ليس الموت آخر ما يفعله السجن/رانية مرجية

حين رحل الأسير المحرر ماهر عبد اللطيف يونس، لم يخطر ببالي عدد السنوات التي قضاها في الأسر. الأرقام، مهما كبرت، تبقى عاجزة عن وصف حياة. أربعون عامًا ليست رقمًا في سجل الحركة الأسيرة، ولا مدةً في حكمٍ قضائي. أربعون عامًا هي عمرٌ كامل عاشه رجل خارج الزمن الذي يعرفه البشر.
ثمة فارق بين أن يعيش الإنسان أربعين عامًا، وأن يقضي أربعين عامًا ينتظرها.
ذلك أن الاحتلال، في جوهره، لا يكتفي بالسيطرة على المكان. المكان يمكن أن يُستعاد، والحدود يمكن أن تتغير، والبيوت يمكن أن تُبنى من جديد. أما الزمن، فإذا سُرق، فلا يعود. وهذه، ربما، هي أكثر صور الاستعمار اكتمالًا؛ أن يتحول إلى سلطة على أعمار الناس، لا على أرضهم وحدها.
كان ماهر يونس واحدًا من أولئك الذين اختبروا هذه الحقيقة حتى أقصاها.
دخل السجن شابًا، وخرج منه رجلًا يحمل في جسده أربعة عقود من الغياب. لم يكن الغياب عن الحرية فقط، بل عن التفاصيل التي تصنع الحياة من دون أن ننتبه إليها؛ مقعدٌ بقي فارغًا على مائدة العائلة، أمٌّ كانت تعد الأيام ثم أدركت أن الأيام تعدها هي أيضًا، أبٌ ينتظر ابنه وهو يعرف أن العمر أقصر من الانتظار، وأطفالٌ كبروا على صورٍ أكثر مما كبروا على الوجوه.
من هنا، تبدو عبارة “أربعون عامًا في الأسر” قاسية لأنها ناقصة.
إنها تخبرنا كم مضى من الوقت، لكنها لا تخبرنا ماذا أخذ الوقت معه.
فالسنوات ليست وحدات حساب، بل أوعية للحياة. فيها تُولد العلاقات، وتنضج التجارب، وتتراكم الذكريات، ويتعلم الإنسان نفسه. وحين تُنتزع هذه السنوات، لا تضيع الأيام وحدها، بل تضيع الحيوات التي كان يمكن أن تولد خلالها.
ولعل هذا ما يجعل تجربة الأسر الفلسطيني تتجاوز معناها السياسي المباشر.
إنها ليست فقط قصة شعب يواجه احتلالًا، بل قصة إنسان يُنتزع من إيقاع الحياة، ثم يُطلب منه، بعد سنوات طويلة، أن يعود إليها كأن شيئًا لم يكن.
لكن الحياة لا تُستأنف بضغطة باب.
فالزمن لا يعرف الرجوع، والجسد لا ينسى.
ولهذا، فإن كثيرًا من الأسرى يغادرون السجن، بينما يبقى السجن مقيمًا في أجسادهم؛ في قلوب أنهكتها السنوات، وفي ذاكرة لا تنام بسهولة، وفي تفاصيل صغيرة لا يراها أحد. حتى المرض، في حالات كثيرة، لا يكون حادثًا منفصلًا عن الاعتقال، بل فصلًا متأخرًا منه.
لهذا لا يمكن فهم رحيل ماهر يونس خارج سياق السنوات الأربعين التي سبقته.
فالاحتلال لا يمارس العنف فقط حين يعتقل، بل حين يجعل آثار الاعتقال أطول عمرًا من الاعتقال نفسه.
ومع ذلك، لم يكن أكثر ما يلفت في سيرة ماهر يونس طول أسره.
كان أكثر ما يلفت فيها أن الزمن، الذي أراده السجّان أداةً للإخضاع، انتهى شاهدًا على فشله.
لقد أخطأت السجون، عبر التاريخ، في فهم الإنسان. ظنت أن طول العتمة كافٍ لإطفاء الضوء، وأن التكرار كافٍ لإضعاف المعنى، وأن الأعوام، إذا تراكمت، ستقنع صاحبها بأن الحرية فكرة باهظة الثمن.
لكن الحرية ليست حسابًا رياضيًا.
إنها علاقة الإنسان بنفسه.
ولهذا استطاع كثير من الأسرى أن يخرجوا من الزنازين بأجسادٍ متعبة، لكن بضمير لم يستطع السجن الوصول إليه. كانت خسائرهم هائلة، لكنهم رفضوا أن تكون خسارتهم الأخيرة هي خسارة ذواتهم.
وربما في هذا تكمن المعضلة الأخلاقية لكل استعمار.
فهو يستطيع أن ينتصر في معركة القوة، لكنه لا يستطيع أن يضمن انتصاره في معركة المعنى.
وحين يعجز عن امتلاك المعنى، يبدأ الزمن بالعمل ضده.
تمضي السنوات، وتُطوى الحكومات، وتتبدل الوجوه، وتختفي أسماء السجانين واحدًا بعد آخر، بينما يبقى في الذاكرة اسم الأسير الذي ظنوا أن الزمن سيبتلعه.
وهكذا، لا يصبح السؤال: كم سنة أمضى ماهر يونس في الأسر؟
بل: كيف استطاع، بعد كل تلك السنوات، أن يحفظ في داخله ما عجز السجن عن مصادرته؟
ربما لهذا لا تُقاس قيمة الإنسان بما خسره، بل بما بقي منه بعد الخسارة.
لقد رحل ماهر يونس، لكن رحيله يعيد إلينا حقيقةً كثيرًا ما نتجنبها: أن الاحتلال لا يسرق الأرض وحدها، بل يسرق أعمارًا كاملة. وأن أخطر ما يفعله السجن ليس أنه يمنع الإنسان من الحياة، بل أنه يحاول أن يغيّر معنى الحياة نفسها.
غير أن التاريخ، في النهاية، لا ينحاز إلى القوة المجردة.
إنه ينحاز، ولو بعد حين، إلى أولئك الذين استطاعوا أن يحموا إنسانيتهم في أكثر الأماكن تصميمًا على سلبها.
ولعل هذا، قبل أي شيء آخر، هو ما يبقى من ماهر يونس.





