يميت ويحيي – نجيب محفوظ

المسرح منقسم إلى قسمين: قسم أمامي وهو حوالي ثلثي المساحة وهو مضاء واضح المعالم. في وسطه نخلة مغروسة، وفي جانب منه ساقيةٌ صامتة، القسم الخلفي مرتفع الدرجات على هيئة مصطبة، تغشاه الظلمة، وتلوح به أشباحٌ راقدة، نيام أو موتى، الطابع طابعٌ تجريدي.
يُرفَع الستار، على المسرح فتاةٌ جميلة تسير ذهابًا وجيئة بين النخلة والساقية، ثوبها يناسب الجو التجريدي حيث يصعب تحديده على أساسٍ جغرافي، وكذلك ثياب جميع من سيظهرون على المسرح.
ومع ارتفاع الستار تترامى أصوات معركة بين اثنين آتية من ناحية اليسار؛ شتائم وتهديدات وأصوات ضرب.
الفتاة : يا رب السماوات .. متى تختفي هذه الأصوات من الوجود؟ متى تشرق شمسك على أرضٍ ناعمة البال، قريرة العين؟ (تصغي إلى الأصوات بقلقٍ متزايد ثم تقول) تُرى هل أكفِّر عن ذنبٍ قديم؟ أو إنه بلاءٌ مركَّب في دمي؟ أو إنها أخطاء تقع فلا تلقى إرادةً صادقة لإصلاحها؟
(يتقهقر شخص مندفعًا بعنف، نتيجة لدفعةٍ قوية تلقَّاها في الخارج، ثم يسقط تحت النخلة مُغمًى عليه. الفتاة تنحني فوقه باهتمام وتربت على خده بحنان. يفتح عينَيه. ينظر إليها ثم يغمض عينَيه مرةً أخرى مغمغمًا.)
الفتى : أبي! (تربت على خده بحنان، يفتح عينيه لحظات ثم يغمضهما مغمغمًا) أمي! (تربت على خده بحنان، يفتح عينيه لحظات ثم يغمضهما مغمغمًا) زوجتي!
الفتاة : شد حيلك.
(تُدلِّك خدَّيه، يفتح عينيه مفيقًا، ينظر إليها طويلًا ثم يتمتم.)
الفتى : أنت!
الفتاة : حمدًا لله .. قم .. اعتمد على ذراعي، (تقيمه .. تمسح بمنديل جبينه وتسوِّي له شعره، وهو يأخذ في التماسك شيئًا فشيئًا)، لعلك أحسن. (الفتى لا يرد ولكنه يعاود حالته الطبيعية) تنفَّس بعمق فالجو اليوم طيب.
الفتى : لا شيء طيب على الإطلاق.
الفتاة : الجو طيب على الأقل، هدِّئ خاطرك.
الفتى : هيهات أن يطيب بعد اليوم جو أو خاطر.
(تشدُّه برقَّة إليها في دلال.)
الفتاة : تعالَ إليَّ، أنا لا أعرف اليأس.
(تحتد في عينَي الفتى نظرة، ولكنه يتراجع في حياء أمام نظراتها الحنونة.)
الفتى : لست على حال أهنأ معها بعطفك، معذرة.
الفتاة : ليتك تقنع بصدري ملاذًا لك من متاعب الدنيا.
الفتى : ليت ذلك في الإمكان.
الفتاة : إنه ممكن إذا أردته.
الفتى (متحسسًا رأسه وعنقه في تألم.) : إنه مستحيل أردتُ أم لم أُرد.
الفتاة : إنها اللعنة القديمة التي تطارد التعساء.
الفتى : الحق إنها تطارد الأحياء.
الفتاة : وعلى الأحياء أن يحذروها، إني أدعوك إلى السعادة الحقيقة في الوجود.
الفتى : حتى السعادة تنقلب أحيانًا بين أيدينا ترابًا وخجلًا.
الفتاة : يا لك من جاحد!
الفتى : لا أنكر عهدك، ولكني أخشاه؛ أخشاه في لحظة اندحاري الراهنة، وأراه من موقفي الدامي ذا جاذبيةٍ مخيفة تعمي البصر.
الفتاة : أهذا شعورك نحو تفتُّح القلب، وتألُّق الأزهار، وجني الثمر؟
الفتى : بل إني أذكر مع الأسى ثقل الجنون، وترهُّل العضلات، واسترخاء الهمم.
الفتاة : دعني أكرر أنْ ليتك تقنع بصدري ملاذًا لك من متاعب الدنيا.
الفتى : يا له من جمالٍ دافئٍ قهار. أقوى من الموت نفسه، ولكن تلاشت في أحضانه أحلامي.
الفتاة : إنه أنفع من أحلامك.
الفتى : سيظل الجبن أكبر منغِّص لصفو الرجال.
الفتاة : من عجب أن تحنَّ إلى فظاظة الخلاء!
الفتى : أحنُّ حقًّا إلى توهج مصباح الحياة على حافة هاوية الخطر الداهم.
الفتاة : والدم والتشرد والغبار.
الفتى : بل قوة الاعتداد المسخِّرة للرياح.
الفتاة : ولديَّ زلة قدم يهال التراب على رجل من الرجال.
الفتى : والصرخات المدوية تتوارى في أعقابها الفئران في الجحور، ولذة التساؤل المفعم بالقلق أمام احتمالات الحياة والموت.
الفتاة : ووجهك الملطخ بالدماء المثير للرعب.
الفتى : ونبض القلب بزهو النصر المؤسس على الحق والكرامة.
الفتاة : أنت أناني، زهدت فيَّ بعد شبع، وشاقتك رائحة الدماء.
الفتى : إني أحبكِ، ولكني أكره أن أتمرغ في التراب.
الفتاة : هذا يعني أنك لا تحبني.
(الفتى يشير إلى المصطبة المسربلة في الظلام حاملة الرقود من الأشباح.)
الفتى : ليكن لي قدوة في الغابرين.
الفتاة : لا أحب النظر نحو الموت.
الفتى : لكنهم أحياءٌ ما دمنا أحياءً.
الفتاة : فراغ وراءك وفراغ أمامك، ولا حقيقة في الوجود سواي.
الفتى : كم استنمت إلى هذا الكلام الآسر حتى داستني الأقدام!
الفتاة : لقد أشعلتَ غضبه بمزاحك.
الفتى : المزاح من آداب حياتنا، فكيف يكون جزائي ضربًا أليمًا موجعًا!
الفتاة : طالما حذرتك من المغالاة فيه.
الفتى : ولما أردت الدفاع عن نفسي خذلتْني يداي.
الفتاة : الرجل المهذب خير عندي من الرجل القوي.
الفتى : صدَّقتُ حتى وهنت مني القبضة.
الفتاة : كان عليَّ أن أنتشلك من حياة التشرُّد في الخلاء.
الفتى : وهكذا هزمني وهو يسخر من ضعفي.
الفتاة : لا تمزق عشرتنا بالكبرياء.
الفتى : إنها تتمزق بالمهانة كما تتمزق بالموت.
الفتاة : لا شيء كالموت.
الفتى : إنه ليس شر ما في الحياة.
الفتاة : صدقني فإنه العدو الأول للحياة.
الفتى : أيسرُّكِ أن أرضى بالهزيمة؟
الفتاة : ارْضَ بأي شيء إلا الموت.
الفتى : وأعود إلى اللعب السعيد وقلبي يحترق بنار الهزيمة؟
الفتاة : للزمن بلسمٌ يشفي كل شيء إلا الموت.
الفتى (مشيرًا إلى المصطبة) : تعامل أجدادنا مع الموت بعقيدةٍ أخرى فوُهبوا الخلود.
الفتاة : لقد ماتوا وشبعوا موتًا.
الفتى (مخاطبًا المصطبة وأهلها) : قولوا إنكم خالدون. صوت من المصطبة كالصدى: إنكم خالدون.
الفتاة : لا تخاطب الفراغ كالمجانين.
الفتى : ألا تسمعين؟
الفتاة : إنك تصرخ في الأموات تبريرًا لسفك الدماء.
الفتى : يا له من صوت رهيب!
الفتاة : متى كان للتراب صوت؟
الفتى (مخاطبًا المصطبة) : هل تسمعون ما يقال؟
الصوت–الصدى (بعد قليل) : هل تسمعون ما يقال؟
الفتى : ماذا فعلتم بالموت وماذا فعل بكم؟
الصوت–الصدى : ماذا فعلتم بالموت، وماذا فعل بكم؟
الفتى (لا يزال متطلعًا إلى المصطبة وكأنما يخاطب نفسه) : إنهم يرددون قولي .. أجل .. ولهذا معنًى عميق لا يخفى على لبيب .. وها هم يتحركون. (يظلون رقودًا طيلة الوقت ودون حركة) إنهم يهدون إليَّ صورةً عزيزةً غابرة. ها هو القتال يحتدم .. الشهداء يسقطون .. الجنود يتسلقون جدار الحصن كالنمل .. ها قد سقط الحصن .. وهذا هتاف النصر يدوِّي مخترقًا جدار المئين من السنين. (ثم ملتفتًا نحو الفتاة) أرأيتِ؟ أسمعتِ؟
الفتاة : لا شيء يُرى ولا يُسمع!
الفتى : لقد زلزلني هُتاف النصر فوق جثث الشهداء.
الفتاة : ما هي إلا هواجس رغباتك الجامحة في القتل؟
الفتى : سُحقًا للخمول في خمائل الورد!
الفتاة : يا حسرتاه على حكمة الأيام الناعمة!
الفتى (مشيرًا إلى المصطبة) : لقد لفحتني أنفاسهم المحترقة حزنًا عليَّ.
الفتاة : ليس للأموات أنفاس تحترق.
الفتى : إذا مات الأموات أدرك الفناء كل شيء.
الفتاة : إذا أردت الحياة حقًّا فلا تنظر إلى الوراء.
الفتى : ولكن الوراء هو الأمام.
الفتاة : ولا تنظر إلى الأمام.
(الفتى يقطِّب محتجًّا حائرًا.)
الفتاة : فلتغرق في عينيَّ توهب خلودًا بين الظُّلمتين!
(قهقهةٌ ساخرةٌ وحشية تترامى من ناحية اليسار.)
الفتى : أتسمعين استفزازه الساخر؟
الفتاة : ريح هوجاء يعربد خلالها الشقاء.
الفتى : إنه يتحداني!
الفتاة : سأغني لك أغنية ترقص لها الحمائم فاستمع لي أنا.
الفتى : فلتطرب العصافير.
الفتاة : فلتهنأ بك شهوة الدماء.
الفتى : إن قهقهته الساخرة تُحِيل الهواء في صدري ترابًا.
الفتاة : خير ما تفعل أن تُصمَّ أذنَيك.
الفتى : ولكني خلقت بأذنَين.
الفتاة : لتسمع بهما مناجاتي الدافئة.
الفتى : يا لها من مناجاة أجهضت همتي! الوداع.
الفتاة : لن تستغني عني أبدًا.
الفتى : فلتكوني الأمل المؤجل حتى يطيب كل شيء.
الفتاة : لن يطيب شيء بعيدًا عن ذراعيَّ.
(القهقهة الساخرة تترامى من بعيد.)
الفتى : الوداع.
الفتاة : انْعَم بالنوم رغم الضوضاء.
الفتى : بل أقضي على الضوضاء قبل أن أنعم بالنوم.
الفتاة : كلمة أخرى .. لا أريد أن يدركني اليأس. (الفتى يضع أصبعَيه في أذنَيه، تنظُر إليه مليًّا، ثم تمضي إلى الجهة اليمنى.)
(الفتى ينظر نحو المصطبة.)
الفتى : لا يمكن أن يدلَّني على حقيقة الحياة إلا شخص أدركه الموت.
الصوت–الصدى : الموت.
الفتى : ذهبت .. ولكنها لن تذهب بعيدًا .. محال أن أتحرر منها كلية .. ولا رغبة لي في ذلك .. ولا قدرة لي عليه .. ولكني أريد الحقيقة.
الصوت–الصدى : الحقيقة.
الفتى : أفصحوا .. لا تتكلَّموا كما تتكلَّم الصخور.
الصوت–الصدى : الصخور.
الفتى : حدِّثوني عن الموت والحياة.
الصدى : الحياة.
الفتى : من هو البطل؟
الصدى : البطل.
الفتى : أهو المحارب؟
الصدى : المحارب.
الفتى : أهو المسالم؟
الصدى : المسالم.
الفتى : اللعنة .. اللعنة .. اللعنة. (يتحول الفتى عن المصطبة .. صائحًا) عليَّ أن أستعد .. إليَّ بالطبيب .. أيها الطبيب.
(يدخل الطبيب .. بنفس الثياب التجريدية، ولكنه ذو لحية، وبيده حقيبة.)
الطبيب : لا تصرخ اتقاءً للمضاعفات.
الفتى : وهل تأكَّدت من مرضي حتى تحذرني من المضاعفات؟!
الطبيب : إننا لا نُدعَى للأفراح.
الفتى : بل يبدو لي أني مريض.
الطبيب : إنني أعمل يومَين في اليوم الواحد.
الفتى : ياه!
الطبيب : إنه الوباء.
الفتى : هل يوجد وباء؟
الطبيب : كأنك تعيش في قُمْقم.
الفتى : قمقم من الغم.
الطبيب : وهم ينتشر رغم المقاومة الفنية المنتظمة.
الفتى : لعلكم ازددتم به ثراءً على ثراء.
الطبيب : نحن نثري بفضل الأمراض لا الأوبئة.
الفتى : لكن الوباء ما هو إلا مرضٌ كبير.
الطبيب : الوباء ينتشر انتشارًا أعمى فيهدد كبار رجال الدولة؛ ولذلك فهم يسخِّرون الأطباء لمقاومته فلا نفيد من ورائه خيرًا يذكر.
الفتى : أمر يدعو للأسف، ولكننا ندفع ثمن إهمالنا للبيئات الفقيرة القذرة.
الطبيب : الوباء وفد من الخارج كالعادة دائمًا.
الفتى : ربما ولكنه يستفحل في البيئات الفقيرة.
الطبيب : استفحل هذه المرة في البيئات الراقية.
الفتى : ظاهرةٌ غريبة تستحق الدراسة.
الطبيب : لكنك استدعيتني لأمرٍ أهم من التزود من الثقافة الصحية العامة.
الفتى : عندك حق، إني أعتقد أني مريض.
الطبيب : إني مُصغٍ إليك يا سيدي.
الفتى : لا أعراض خاصة تستحق الذكر.
الطبيب : لعلك ترغب في إجراء كشفٍ عام؟
الفتى : تقريبًا.
الطبيب : إما أنك تريد أو لا تريد، فما معنى قولك «تقريبًا»؟
الفتى : لا مؤاخذة، فهذا ما قصدته بالدقة.
الطبيب : ولِمَ لَم تذكر ما تقصد بالدقة من أول الأمر؟
الفتى : لا تشتدَّ في محاسبتي على أسلوبي في الكلام.
الطبيب : هل يجرى كلامك على هذا النحو القلق عادة؟
الفتى : تقريبًا.
الطبيب : عدنا إلى تقريبًا!
الفتى : فلنفترض أن الجواب بالإيجاب.
الطبيب : فلنفترض! .. ألا تستطيع أن تعبِّر عما تريد بدقة؟
الفتى : طيب، إني أرغب في إجراء كشفٍ عام.
الطبيب : أسلوبك في الكلام لا يخلو من دلالةٍ مريبة.
الفتى : عُدنا إلى الأسلوب.
الطبيب : إنه أول عَرَض.
الفتى : عَرَض؟
الطبيب : إنك تحاور وتداور، ولا تقصد إلى هدفك رأسًا.
الفتى : معذرة.
الطبيب : وهذا من أول أعراض الوباء.
الفتى : الوباء!
الطبيب : أما بقية الأعراض فيمكن استنتاجها.
الفتى : لا أفهم شيئًا.
الطبيب : غير مهم.
الفتى : ولكنه مرضي أنا.
الطبيب : إنه وباء فهو ملكيةٌ عامة.
الفتى : فليكن، علينا أن نفهمه على أي حال.
الطبيب : بل عليك أن تتداوى منه.
الفتى : حسنٌ، فلتحدثني عن بقية الأعراض.
الطبيب : بل عليك أن تحدثني أنت.
الفتى : ولكنك قلت إن بقية الأعراض يمكن استنتاجها.
الطبيب : أتريد أن ترسم لي خُطتي في العلاج؟
الفتى : أنا تحت أمرك.
الطبيب : هذا هو العَرَض الثاني.
الفتى : أين هو؟
الطبيب : بعد المحاورة والمداورة تُصدر جملةً واضحة محددة وهي «أنا تحت أمرك».
الفتى : ولكنها مجرد مجاملة!
الطبيب : هذا ما يُخيَّل إليك، أما الواقع فإنه العَرَض الثاني.
الفتى : بهذه الطريقة يمكن أن نعتبر أي عبارة عَرَضًا من أعراض الوباء.
الطبيب : قولك هذا يقطع بعدم ثقتك في العلم.
الفتى : ولكني من المتحمسين للعلم.
(الطبيب يهزُّ رأسه في شك وهو صامت.)
الفتى (وهو يشير نحو المصطبة المسربلة بالظلام) : إني من أصلٍ عريق كان أول من أحرز في ميدان العلم نصرًا.
الطبيب : الإشارة نحو الظلام مقرونة بالمُباهاةِ عرَضٌ ثالث من أعراض الوباء.
الفتى : لست من هؤلاء .. إني بصفةٍ عامة متعصب للعصر الحديث.
الطبيب : متعصب؟!
الفتى : أقصد أنني متحمس للعصر الحديث، ولا ألتفت نحو الأسلاف إلا تحت ضغط ضرورةٍ ملحَّة.
الطبيب : وهاك عَرَضًا من أعراض الوباء.
الفتى : إذن فأين يقع السلوك الصحيح؟
الطبيب : إنك لا تدري عنه شيئًا فيما أرى.
الفتى : إني أجد دوارًا في رأسي!
الطبيب : الصراحة تُحدِث لك دوارًا؟ عَرَض خامس!
الفتى : لعلي بالغتُ في التعبير.
الطبيب : من الدوار إلى المبالغة .. عرض سادس!
الفتى : خير ما أفعل أن ألزم الصمت.
الطبيب : من الدوار إلى المبالغة إلى الصمت .. عرض سابع!
الفتى : ها .. ها .. ها!
الطبيب : دوار، مبالغة، صمت، ضحك بلا سبب .. عرض ثامن!
الفتى : ها .. ها .. ها .. ها .. ها!
الطبيب : إغراق في الضحك رغم التأكد من أعراض الوباء .. عرض تاسع!
(الفتى يخفي وجهه بين كفَّيه.)
الطبيب : وتخفي وجهك، ولكن أعراض الوباء لا تختفي.
الفتى : وماذا يمكن أن أفعل؟
الطبيب : وهذا هو التساؤل الذي يمثل أخطر أعراض الوباء.
الفتى : الحق أنك لا تشخِّص مرضًا، ولكنك مصمم على إثبات وجود الوباء.
الطبيب : ها أنت تبدأ بالتهجم عليَّ، ومعنى ذلك أنك تهادن من يتحرش بك وتتحرش بمن يحسن معاملتك .. وهذا هو العرَض العاشر.
الفتى : إنك تثير غضبي.
الطبيب : وتغضب حيث يجب الحلم .. العرض الحادي عشر.
الفتى (هازئًا) : لولي لا بم.
الطبيب : هذيان لفظي .. العرض الثاني عشر.
الفتى : سيدي الطبيب، ألم تعالج في حياتك رجلًا من أصحاب النفوذ؟
الطبيب : حصل.
الفتى : وهل صارحته بما تصارحني به الآن؟
الطبيب : كلَّا.
الفتى : وكيف تصرَّفت معه؟
الطبيب : تجنَّبتُ ذكر أي عرض يسيء إليه.
الفتى : ولكنك عرَّضت حياته للخطر؟
الطبيب : هذا على أي حال خير من تعريض حياتي للخطر.
الفتى : أليس ذلك بعَرَض من أعراض الوباء؟
الطبيب : بلى.
الفتى : إذن فأنت مُصاب أيضًا.
الطبيب : طبعًا لم يسلم من الوباء أحد!
الفتى : ألا تتداوى من الداء؟
الطبيب : بنفس الدواء الذي سأصفه لك.
الفتى : وهو؟
الطبيب : إنه دواءٌ واحد لا بديل له، وهو أن تسير إذا سرت على يديك، أن تسمع بعينيك، أن ترى بأذنيك، أن تتذكر بعقلك، وأن تعقل بذاكرتك.
الفتى : يا له من دواءٍ غريب وشاق!
الطبيب : ولكنه ناجح وفعَّال ومجرَّب!
الفتى : شكرًا لك.
الطبيب : عفوًا آن لي أن أذهب.
الفتى : مصحوبًا بالسلامة. (الطبيب يتجه نحو الناحية اليسرى. صوت القهقهة الساخرة يرتفع، الطبيب يتوقف عن السير، يستدير ذاهبًا إلى الناحية التي جاء منها ويختفي) آن لهذا الصوت الكريه أن يخمد، ولا حل إلا أن أؤدبه!
صوت من الجهة اليمنى : بل يوجد حلٌّ آخر.
(يدخل رجلٌ عملاق بادي الاعتداد بالنفس مبتسمًا بمودة.)
الفتى : من أنت؟
العملاق : صديق.
الفتى : ولكني لا أعرفك.
العملاق : نحن في عالم لا نعرف إلا أعداءنا.
الفتى : ولكني لم أرك من قبلُ.
العملاق : ها أنت تراني، وفي هذا الكفاية.
الفتى : لا حول ولا قوة إلا بالله!
العملاق : تذكر هذه اللحظة جيدًا فسوف تؤرخ بها السعادة في عمرك.
الفتى : وماذا تريد؟
العملاق : أن أساعدك.
الفتى : في أي شيء؟
العملاق : في قهر عدوك.
الفتى : ولكني لم أطلب مساعدة أحد.
العملاق : وهذا يجعل من تقدمي إليك سلوكًا جديرًا حقًّا بالصداقة.
الفتى : ومن الذي أرسلك؟
العملاق : قل إنها العناية الإلهية.
الفتى : هذه إجابةٌ عامة ولا تَشْفي.
العملاق : إذن اعتبر أنني جئتك بحكم وظيفتي.
الفتى : وما وظيفتك؟
العملاق : أن أقيم ميزان العدالة.
الفتى : ومن قلَّدك هذه الوظيفة؟
العملاق : الفرد هو الذي يختار الوظيفة التي تناسبه.
الفتى : ولكنني لم أسألك المعونة.
العملاق : ربما لأنك لم تكن تعلم بوجودي على كثب منك. وربما …
الفتى : وربما؟
العملاق : وربما لأنك تبالغ في تقدير قوَّتك.
الفتى : هذا شأني على أي حال.
العملاق : كلَّا.
الفتى : كلَّا؟!
العملاق : إنه يدخل ضمن اختصاص وظيفتي، عليَّ أن أنقذك ولو من نفسك.
الفتى : ولكن مرجع الأمر في النهاية إليَّ أنا.
العملاق : ويرجع إليَّ بحكم وظيفتي.
الفتى : إني أشكرك، أرجو ألا تغالي في اختصاص وظيفتك. ثمة رجلٌ وقح اعتدى عليَّ، ولا مفر من أن أؤدبه بنفسي.
العملاق : ولكنه يفوقك قوة، ولا دافع لشرِّه سواي.
الفتى : لستُ في حاجة إلى مساعدتك.
العملاق : بل إنك في مسِيس الحاجة إليها.
الفتى : أكرر الشكر، ولكنني لا أعرفك ولا تربطني بك صلةٌ حقيقية.
العملاق : إني جزء لا يتجزأ من المكان، لي فيه رزق وصهر، وتربِط أسرتي بأجدادك أواصر مودةٍ قديمة.
الفتى : أجدادي؟! .. إني أشك في ذلك.
العملاق : من أين لك هذا الشك؟
الفتى : إني أعرف من كانوا على صلة بهم.
العملاق : لا بد أن تفوتك معرفة البعض، وأسرتي كانت ضمن ذلك البعض.
الفتى : حتى لو صح ذلك، فإنني لا أعتبره مُلزِمًا لي بقبول مساعدتك.
العملاق : إني أذكر ذلك التاريخ باعتباره مسوغًا للقبول لا ملزمًا له.
الفتى : إذن لا إلزام هناك.
العملاق : أما الإلزام فيجيء من طبيعة وظيفتي.
الفتى : إني أرفض مبدأ الإلزام!
العملاق : عجيب أن تقف هذا الموقف العنيد من مُساعد السماء!
الفتى : أنا الذي تلقيت الضربة وأنا الذي عليَّ ردها.
العملاق : لن تستطيع ذلك وحدك.
الفتى : هذا لا يعنيك في شيء.
العملاق : بل هو كل شيء عندي، هو وظيفتي في الحياة.
الفتى : لا شأن لي بوظيفتك.
العملاق : لا تجعلني أشك في قواك العقلية.
الفتى : انصرف من فضلك، ودعني أتصرف كما أشاء.
العملاق : فكر .. فكر طويلًا .. لا ترفض هبة العناية الإلهية.
الفتى : أنا الذي تلقيت الضربة وأنا الذي عليَّ ردها.
(الفتاة ترجع وتتخذ مكانها بين الرجلَين، العملاق يحني لها رأسه فترد التحية.)
العملاق : لي عظيم الشرف بلقاء ربة الدار.
الفتاة : شكرًا يا سيدي.
العملاق : كنت أذكِّره بالصلة القديمة التي ربطت بين أسرتي وأجداده.
الفتاة : سمعت كل شيء.
العملاق : إنه ينكر تلك الصلة.
الفتاة : لا يمكن إنكار أي صلةٍ قديمة أو حديثة.
العملاق : مرحبًا بصوت الحكمة.
الفتاة : كن رفيقًا به فهو غاضب.
العملاق : ألَا يحق لي أن أتمسك بأداء وظيفتي؟
الفتاة : مباركة الوظيفة التي تصون الحياة.
العملاق : مرحبًا بصوت الحكمة.





