فاكهة الزومبي الفاسدة -ليال الحربي / العراق
المشهد:
غرفة ضيقة مليئة بالتفاصيل الشخصية. الإضاءة خافتة. رائحة السجائر والرطوبة تملأ المكان.
البطلة واقفة، تنظر إلى الشخص الآخر المتمدد على الأريكة أمام التلفاز.
كل ما حولها مصنوع من خشب بلون غامق. الإضاءة صفراء، حميمية دافئة. المطر يهطل في الخارج.
البطلة (تتقدم بخطوات حذرة، صوتها يرتفع أحيانا وينخفض أحيانا):
عندما التقيتُ بك… كنتَ فاكهةً ناضجةً ترتجف بالحماس، جاهزا للقطف!
(تتوقف لبرهة، تطالعه بنظرة متعبة)
فما الذي جعلك تتعفّن هنا، على الأرض، وتُعفِّن معك كل الثمار القريبة منك؟
(تضيق عدسة عينيها)
أكان غياب العام عنك… أم صدمة نفسية صدمتك وجعلتك أخرق في نظري؟
أم حياتك الوحيدة الخالية من الآخرين؟
أم اختباءك في علّية منزلك؟
بماذا تفكر؟
(تقترب من الهاتف، تصفعه على الطاولة)
تشعر بحاجةٍ ماسّة إلى العزلة… لتسبّ السلطة!
“أنا أشفق عليك…!”
(تسحب عينيها عنه مزدرية)
مجرد تكشيرة شرطيّ بين حاجبيك… تدفعني لأن أكره نفسي وأنا أُطالعك!
أتدري لماذا تركتُ صحبتك؟
ليس لأنك وحيدٌ وبائس… بل لأنك تجعل حياتي تعيسةً معك، مثل ثمرة فاسدة!
(تلوّح بيدها، تتحرّك في الغرفة)
أخوك التوأم… ذاك النفعيُّ الانتهازي الذي يرأس وظيفةَ المدير العام في البنك المركزي، يعتاش على إعادة تدوير العملة التالفة مع الموظفين باتفاق منذ دهر، هو طبيعي… واضحٌ بسرقاته وانتهازيته. الجميع يسرق لنفسه، فليسرق هو!
أما أنت… تجلس محدقا كالزومبي في شاشة التلفاز، تسكر حتى الثمالة، وتسبّ حتى الانهيار. الجميع مقرفٌ لديك!
زوجتك من حقها أن تتركك… وأن تبتعد عن هذا الجنون.
(يطالعها كما يطالع كتابا، يريد قراءتها حتى النهاية، يقرأها بصمتٍ مطالع)
لنرَ ما المواضيع التي تناولتها في الأشهر الأخيرة: حقوق المرأة في الإسلام؟ كراهية النساء؟ التمييز الجنسي؟ المرأة في المذهب الجعفري؟ وآخر بوست… ألّفتَ كتابا يتحدث عن معاناة المرأة
كما تركتُك، تعيش على أعصابك، ولك رأيٌ في كلّ شيء، وغالبًا لا يعنيني كلّ ما تقوله.
أراك تمجّد المرأة كرمز مقدس وأعلى قيمة للإنسان، بينما تركتَ امرأتك تمضي وحدها وأهملتَ ابنتك. ما تقول لا يشبه ما تفعل. نحن النساء لا نحتاج كلماتٍ كبيرة عن الوطن والإنسانية، بل نحتاج… (تتوقّف فجأة) لن أكمل، لأنك لستَ مؤهلا لأن تكون رجلا.
(تعطيه ظهرها وتُطالع الصورة الشخصية المؤطّرة في الحائط، نظرة صامتة، ثم تنظر حولها)
نسلك ناضل… وانتهى في الكتب والسُكْر والتسكّع. (تتنهّد) الشيوعية كفرٌ وإلحاد، وأنت شيوعيٌّ إسلامويّ لا ديني، ترفض الحياة الغربية وتعيش فيها. تقدّس المرأة على المخلوقات الأخرى في حين يجب علينا تقديس الإنسانية. عدميٌّ ساخطٌ دون حلول. كوكتيل يؤلم المعدة. أنت حقا فاكهة فاسدة…
(تضحك بسخرية)
يستمع إليها باهتمام بالغ، كمن بلغ… وهو يدوّن كل كلمة على الشاشة أمامه، ويسجّل صوتها خلسة.
هي تعلم ولم تعد تكترث لما يفعله معها… رائحة الدخان والرطوبة تعبق في المكان…
في لحظة… نسيتُ ما الذي جاء بي إلى منزلك مرة أخرى.
آه… وعد. كنتُ قد وعدتك بأمرٍ ما، وعدتُ لتنفيذه. لكني نسيته. لي ذاكرةُ فراشة!
(صمت طويل. البطلة تقف في منتصف الغرفة، تنظر إلى المشهد)
هو: ما الذي حصل لكِ؟
(تصمت)
هو: انظري إليَّ… كنتِ فاتنةً عندما غادرتِ، عنيدةَ الطبع، متزمّتةَ التفكير، بذوقٍ رائع في ارتداء اللون الأسود ومع ذلك تمقتينه.
أتمنى لكِ السلام… فأنتِ بحاجته.
هي (تجيبه):
هل وصلتَ أنتَ للسلام المنشود؟ فبالنظر لحياة الجرذ التي تحياها… لا أظن ذلك.
للفرد، عندما يعيش تحت حكم ديكتاتوري، ثلاثُ حيوات:
الأولى، حياة اليابسة… حيث يعيش كالشجرة، ينسى الأمل والمستقبل ويعيش حاضره فقط.
الثانية، حياة الإبحار… مع السفن والمخلوقات الغريبة الجميلة التي لم يألفها يوما
والثالثة، حياة التخبط على الشاطئ.
وأنتَ اخترتَ أن تكون فقمة… فقمة إلكترونية من خلف الشاشة!
(يسألها سؤالا مباشرا، وهو يواصل النظر في شاشة هاتفه والنقر فيها)
هو: هل تدافعين عن اليهود؟
هل أنتِ متحالفة مع أقوى مصيبتين في العالم: أمريكا وإسرائيل؟!
هي (بهدوء متوتر):
هناك بلدان أكثر فظاعة
هو: لكنها ليست نزوات تاريخية.
هي :
هل تُجري استبيانا بين العرب حول “أعظم جريمة في تاريخ البشرية”؟
هل تساعد اللاجئين… لتجعلهم مادة غنية ساخرة أمام السلطة، كونهم يمتلكون مادة دسمة بالدهن الحر؟
وهل تختبئ خلف ضحايا فلسطين؟
هل انقسم العالم ليكون المرء إمّا مع أو ضد فلسطين؟
هو:
لم يصلني جوابا…
هي:
حسنًا، الحقائق متغيّرة من بلدٍ لبلد، ومن زمنٍ لزمن. بالنسبة لي الأمر مختلف.
أرى فلسطين بوجهة نظر ما عانيتُه أنا، لا ما عانيتَه أنت. أراها بندقيةَ متسكّع، رأى خير العراق لأول مرة وآخر مرّة في حياته.
عندما توفّى أبي في الجبهة كان يسكن النوادي.
وعندما مات أخي الصغير بالسلّ الرئوي في زمن الحصار، كان لا يزال مواظبا على مواصلة النوادي.
وعندما حانت لحظة سقوط النظام المهيَّأ إعلاميا وماديًا لنُصرتهم، خبّأ بندقيته في حديقة منزلنا وهرب.
هذه إجابتي… كلّنا مع الضحايا. نتعاطف بشفقة دون مساعدة. نستنكر دون فعل. فما يهمّ هراءُ الكلام؟
(تنظر إليه)
ذكّرني… ما كان وعدي لك؟
(صمت. هو يكاد يحطّم الشاشة من عضلات أصابعه)
هي (تواصل):
أنتم المهاجرين المشاكسين… فئة الهاربين. واقعيّون، عصبيّون، تأكلون بأيديكم ضحكاتكم تعلو نباح الكلاب في الليل.
أمريكا مسيحيّة جدّا بالنسبة لك. لم يتبقَّ لك غير فيسبوك الذي يمثّل لك العودة إلى حضن القبيلة.
(تقترب منه)
اترك الشاشة وأنا أحدّثك.
(يرمي هاتفه في الحائط فيتهشّم. يجلس يستمع لها ويتفحّصها بنظراته)
هي:
تسألني: “أنا مع من؟” ماذا عنك؟ ماذا عن زواجِ ابنك من يهوديةٍ بحضور الحاخام؟ وفي ختام الحديث تقول فقط أنّك تودُّ رؤيته سعيدا مع امرأةٍ اختارها لنفسه.
(تتنهّد، تنظر حولها بنبرة استنكار)
في تجمع العائلة تلفظ مفردةَ “يهودي” بنبرة واطئة، ونبرة اللعنة لديك تفوق نباحَ كلبك. كفّ عن هذه الازدواجية في خمسينَ وجهًا الذي تلبسه… على الأقل، ليس أمامي، ابنةُ بلدك، ابنةُ عِراقِك — أيها العراقي.
(صمتٌ قصير)
هو (بنبرة ختامية هادئة):
نحن نعيش في عالمٍ لا يسوده التقدير
بل أقدّرُ شيباتِك التي لم تربيك أنتَ، والتي لم تحسن وضعَك.
(هو يتقدم بخطوة بطيئة كمن يعلن نهاية وقت الضيافة، ينظر مباشرة إليها): لن أفتقدكِ
(هي تقف بثبات أمامه متحدية): لن أشتاق إليك.
(صمت قصير، ثم تغمض عينيها …) تذكّرتُ الوعد… أن لا أتركك ما حييت.
(تفتح عينيها ببطء وتنظر إليه بتوسّل ناعم)
ما دية فضّ الوعد؟
(إضاءة تتغيّر: ضوء صيفي ساطع يملأ المكان فجأة. هي ترتدي فستانا صيفيا قصيرة ثم يخفت الضوء إلى برودة شتوية، يظهر الكوت الفاشي الأسود على كتفيها)
اجعلي حضوركِ موسميا : صيفا بفستان قصير وشتاءً بكوتٍ ثقيل أسود.
( تخرج من الدار وتتركه في صمته المعهود)






