آستا . . مُعلمتي الجميلة – بقلم: ج . سكولسكي ترجمها من الروسية أ. د. حامد طاهر

منذ زمن بعيد ، وأنا أعيش في تاللين . وقد حاولت أن أدرس الأستونية ، لغة البلد ، التي لم أحفظ منها إلا بعض العبارات القليلة جدًّا . مثل:
“من العيب عدم معرفة لغة الشعب الذي تعيش وسطه” أو “أنا لم أحضر الدرس” ومن وقت لآخر ، تنطق مدرستي آستا كازبيك الجملة الأولى ، أما الثانية فكثيرًا ما كنت أرددها .
أنا أكبر من مُدرِّستي بحوالي عشرين سنة . وهي تبلغ من العمر حوالي خمس وعشرين سنة.
تأتي آستا في الصباح مبتسمة . بدون ابتسامة ، لم تكن تظهر أبدًا. ثم نبدأ في إعراب اسم ما من حالات الإعراب الأستونية الأربع عشرة ، ونقوم بعد ذلك بإجراء المحادثة ، التي تسمى: حرة.
مثلاً تسألني آستا:
– ماذا حلمت في الليلة الماضية ؟
وأجيب ببطء ، مخرجًا كلمة وراء كلمة بصعوبة شديدة:
– لم أحلم بشيء . لقد نمت نومًا هادئًا . . وأنت بماذا حلمتِ ؟
وتجيب مفكرة:
– حلمت بأنني اجلس فوق تاللين ، على شاطئ بحيرة يوليمست . وفجأة يخرج من البحيرة ملاك ، ذو لحية، عجوز . . عجوز . . ثم يتكلم بإرهاق:
“انظري يا امرأة ، وقولي: هل المدينة ستكون مستعدة قريبًا ؟”
أخمن في شكل حلمها الذي رأته ، وأرى أنها تحدثني عن أسطورة شعبية تقول إن تاللين ستختفي من الوجود إذا ما سقط الحجر الأخير من المنزل الأخير فيها . عندئذ سيقذف الملاك الماء من البحيرة , ويغرق المدينة كلها.
إنني أعرف الأسطورة جيدًا , لكنني أخفي ذلك . وفقط. أسأل :
– بماذا أجبت ملاك البحيرة يا آستا ؟
– أنا . . لم أجب بأي شيء . .
اتسعت عينا آستا , وأصبحتا أكثر استدارة , وذعرًا . وكان للمعلمة ’ستا مخيّلة حية .
– إنما أسرعت إلى المدينة , ورحت أصيح في الشوارع: شيدوا . . شيدوا . . لا تتوقفوا دقيقة واحدة !
ثم تأخذ آستا نفسًا , وتبتسم . وأنا احب الابتسامات على الشفاة , غير الملموسة بحمرة الماكياج , ولا اخفي هذا عن معلمتي .
وتقول آستا الجميلة:
– طبعًا كل هذا اختراع . لكنني في مقابل ذلك كنت بالأمس مشتركة مع مجموعة عمال بناء , وقد ملّطت معهم بعض الجدران .
وأسعد لان كلمات مثل ” اختراع ” و “ملطت” ينبغي أن تترجمها لي . وأسأل:
– وهل هؤلاء العمال أصدقاؤك ؟
لو استطعت لم أسال . فإن آستا تقوم أيضًا بالتدريس في مدرسة ليلية لعمال شبان , وفيها الكثير من البنّائين الذين تصادقهم .
– طبعًا .
– وهل يعملون بصورة جيدة ؟
من الواضح ان السؤال يقصد إلى تحويل آستا للحديث عن البناء , وترك موضوع الدرس . ولكي تنقل لنا المفهوم على نحو اكثر كمالًا , تجري الحديث باللغة الروسية . وكم يسعدني هذا . فإنني أستغرق في تأمل ابتسامتها الحلوة , ونطقها الظريف لتلك اللغة , بالاضافة إلى قلب بعض الحروف المقاربة . .وعمومًا , فإن لدي علاوة على سني الكبير , دراسة أعمق في علم النفس !
وتضطرب آستا عندما تقترب الحصة من نهايتها:
– مرة أخرى , أنا اليوم التي تكلمت وتكلمت . . لكن لا بأس , في المرة القادمة ستتحدثون أنتم فقط وباللغة الاستونية .
– حسنًا . . أنا موافق .
لكن الحصة التالية ستكون في يوم الثلاثاء . وفي مساء السبت , وطوال الأحد , تسافر آستا للعمل في مزرعة جماعية , حيث تعد بعض المواد لصناعة الألبان ، كما تجري ” بروفة ” أخرى في النادي مع مجموعة من الممثلين الهواة . الخلاصة: سيكون عند آستا من الأشياء ما تتحدث عنه . وأنا أجتهد في أن أجعلها لا تخفي شيئًا أبدًا . لكن نادرًا ما تتحقق الآراء التربوية لدى آستا أكثر من الرغبة الطبيعية .
في الحصة التالية , بدأت آستا:
– سنذهب اليوم في رحلة متخيلة إلى المدينة . حديقة كادربورج . أنت رحّالة . تحدث .
– الحديقة كبيرة . في الربيع , الاشجار خضراء . وغير بعيد منها يوجد بحر بالتيسكو . إنه كالسلسلة .
وتقاطعني آستا:
– هذا ردئ . فإن تلك العبارات قد عرفتها منذ عام ونصف . فكر في شيء جديد . إذا شئت عن العشاق , الذين يجلسون هناك على المقاعد الرخامية .
وأؤكد بصورة قطعية:
– إنهم يتحدثون عن الحب . .
ثم أضيف , مفكرًا:
– لكن المقاعد قديمة !
ويبدو جيدًا أن الاحتياطي الضئيل جدًا من الكلمات الأستونية يمنع خيالى من التحليق !
وتتنهد آستا:
– لا يهم . سنخرج من الحديقة . . لكن إذا شئت : في محل أثاث . أنت مشترٍ , وأنا بائعة .
وبسرعة أصيح:
– أحتاج إلى رف كتب .
– لا توجد رفوف كتب . لكن توجد مقاعد وثيرة , ومناضد ,وأباجورات – أنت مثلًا: من المحتمل أن تكون لديك شقة جديدة . وينبغي أن تكون مريحة . مثّل بنفسك: تجلس في مكان هادئ , ومن السقف يسقط ضوء خافت . .
وأسأل متعمدًا اللهو:
– وأنت . . متى تحصلين على شقة يا آستا ؟
وتعبس آستا . من الواضح أن السؤال عديم اللياقة . فهي تستأجر حجرة في داخل شقة بمكان ما خارج المدينة . ومع أنها تأمل في أن تتبدل الحال , إلا أنها ما زالت سيئة .
وأحاول الاعتذار فاقول:
– لا تغضبي يا آستا . فأنا ببساطة لا أهتم بالأثاث الغالي . ما يهمني فقط هي أرفف الكتب .
– حسنًا . . حسنًا . لنذهب الآن إلى محل ثياب رجالي . أنت البائع وأنا المشترية . . أرني هذه البدلة الجميلة .
– إنها غالية جدًا . تساوي أكثر من 200 روبل .
– لا بأس . عندما تريد أن تدخل علي السرور , فلا تفكر في النقود .
– لكن أي سرور تحصلين عليه من شراء بدلة رجالي ؟
– البدلة تناسب زوجي
وفجأة أسألها بالروسية:
– هل أنت متزوجة يا آستا ؟
فتجيب بلهجة واعظ:
– أية جرأة . . إنما نحن نتمرن باللغة الأستونية !
وما تلبث آستا أن تخرج . وأظل أنا خلف نافذة الفصل ,
أشاهد شعرها الناعم وهو يتطاير في الريح . وأقول لنفسي:
– ربما لو كنت أصغر عشرين سنة . . كانت دروسنا تسير على نحو أكثر نجاحًا !





