ جلل ما. يضاف إلى ذلك أن الأسطورة الرافدية قد عودتنا على أن استرجاع الأصول والعودة إلى البدايات، هو مقدمة لقول شيء مهم أو الكشف عن سرٍّ من الأسرار. إن كل فعاليات الخلق والتكوين في القسم الأول من المقدمة. وما جرى لإنكي وهو يبحر لمقاومة قوى العالم الأسفل في الجزء الثاني من المقدمة، ينتهي إلى سطرٍ واحد هو بداية القصة: «في تلك الأزمان، شجرة، شجرة حلبو.» الأمر الذي يدل على أن هذه الشجرة وما جرى لها، هي الشأن المركزي، وهي التي من أجلها وُضعت المقدمة، فهل يسعفنا تأمل هذه المقدمة في إلقاء الضوء على أول مستويات هذه الأسطورة.
تمارس الأسطر الثلاثة الأولى من المقدمة تأثيرًا سحريًّا على السامع يساعد على وضعها خارج زمانه اليومي المعتاد، بطريقةٍ تشبه ما تفعله الفكرة الموسيقية الأولى من مقطوعةٍ سيمفونية:
– في الأولى، في مطلع الأيام الأولى،
في الليالي الأولى، في مطلع الليالي الأولى،
في الأيام الأولى، في مطلع الأيام الأولى.
بعد ذلك يأتي النص إلى سرد كيفية ظهور الكون ووضْع أُسس التحضر، وذلك بثلاث صيغ تكرر كل واحدة سابقتها بطريقةٍ مختلفة:
– في الأيام الأولى، عندما جرى خلق كل ما يلزم.
– في الأيام الأولى، عندما جاءت المشيئة بكل ما يلزم.
– عندما جرى خبز الخبز في المقامات المقدسة.
يُجمل النص هنا عملية الخلق بتعبير «كل ما يلزم» وذلك في السطر الأول والثاني، ويشير في السطر الثالث إلى أصول التحضر بتعبير «خبز الخبز»؛ ذلك أن صنع الخبز وأكله هو الذي يميز الإنسان المتحضر عن سلفه الهمجي. وأما الصيغة الثانية فتؤدي المعنى نفسه ولكن مع بعض التوضيح:
– عندما تم إبعاد السماء عن الأرض،
عندما تم فصل الأرض عن السماء،
عندما تم تعيين اسم الإنسان،
إن تعبير «كل ما يلزم» الذي تكرر في السطر الأول والثاني من الصيغة الأولى، يجري تفصيله هنا في السطرين ذاتيهما، حيث نرى كيف تم الخلق بإبعاد السماء عن الأرض وفصْل الأرض عن السماء. أما أصول التحضر فيشار إليها في السطر الثالث بتعبير «تعيين اسم الإنسان». ثم تتابع الصيغة الثالثة لتعطينا مزيدًا من التفاصيل:
– عندما اضطلع آنو بالسماء،
عندما اضطلع إنليل بالأرض،
عندما حُملت إريشكيجال إلى العالَم الأسفل غنيمةً.٣٨
إن الكون الذي أصبح الآن متمايزًا عن الكتلة غير المتمايزة الأولى، قد أُعطي معنًى روحانيًّا، وحلَّت به الآلهة تُديره. فآنو قد اضطلع بشئون السماء في السطر الأول، وإنليل قد اضطلع بشئون الأرض في السطر الثاني. أما السطر الثالث الذي أُفرد في الصيغتين الأوليين للحديث عن الإنسان وأصول التحضر، فإنه يعلمنا هنا عن مصير الإنسان وهو الموت، الذي ظهر عقب تمايز العالم الأسفل عن العالم الأعلى وتخصيصه كمكانٍ لأرواح الموتى، وتعيين إريشكيجال حاكمةً عليه.
بعد ذلك يبتدئ الجزء الثاني من المقدمة، وهو يفيدنا بأن إنكي قد أبحر بمركبه نحو العالم الأسفل، وحصول مواجهةٍ بينه وبين قوى العالم الأسفل لم تُحسم. وينتقل النص بعد ذلك مباشرة إلى القول:
– في تلك الأزمان، شجرة، شجرة حلبو،
زُرعت على ضفة نهر الفرات،
شربت وسُقيت بماء الفرات.
ما الذي تشير إليه تلك المواجهة غير الحاسمة بين إنكي-الماء، والعالم الأسفل؟ إن كل ما أستطيع استنتاجه من هذه المواجهة التي تُركت مفتوحةً، هو أن إنكي باعتباره ممثلًا للقوى التي تدعم الحياة، والعالم الأسفل الذي يفغر فاه لالتهام الحياة، هما تمثيل لقطبين متعارضين ومتعاونين، لا يستوي الوجود الإنساني إلا بتعارضهما وتعاونهما. لقد حاول الماء بعد أن أحيا الأرض بما عليها من الكائنات، أن يشق طريقه نحو العالم الأسفل الأجرد والمظلم والعقيم ليحييه كما أحيا العالم في الأعلى، ولكن تقدمه قد أوقف؛ ولذلك نجد أن الماء العذب يكمن في الأعماق، وعند المستوى الفاصل بين سطح الأرض والعالم الأسفل. ومن هنا يصدر على شكل أنهارٍ وينابيع وآبار، ولكنه لا يستطيع الغوص أكثر من ذلك لأن قوى العقم تقف له بالمرصاد منذ تلك الأزمة الميثولوجية الأولى.
من تلك المواجهة الأولى بين قوى الخصب وقوى العقم، ينتقل النصُّ إلى ظهور شجرة الحلبو التي تمثِّل الحياة الزراعية في شكلها الخامي البدئي الذي لم يخضع بعد إلى تنظيم. ونظرًا لعدم وجود مَن يعتني بالشجرة البرِّية، فقد اقتلعتها ريح الجنوب، وطافت فوق المياه إلى أن انتشلتها إنانا وزرعتها في بستانها. وهنا يجب أن نلاحظ أن النص لا يقدم لنا إنانا في صورة الإلهة المكتملة المسيطرة فعلًا على نفسها المتحكمة في حياتها، بل في صورة الصبية الغضة التي تهيم خائفة من كلمة الإله آن وكلمة الإله إنليل، والتي لم تحصل بعدُ على رموز سلطانها. وهي عندما تقوم بزراعة الشجرة في بستانها وتأخذ في العناية بها، فإنها تأمل أن تعطيها هذه الشجرة أهم رمزين من رموز سلطانها على الخصب والحب، وها هي تفكر بصوتٍ مسموع قائلةً:
متى تصير الشجرة عرشًا مثمرًا أجلس عليه؟
متى تصير الشجرة سريرًا مثمرًا أضطجع عليه؟
على أن انتقال الشجرة من الحالة البرِّية إلى الحالة المؤهلة قد ساعد على نموها، ولكنه لم يساعد على إيراقها وإزهارها؛ لأن ثلاثة كائنات تنتمي إلى قوى العماء والفوضى والموت قد حلَّت فيها. فطائر الزو معروف بمقاومته لقوى النظام التي سادت بعد التكوين، وهو لا يدخر وسعًا في خلخلة نظام الكون كلما سنحت له الفرصة (على ما نعرف من نصوصٍ بابلية لاحقة). أما ليليث، فهي شيطانة جميلة لها أجنحة ومخالب الطير، تنتمي إلى قوى العالم الأسفل وتسكن القفار والخرائب. وأما الأفعى فإنها لا تظهر هنا كوكيلة للخصب بل كوكيلة لقوى الفوضى والدمار. وهي من النوع اللوياتاني الذي يتوجب على إله الخصب قتله قبل أن يسيطر فعلًا على قوى الإخصاب. ومثالها الحية ذات الرءوس السبعة التي صرعتها الإلهة عناة. نقرأ في نصوص بعل وعناة المقطع الآتي:
الآن تريد أن تقتل لوتان، الحية الهاربة،
الآن تريد أن تجهِز على الحية الملتوية،
شالياط العتية ذات الرءوس السبعة،
وفي مقطعٍ آخر:
ألستُ التي قضت على التنين؟
ألستُ التي سحقت الحية الملتوية ذات الرءوس السبعة؟٣٩
لا تستطيع إنانا حيال الموقف الجديد إلا البكاء وذرف الدموع. وعندما يخذلها الإله أوتو، يخف لنجدتها جلجامش ملك أوروك فيقتل الأفعى ويطرد الطائر والشيطانة؛ وبذلك تتخلص الحياة النباتية من تأثير قوى الفوضى وقوى الموت، وتغدو جاهزةً لأن تكون مقرًّا لعرش ألوهة الخصب، وجاهزةً لأن تكون مضجع ألوهة الحب والجنس. وباستلام الإلهة إنانا رموز سيطرتها على هذَين المجالَين، والمتمثلة بالكرسي والمضجع، تدخل الحياة النباتية طور الزراعة المنظمة تحت رعاية إنانا التي تحولت الآن من فتاةٍ خائفةٍ إلى سيدةٍ مكتملة ومسيطرة على الخصب والحب.
يبقى أمامنا عنصرٌ هامٌّ بحاجةٍ إلى إيضاح. لماذا جاءت المعونة من جلجامش ملك أوروك ولم تأتِ من الإله أوتو أو أية شخصية إلهية أخرى؟ وما هو الدور الرمزي الذي يلعبه جلجامش هنا بمساعدته إنانا على استكمال دورها كإلهة للخصب والحب وسيدة على عالم الطبيعة المدجنة؟
لا يوجد أمامنا سوى نافذة واحدة نستطيع الولوج منها إلى رمزية الدور الذي يلعبه ملك أوروك هنا في مساعدته لإنانا الإلهة الرئيسية لمدينة أوروك. وهذه النافذة هي طقوس الزواج المقدس. فبموجب هذه الطقوس المؤسسة منذ عصور ما قبل الأسرات، كان على ملك أوروك أن يلعب دور الإله دوموزي ويتزوج من الإلهة إنانا مرةً في كل عام، فيلتقيان في غرفةٍ معَدَّة لهذا الغرض تقع في أعلى برج المعبد، وأغلب الظن أن كاهنة إنانا العليا كانت تنتظر الملك هناك في غمرة الاحتفالات، فيصعد إليها وينام معها، وأن الاعتقاد السائد كان يذهب إلى أن روح الإلهة تحل في الكاهنة وروح الإله تحل في الملك. ومن لقائهما تنبثق قوة خصب كونية تساعد على دفع دورة الفصول، وإحلال الخصب في الطبيعة وفي الكائنات الحية.
ويبدو أن الأسطورة هنا تجعل من جلجامش أول ملك لأوروك، ومؤسسًا لطقس الزواج المقدس، وليس عونه لإنانا على تأسيس عرشها واستكمال سريرها إلا مقدمة لدوره المقبل كزوجٍ طقسي لها؛ الأمر الذي يرجح أن الأسطورة في نصها الأقدم قد دُونت إبان حكم الملك جلجامش؛ أي فيما بين القرن السادس والعشرين والقرن الخامس والعشرين قبل الميلاد. ومن الممكن أيضًا أن الصيغة الأكثر قِدمًا للأسطورة والتي ترجع إلى ما قبل عصر الأسرات؛ أي إلى الألف الرابع قبل الميلاد، كانت تجعل من دوموزي نفسه بطل الرواية، ثم تم استبدال بديله الطقسي به فيما بعدُ.
خاتمة
لقد حاولنا في الصفحات المحددة لهذا البحث أن نبحث عن «المعنى» في عددٍ من الأساطير المنتقاة من تراث الشرق القديم، وذلك وفق منهجٍ تجريبي لا يلتزم موقفًا مسبقًا أو مدرسة من مدارس التفسير. وكان غرضنا من ذلك أن نُظهر أن للأسطورة «نظامًا» داخليًّا متماسكًا ينطوي على رسالةٍ ما، رغم ما يبدو عليها من تفككٍ ظاهري أحيانًا، لا ينسجم مع مفهومنا الحديث عن «النظام». هذه الرسالة، كانت مفهومة ومستوعَبة من قِبل الإنسان القديم الذي لم يكن بحاجةٍ طبعًا إلى القيام بمثل ما نقوم به، لكي يفهم أساطيره ويستوعب رسائلها. إن أحد الفروق الهامة بين فكرنا الحديث وفكر الإنسان القديم، هو أننا لا نستطيع فهْم ظاهرة ما بكلِّيتها إن لم نعمد إلى تفكيكها ومعرفة أجزائها المستقلة جزءًا جزءًا. وكلما اعتقدنا أننا فهمنا الأجزاء عند مستوًى معين انتقلنا إلى المستوى الأعلى، وهكذا وصولًا إلى الفهم الكلي اعتمادًا على السير الخطي من مرحلةٍ إلى أخرى. وذلك على عكس الإنسان القديم الذي كان ينظر إلى الظاهرة بكليتها، ولا تستمد الأجزاء عنده معناها إلا من الكل. من هنا، فإن «المعنى» الذي نحاول الكشف عنه في الأسطورة باستخدام أدواتنا التحليلية، يبقى ظلًّا باهتًا للمعنى الميثولوجي الخفي في النص.
إن مشكلتنا مع «المعنى» في الأسطورة ناجمٌ عن مفهومنا للمعنى. ولتوضيح هذه النقطة أستعير مثالًا من اللغة؛ فنحن عندما نريد توضيح معنى كلمة من الكلمات، فإننا نورد عددًا آخر من الكلمات أو الجمل المفيدة التي تعمل على تكوين المعنى في الذهن. وهذا ما تفعله المعاجم عادةً عندما تستشيرها بخصوص كلمةٍ ما فتحيلك إلى كلمةٍ أخرى أو كلمات، ثم تُلحقها بجملٍ مركبة. ورغم ذلك، فإن إحساسنا بالكلمة يبقى إحساسًا مباشرًا، وهي تستثير فينا من الانفعالات المختلفة ما لا تستطيع الكلمات المفسرة خلقه. فإذا استشرت القاموس بخصوص كلمة النار مثلًا، لقال لك، اشتعال، حريق، توقد … إلى آخر ما هنالك من مترادفاتٍ تحاول نقل المعنى المطلوب، ولكن حاول في ليلةٍ مظلمة أن توقد في الخلاء نارًا وتلبث ساكنًا أمامها تحدق فيها. عند ذلك فقط يمكن لك أن تعلم سر الكلمة دون وسيط؛ لأنك تكون قد تجاوزت الكلمات والمترادفات ونفذت إلى سر الشيء. وهذا ما يتوجب علينا أن نفعله حيال الأسطورة لننفذ إلى سرها دون وسيط.
إن الأسطورة من حيث شكلها هي وسيطٌ رمزي بموضع الانفعال الداخلي في الخارج، من خلال وسيط رمزي آخر هو الكلمات، ولكننا عندما نأتي إلى التحليل والتفسير فإننا نلجأ إلى وسيطٍ ثالث، إلى جملةٍ أخرى من الكلمات تعمل على شرح الجملة العصبية، في الوقت الذي يتوجب علينا فيه أن نزيح تلك الجملة الأصلية وصولًا إلى الحالة الانفعالية التي أنتجت الأسطورة؛ أي أن نتأمل الأسطورة كما تأملنا النار ونفذنا إلى سرها دون وسيطٍ. وهذه مهمةٌ صعبة تنقلنا من «البحث» إلى ما يشبه «التصوف».
١ Alexander Heidel, The Babylonian Genesis, Phoenix Books, Chicago 1970, pp. 77-78.
٢ من أجل مقاطع الإينوما إيليش؛ انظر ترجمتي الكاملة للنص عن المرجع السابق في مؤلفي: مغامرة العقل الأولى.
٣ L. Delaporte, Phoenician Mythology (in: Larousse Encyclopedia of Mythology, pp. 82-83).
٤ تاريخ هيرودوتس، ترجمة حبيب فندي بسترس، بيروت، ١٨٨٩م، والكتاب من محفوظات المكتبة العمومية بحلب.
٥ ميرسا إلياد: مظاهر الأسطورة، ترجمة نهاد خياطة، دار كنعان، دمشق، ١٩٩١م، ص١٤٩.
٦ قمت بترجمة هذه المقاطع عن منتخبات جاكوبسن في كتابه:
Th. Jacobsen, The Treasures of Darkness, Yale, 1976, p. 87 ff.
٧ الأنوناكي: هم آلهة السماء، ويقابلهم الإيجيجي آلهة الأرض، ولكن الكلمة قد تُستعمل للدلالة على جمع الآلهة من النوعين.
٨ هناك ترجمة كاملة للنص قدَّمها كريمر ضمن موسوعة نصوص الشرق القديم:
J. Pritchard, edt. Ancient Near Eastern Texts, Princeton 1969, pp. 455–463.
٩ انظر ترجمتي الكاملة للملحمة في مؤلفي: جلجامش، ملحمة الرافدين الخالدة، دار علاء الدين، دمشق، ١٩٩٦م.
١٠ Stephanie Dalley, Myths from Mesopotamia, Oxford, 1989.
١١ كان التاج في ذلك الوقت يتألَّف من قبعةٍ محدبة القمة ومن عصابةٍ تلتفُّ حولها عند الجبهة.
١٢ R. E. Davidson, Gods and Myths of Northern Europe, Penguin 1964, pp. 190–194.
١٣ أقدم فيما يأتي ترجمةً كاملةً للقسم الأول من النص، وتلخيصًا للقسم الثاني، منه؛ وذلك لتشوه اللوح الذي يحتوي على بقية النص وعدم وضوح العديد من سطوره. وقد اعتمدت هنا ترجمة A. Goetze في موسوعة J. Pritchard, edt. Ancient Near Eastern Texts, pp. 120-121.
١٤ من الممكن أن يكون كوماربي، قد ابتلع قضيب آنوس؛ لأن الباحث Goetze لم يكن واضحًا تمامًا في ترجمته لهذه النقطة؛ انظر المرجع نفسه، ص١٢٠، السطر ٢٥.
١٥ G. S. Kirk, Myth: Its Meaning and Functions, Cambridge 1970, p. 216.
١٦ يعتمد كيرك في رأيه هذا على ترجمة غوتز للسطر الذي يعلق فيه كوماربي على الاقتراح المتضمن الخروج من الموضع الحسن، وهو سطرٌ غير واضح بسبب التشوه، وأورده غوتز في المرجع السابق على الوجه الآتي: «إذا خرجت من الموضع الحسن فإن امرأةً سوف …» ويفهم كيرك من هذا، أن العطب لن يصيب الموقع الحسن وهو القضيب بل المرأة التي سيضاجعها إله العاصفة.
١٧ انظر تفسير جاكوبسن في دراسته لأسطورة التكوين البابلية، المرجع رقم ١٩ من هذا البحث.
١٨ انظر النص الكامل في مؤلفي «مغامرة العقل الأولى»، والمرجع رقم ١ من هذا البحث.
١٩ F. Guirand, Greek Mythology (in: Larousse Encyclopedia of Mythology, pp. 87–91).
٢٠ يجب ألا يؤخذ هذا الطرح في إطارٍ زمني وتاريخي دقيق؛ لأن القبائل الرعوية ذات النزعة العسكرية المحاربة تتبنى أيضًا معتقداتٍ وأساطير ذكرية بطريركية.
٢١ Ibid., p. 107.
٢٢ J. E. Harrison, Themis, University Books, New York 1966, pp. 35–38.
٢٣ اعتمدت في هذا الملخص على ترجمة كريمر الكاملة للنص. انظر مساهمة كريمر في موسوعة نصوص الشرق القديم:
J. Pritchard, edt. Ancient Near Eastern Texts, Princeton, New Jersey 1969, pp. 38–40.
٢٤ S. N. Kramer, The Sumerians, University of Chicago 1963, pp. 148-149.
٢٥ Th. Jacobsen, The Treasures of Darkness, Yale University 1976, p. 113.
٢٦ S. N. Kramer, Sumerian Mythology, Harper and Row, New York 1961, p. 107.
٢٧ أنا مدينٌ هنا بفكرتي عن «الإفراط» و«معاكسة الطبيعة» للباحث ج. س. كيرك. وقد طورت هذه الفكرة بما يخدم تفسيري الخاص. انظر كتابه:
G. S. Kirk, Myth: Its Meaning and Functions, op. cit., pp. 96–98.
٢٨ Alexander Heidel, Babylonian Genesis, op. cit., pp. 72-73.
٢٩ إشارةٌ إلى ما يُدعى بتحكيم النهر المذكور في شريعة حمورابي.
٣٠ Op. cit., p. 75.
٣١ عالج مؤرخ الأديان المعروف ميرسيا إلياد فكرة العودة إلى كمال البدايات في عددٍ من كُتبه؛ منها ثلاثة مُترجَمة إلى العربية هي: المقدَّس والدنيوي، أسطورة العَود الأبدي، مظاهر الأسطورة. ويمكن لمَن شاء مراجعة واحد منها للتوسع في هذا الموضوع.
٣٢ ميرسيا إلياد: مظاهر الأسطورة، ترجمة نهاد خياطة، دار كنعان، دمشق، ١٩٩١م، ص١٩.
٣٣ المرجع نفسه، ص١٩.
المرجع نفسه، ص٢٧-٢٨.
٣٤ المرجع نفسه، ص٢٨–٣٣.
٣٥ E. A. Speiser, Akkadian Myths (in: J. Pritchard, edt. Ancient Near Eastern Texts, p. 99).
٣٦ ميرسيا إلياد، المرجع السابق، ص٧٧–٨٠.
٣٧ S. N. Kramer, The Sumerians, University of Chicago 1963, pp. 199–202.
٣٨ في كتابه القديم الصادر عام ١٩٤٨م ترجم كريمر هذا السطر على الوجه الآتي: «أخذ كور الإلهة إريشكيجال غنيمةً له.» واعتقد بأن كلمة كور الواردة هنا والتي تدل على العالم الأسفل، كانت في الأصل تدل على كائنٍ أسطوري يسيطر على العالم الأسفل، وأن هذا الكائن قد اختطف إريشكيجال مثلما اختطف هاديس بيرسفوني في الأسطورة الإغريقية، ولكن كريمر تخلَّى عن فهمه هذا في كتبه اللاحقة. وجاءت ترجمته الأخيرة للسطر على الوجه الذي أثبته أعلاه: «عندما حُملت إريشكيجال إلى العالم الأسفل غنيمةً» دون أن يبين مَن هو الذي حمل إريشكيجال إلى العالم الأسفل. وإني أرجح أن السطر بأسلوبه البلاغي المتحضر جدًّا أراد أن يقول بأن الآلهة قد حملت إريشكيجال إلى العالم الأسفل غنيمة لها؛ أي إن العالم الأسفل كان حصتها من تلك القسمة. وقد تبنيت من جهتي في كتابي الأول «مغامرة العقل الأولى» تفسير كريمر القديم. أما هنا فإني أرفض ترجمته القديمة وأشكك بالثانية، مرجحًا التفسير الذي قدمته لتوِّي، والذي يتلاءم مع روح النص وأسلوبه.
٣٩ C. H. Gordon, Ugarit, Norton Library, New York 1967





