مرايا الضمير (2)الجريمة المركّبة/ياسين احمد خلف*

حين نسمع كلمة جريمة يتبادر إلى أذهاننا القتل، أو السرقة، أو السلب، أو غيرها من الأفعال التي يجرّمها القانون ويستنكرها المجتمع.
لكنني أعتقد أن هناك نوعًا آخر من الجرائم، لا يقل خطورة، بل قد يكون أشد أثرًا، لأنه لا يعتدي على الحقوق وحدها، بل يعتدي على الضمير أيضًا. إنها الجريمة المركّبة.
تبدأ هذه الجريمة حين يتحدث الإنسان عن الفضيلة، ويدعو إلى المحبة، والصدق، والصدقة، والعمل الصالح، بينما يعيش فوق أكوام من الخيانة والرذيلة والظلم، ويضمر للناس الحقد والكراهية، ويستولي على حقوقهم، ثم يبتسم في وجوههم وكأن شيئًا لم يكن.
هنا لا تكمن الجريمة في الفعل وحده، بل في ازدواجية السلوك؛ إذ لا يكتفي صاحبها بالإساءة إلى الآخرين، بل يشوّه صورة الفضيلة نفسها. فهو يعرض للناس بضاعة تبدو نقية، بينما يخفي في داخله بضاعة فاسدة.
وهذا أخطر ما في الأمر؛ لأن الإنسان لا يكذب على الناس فحسب، بل يجعل الفضيلة وسيلة لخداعهم. وعندما تتكرر هذه الممارسات، يبدأ بعض الناس بفقدان ثقتهم بالقيم نفسها، فيختلط عليهم الصادق بالمنافق، والمخلص بالمتاجر بالأخلاق.
وهنا تتحول الجريمة من اعتداء على فرد إلى اعتداء على المجتمع كله، لأنها تفسد ميزان القيم، وتدفع الآخرين إلى النفور من الفضيلة بدل الاقتراب منها، وكأنها تُعّلم الرذيلة تحت عنوان الفضيلة.
إن الجريمة التي يعاقب عليها القانون قد تنتهي عند حدود الفعل، أما الجريمة التي ترتدي قناع الفضيلة، فإن أثرها يمتد إلى العقول والضمائر، لأنها تقتل الثقة قبل أن تقتل الحقيقة.
ولعل أخطر ما في هذه الجريمة أنها لا تترك جرحًا في الجسد، بل تترك شرخًا في الضميًر
لانها جريمة مركّبة
لماذا يرتكب الإنسان هذا النوع من الجريمة؟
قد يفعل الإنسان ذلك لأنه يظن أن المظهر يغنيه عن الجوهر، وأن الكلمات تكفي لصناعة الفضيلة. لكنه ينسى أن الفضيلة ليست ما نقوله، بل ما نمارسه حين لا يرانا أحد. فالكلمات قد تخدع الناس زمنًا، أما السلوك فهو الذي يكشف الحقيقة في النهاية
رايكم
فهل تبدأ الجريمة حين نرتكب الخطأ، أم حين نحاول أن نجعل الخطأ يبدو فضيلة؟
*أكاديمي عراقي مغترب





