أزمة الهيمنة في زمن الترامبية – هيفاء الحسن


بعد تسع سنوات على أول فوز لدونالد ترامب بالانتخابات الأمريكية، وبعد دورة تصحيحية قادها الديمقراطيون، ثم عودته إلى الحكم مجدداً، لم يعد سؤال اللحظة: لماذا صوّت الأمريكيون له، بل ماذا يكشف صعود ترامب وعودته، عن طبيعة النظام الأمريكي والعالمي نفسه؟
هذا السؤال بالتحديد لا التحليل النفسي لشخصية ترامب ولا الجدل الإعلامي حوله هو ما يهم الآن، والجواب لا يمكن استنباطه عند النظر إلى ترامب كسبب للأزمة، بل يصبح الجواب ممكناً فقط عندما ننظر إلى ترامب بوصفه عرضاً متأخراً لأزمة تتراكم أسبابها منذ عقود. هنا يصبح من المفيد أن نغادر التحليل المرتبط بصناديق الاقتراعات والحملات الانتخابية، إلى ما هو أعمق، إلى مستوى البنية التي أنتجت «الظاهرة الترامبية» وجعلتها ممكنة وواقعة.
هذه الأزمة التي كشفتها «الترامبية» بشكل جليّ ليست طارئة ولا تخص الولايات المتحدة وحدها، بل تعبر عن منظومة هيمنة كاملة انهارت شرعيتها، من دون أن يظهر بعد بديل قادر على ملء الفراغ الذي خلفته. هنا بالضبط تتقدم أطروحة الفيلسوفة الأمريكية نانسي فريزر لتقدم أعمق قراءة نسقية لهذه اللحظة. فهذه الأزمة، كما تراها فريزر هي في جوهرها «أزمة هيمنة» متعددة الأوجه crisis of hegemony، منها ما هو اقتصادي، ومنها ما هو اجتماعي وبيئي، لكن ما يهمنا هنا بالتحديد هو الشق السياسي الذي جعل صعود ترامب ممكناً في المقام الأول.
تستند فريزر في تحليلها لهذا الانهيار إلى المفهوم الغرامشي للهيمنة، الذي لا يقوم على السيطرة بالقوة والعنف المباشر، بل على قدرة الطبقة الحاكمة على جعل سيطرتها تبدو طبيعية، من خلال جعل رؤيتها للعالم تبدو وكأنها هي «الحس المشترك» للمجتمع بأسره. فيصوّر النظام المهيمن كأنه النظام الطبيعي الوحيد والممكن. وتتحقق هذه الهيمنة عملياً عبر كتلة مهيمنة، هي عبارة عن تحالف قوى اجتماعية متباينة تقوده الطبقة الحاكمة لتفرض من خلاله قيادتها. ولا يمكن كسر هذه البنية أو مقاومتها من قبل الطبقات الخاضعة، إلا عبر تشكيل كتلة «هيمنة مضادة»، أي تحالف اجتماعي جديد يعيد تعريف الحس المشترك للمجتمع ويقدم تصوراً مختلفاً للعدالة، وما هو ممكن سياسياً واقتصادياً.
ومن هنا تنطلق فريزر لتوسع الفكرة، فترى أن كل كتلة هيمنة تجسد ضمنياً مجموعة من الافتراضات حول ما يعد عادلاً وصحيحاً وما لا يُعد كذلك، أي أن الهيمنة تبنى على بعدين معياريين أساسيين وهما، بُعد توزيعي يرتبط بالبنية الاقتصادية، وبالطريقة التي تقسم بها الخيرات والثروات داخل المجتمع، وبُعد اعترافي يتعلق بتراتبية المكانة داخل المجتمع، أي بالاحترام والتقدير الاجتماعي الممنوحين لمختلف الجماعات والأفراد فيه. قبل صعود ترامب كانت الكتلة المهيمنة في الولايات المتحدة الأمريكية، التي حكمت لعقود هي عبارة عن تحالف بدا لوهلة مستحيلاً، جمع بين رأسمالية السوق الحرة ممثلة بوادي السيلكون وول ستريت وهوليوود من جهة، والحركات الاجتماعية التقدمية كالنسوية وحركات الهويات وحقوق الأقليات من جهة أخرى. هذا التحالف الذي تصفه فريزر بـ»النيوليبرالية التقدمية»، اتفق على المعياريين الأساسيين للهيمنة أي على قضايا الاعتراف والتوزيع. فقد رفعت شعارات التنوع والتمكين الفردي والتعددية الثقافية، فيما اعتمدت اقتصادياً سياسات تحرير الأسواق، وإلغاء القيود على البنوك، وتفكيك الصناعة، وإضعاف النقابات، ما أدى في المحصلة إلى إفقار الطبقات العاملة والوسطى، وتركّز الثروة في يد نخبة صغيرة لا تتجاوز واحداً في المئة من المجتمع.
ولكي ترسخ النيوليبرالية التقديمة هيمنتها، كان عليها أن تهزم خصمها الداخلي، أي النيوليبرالية الرجعية المتمثلة بالحزب الجمهوري، والتي شاركتها في تبني السياسات الاقتصادية ذاتها، لكنها اختلفت عنها في خطابها الثقافي المعادي للمهاجرين والدفاع عن القيم المسيحية والنزعات الأبوية والعنصرية. هكذا جرى سحق المناطق الصناعية القديمة في الولايات المتحدة والمعروفة بـ»حزام الصدأ» بفعل هذه السياسات الاقتصادية المزدوجة، تاركة قطاعاً واسعاً من الأمريكيين المتضررين، خصوصاً عمال المصانع، بلا تمثيل سياسي حقيقي، ما مهد لظهور فجوة الهيمنة التي استغلتها الشعبوية الترامبية لاحقاً.
كانت الأزمة المالية في عام 2008 لحظة أمريكية حاسمة، كان يمكن عندها سد فجوة الهيمنة عبر مشروع مناهض للنيوليبرالية يدافع عن مصالح تلك الفئات المتضررة. حينها وصل باراك أوباما إلى الحكم حاملاً شعار الأمل والتغيير، في لحظة بدت واعدة بالنسبة للكثيرين، غير أن سياساته جاءت مخيبة للآمال، إذ اختار إنقاذ البنوك وترك ملايين الأمريكيين، الذين خسروا منازلهم ووظائفهم بلا حماية حقيقية، مواصلاً النهج ذاته الذي وعد بتغييره. ولذلك، لا يبدو غريباً أن نحو 8.5 ملايين ناخب ممن صوتوا لصالح أوباما سنة 2012 قاموا بالتصويت لصالح ترامب عام 2016. لكن ترامب، بدوره، لم يفِ بوعوده الاقتصادية لا في ولايته الأولى ولا في الثانية. فقد تخلى سريعاً عن السياسات التوزيعية الشعبوية التي وعدت بها حملته، كخلق وظائف جديدة وتشجيع التصنيع، ولم يتخذ خطوات جدية لكبح جماح وول ستريت أو إعادة توزيع الثروة. عملياً، صبت سياساته التي نهجها في مصلحة رأس المال. ولم يتمسك إلا بخطابه الرجعي المناهض للهجرة والمعادي للأقليات، وكأنه يبحث من خلاله عن كبش فداء، يبرر فشله ويعيد شرعنته أمام أنصاره. وهكذا تحوّلت الشعبوية الترامبية إلى نيوليبرالية مفرطة الرجعية، عاجزة عن تقديم مشروعٍ بديل، لكنها قادرة على استثمار الغضب الشعبي لإعادة إنتاج الأزمة نفسها.
في نهاية المطاف، ترى فريزر أنه لا النيوليبرالية التقدمية ولا الترامبية الشعبوية الرجعية قادرتان على ملء فجوة الهيمنة، التي ساهم ترامب في تفجيرها عام 2016. فتلك الأخيرة فوضوية وغير مستقرة، ولم تف بوعودها، ولا يمكن لأنصارها أن يكتفوا بسياسات الاعتراف الرجعية التي تتبناها. أما النيوليبرالية التقدمية، فبعد انهيار شرعيتها، لم يعد بإمكانها شغل موقع الهيمنة مجدداً، ولاسيما بعد فشل سياسات جو بايدن، الذي بدا للحظة وكأنه استعادة للعقلانية، لكنه ظل وفياً لنهج أسلافه الديمقراطيين، فلم يسع إلى تغيير النظام، بل سعى إلى إنعاشه من جديد.
وهكذا يبدو أن الولايات المتحدة تواجه استمراراً للأزمة السياسية وتقف في فترة انتقالية غير مستقرة تصفها فريزر مستعيرة كلمات أنطونيو غرامشي: «العالم القديم يحتضر والجديد لم يولد بعد». غير أن هذا الاحتضار أيضاً لا يبدو أمريكياً فحسب، بل حالة عالمية يمكن تتبع تجلياتها في أكثر من مكان، في أوروبا، حيث البريكست في بريطانيا، وتراجع شرعية الاتحاد الأوروبي، وصعود الأحزاب اليمينية في شرق وشمال القارة، ولاسيما في ألمانيا وهولندا. فقد نقلت آليات العولمة النيوليبرالية نفسها، الأزمة من المركز إلى الأطراف، حيث تتكثف تناقضات الرأسمالية في أشد صورها قسوة، مفاقمةً هشاشة الدول التابعة ومكرّسة تبعيتها البنيوية، وبذلك صارت الأطراف متلقية لهيمنة المركز وحاملة لأزماته في الوقت نفسه.
أما في العالم العربي فتبدو الأزمة أكثر عمقاً وتعقيداً، إذ أنها ليست أزمة هيمنة تتآكل شرعيتها فحسب، بل أزمة غياب هيمنة أصلاً. فهنا لم تنشأ منظومة حس مشترك بالمعنى الغرامشي، ولا تشكل تحالفا اجتماعيا مستقرا كما في التجربة الغربية، بل تعاقبت مشاريع هيمنة متناقضة لم تكتمل يوماً: من الدولة القومية التي انهارت، بعد أن استنفدت وعودها، إلى الإسلام السياسي، الذي ارتد إلى سلطة هوية أقرب إلى الفاشيات، وصولاً إلى أنظمة ما بعد الربيع العربي، التي استعادت السيطرة بالقوة، مقدمة نفسها كبديل للفوضى والانهيار، من دون أن تطرح في المقابل مشروعاً أو سردية تكتسب عبرها شرعية فكرية أو تفتح أفقاً جديداً.
وقد جاءت الحرب على غزة كلحظة حاسمة أخرى، لتكشف عمق هذه الأزمة على المستوى العربي والعالمي. إذ يمكن قراءة ردود الفعل الشعبية في مختلف دول العالم من المنطلق نفسه، فهذه الشعوب لم تعد تؤمن بالقوة المهيمنة التي تحكم العالم، ولا بصدقية نخبها، وصارت تبحث عن قيادات وأيديولوجيات جديدة. هذا الغضب الشعبي العالمي يؤكد أن خطاب حقوق الإنسان الذي شكل أحد أعمدة الهيمنة الغربية لم يعد يقنع أحداً، وصار يسائل شرعية النظام الدولي نفسه.
هذه الحلقة المفرغة لا يكسرها في نظر فريزر إلا تحالف اجتماعي جديد يعيد تعريف مفهوم العدالة ليشمل التوزيع الاقتصادي المساواتي والاعتراف الثقافي غير الهرمي في آن واحد، وهو ما تسميه بالشعبوية التقدمية. غير أن تصوّر فريزر للحل، يظل في جوهره ابن التجربة الأمريكية والأوروبية، حيث يفترض وجود مؤسسات ديمقراطية فاعلة ومجتمع مدني قادر على الفعل وإن كان مأزوماً. أما في العالم العربي والجنوب العالمي عموماً، فغياب البنية الديمقراطية القادرة على إنتاج كتلة هيمنة مضادة يجعل من هذه الرؤية أقرب إلى أفق أخلاقي منها إلى مشروع سياسي فعلي. هنا لا يعود السؤال كيف نعيد بناء هيمنة بديلة، بل كيف نعيد إنتاج الشروط الاجتماعية والسياسية التي تجعل الهيمنة ممكنة أصلاً، أي استعادة الفضاء العام، وإعادة تأسيس الروابط بين الاقتصاد والسياسة، وبين العدالة الاجتماعية والتمثيل السياسي.
ومن ثم فإن مهمة العالم الجديد ليست في تكرار صيغ الغرب، أو انتظار ولادته هناك، بل في بناء نظريات فعل وهيمنة تنطلق من واقع الأطراف نفسها، من تجاربها التاريخية، ومن حاجتها إلى إعادة تعريف السياسة في مجتمعات لم تتح لها بعد شروط السياسة الحديثة، حيث تتداخل السلطة بالاقتصاد وتختزل الدولة في جهاز سيطرة منغلق على ذاته.
كاتبة سورية





