نَحْنُ الحَيَاة / أ. عبدالكريم مراد

أيُّها الحِضْنُ الدافئُ…
يا وَطَني،
مُنذُ غادرتُكَ
تباهى الحُزنُ
بأنَّه أكبرُ من الأحلام،
وامتدَّ الخوفُ إلى الأعماق،
وانعكستْ آيةُ الوجودِ في مرايا الروح،
وبدأتْ في الشرايين
تهبُّ رياحٌ عاتية…
ومع ذلك،
تفتَّحَ الزهرُ
رغمَ تناثرِ الطَّلْع،
وخرجَ من بينِ الركامِ
صوتٌ يقول:
إنَّه الأملُ
بغدٍ أفضل.
فالأملُ يدفعني
إليكَ أكثرَ… وأكثر،
ويوقظُ في داخلي
حنينًا لا يهدأُ
إلى كلِّ شيءٍ تركتُه فيكَ…
أحنُّ إلى داري،
إلى مدرستي،
إلى المعهدِ الملوَّنِ
بألوانِ الزهر،
حيثُ كانتِ الحياةُ
تسطعُ من عيونِ الصغار،
وتنبثقُ براعمُ الشوق
إلى أهلي،
وطُلّابي،
وأقراني…
ولن تستطيعَ أيَّةُ أرضٍ،
مهما اخضرَّتْ
وازدانتْ،
أن ترويَ عطشي
إلى وجهِكَ،
ولا أن تمسحَ غبارَ التعب
عن جبيني،
ولا شبحَ الأسى
عن قلبي المُنهَك…
والتاريخُ يشهدُ:
فالخالةُ لا تُغني عنِ الأُمّ.
⸻
يقولون:
وشاحُ الحربِ
وسُحُبُ دخانِ الحَرْقِ
تحجبُ زرقةَ سمائك،
وأنَّ أرضَكَ
تستسقي أرواحَ أبنائها
كلَّ لحظة،
فتُذبَحُ كلَّ يومٍ
ألفَ مرَّة…
لكنَّ عهدي بكَ
كشجرةٍ عاتيةٍ
في وجهِ الريح؛
لا تنحني،
ولا تفقدُ جذورَها
مهما اشتدَّ العصف.
فارسٌ مُعلَّم،
كأنَّكَ وسطَ الوغى
تنادي:
أنا وريثُ الفراتِ ودجلة،
أصالتي نبعُ الفيجةِ وبردى،
وألحاني أنينُ نواعيرِ العاصي،
وزوَّادتي تفاحُ الخابور،
وقيلولتي تحتَ ظلالِ الحورِ
على ضفَّتَي جَقْجَق،
وبينَ صخورِ الجرّاح…
أجدادي سكنوا
ليلانَ،
وگري موزا،
وديرَ معلولا،
وشيَّدوا جسرَ عينِ ديوار،
وقلعةَ الرصافة،
ومدرَّجَ بصرى،
وأقواسَ الحميدية،
وجامعَها،
ومكتبتَها التي تحملُ اسمَكَ،
وقصرَ زنوبيا في تدمر،
وعمريت،
وأوغاريت،
وماري…
ومع زيتونِ عفرينَ الجريحة
غرسوا جذورَ السلام،
وأمامَ قلعةِ حلب،
وعلى ضفَّةِ نهرِ قويق،
شيَّدوا الرجولة،
وعلى أبوابِ دمشقَ كلِّها
زرعوا الياسمين،
ليتدلّى عطرُه
من نوافذِها،
وعزقوا غوطتَها
بعرقِ الجبين.
وها هو تمثالُ صلاحِ الدين،
وتماثيلُ هنانو،
ويوسفِ العظمة،
وسلطانِ الأطرش،
وصالحِ العلي،
تبثُّ في الروحِ عزماً،
وتُعمِّقُ فينا الأصالة،
وتشدُّ في صدري
رباطَ التفاؤل
بأوتادِ الحياة.
يا بلدَ الشمس…
لقد كنتَ
سفيرَ السلامِ والمحبَّة،
وها أنتَ اليوم،
رغمَ الأسى،
تشمخُ من جديد،
وتقولُ للعالمِ أجمع:
إنَّ أبنائي موجودون…
سوريُّون،
فُسَيْفِساءُ هذا الوطن،
نسيجٌ ملوَّنٌ
بتنوُّعهم،
بأطيافهم،
وثقافاتهم،
وأديانهم ومذاهبهم،
يحيَون،
ويفكِّرون،
ويبدعون…
ومن الألم
يصنعونَ الأمل،
ومن الرماد
يشعلونَ شمعةَ الغد،
ومن الجراح
يبنونَ طريقًا
نحوَ المستقبل.
سيطوونَ جراحَهم،
لا لينسوا،
بل ليحفظوا الدرس،
ويبتسموا للمستقبل،
رغمَ قسوةِ القدر…
ثم يصرخونَ
ملءَ الحناجر:
لقد خُلِقنا
لنكونَ أبناءَ الحياة!
أجل…
نحنُ الحياة.
11.12.2023



