أحاديث زور النور – أ.مالك بن فرحات

تقديم :
دفعني إلى إنشاء هذه الأحاديث القليلة كتاب قرأته و أعجبت به ، و هو كتاب ” منمنمات يليها أخبار مدرج الريح” للشاعر التونسي فتحي النصري في جزئه الثاني الموسوم بأخبار مدرج الريح ، و إني أكذب إن زعمت أني أنشأتها على غير مثال سابق ، و يكون كذبي أشد إذا زعمت أنه لا يحمل بصمتي الخاصة التي شكلتها عصارة ما قرأت من آداب العرب و العجم.
الأحاديث :
الرؤى التي نراها في المنام و ما ننشئه في الفن من خيالات يصدران من مشكاة واحدة.
حديث الرؤيا :
حدث المجنون قال :
رأى زوْرالنور في منامه فتاة لم ير في الدنيا أنثى في مثل حسنها ، فوقع هواها في قلبه وقع إبرة الواشمة في الجلد ، و ما زال في رؤياه مثبتا عينيه فيها كمن يرى الأعاجيب حتى دنت ساعة يقظته و أخذت صورة الفتاة في الامحاء و لم يبق من جسدها سوى وجهها . و حينئذ نطقت صاحبة الوجه تشيع صاحب الرؤيا إلى عالم اليقظة قبل رحيله : اذكرني يا زور كثيرا اذكر غانية الرؤيا.
حديث الشوق :
الوهم عندي كالحقيقة و الحقيقة مثل وهمي
حدث خليل زورالنور قال :
لم أحسب زورالنور حين حدثني بحديث رؤيا الفتاة و ما لقيه منها إلا عابثا ، و ظننت حديثه ابن ساعته ينقضي بانقضائها ، حتى كذب ظني أن رأيته يكثر من ذكرها إكثار ذي لهف و عليه أمارات الشوق بادية ، و لما استيقنت منه الجد صرت أعذله من بعد أن كنت أسخر منه ، و كنت أقول له : أنت تهوى وهما و يعذبك الوهم ، فيقول: أنتم الوهم و هي الحق.
حديث السبات :
حدث زورالنور قال :
كنت أكثر النوم حتى غلبت ساعات سباتي ساعات صحوي و صرت في حكم الموتى ، و كنت أصل في النوم الليل بالنهار و النهار بالليل طمعا في أن تمثل لي زائرة الرؤيا التي ما رأيتها قط مذ رأيتها أول مرة ، و الرؤى بها ضنينة لا تمثل لبصري غير صور الرعب ، و بينا أنا في غيبتي ليلة إذ سمعت صوتها دون أن أرى صورتها و هو يقول : “لا تطلبني في الغيبة بل اطلبني في الشهادة تجدني ” و لم يعرف جفني مذ تلك الليلة النوم إلا قليلا مما أتقوى به في صحوي و أنا أجهد في طلبها طلب الحصاة في البحر.
حديث الغيبة الكبرى
حدث المجنون قال :
مكث زور النور عندي دهرا طويلا لا يتحول عن مقامه قدام الصورة حتى سئمته و ثقل علي مقامه و كان صرفه من البيت أثقل علي من ثقله لحيائي ، و كان الناس يتقولون علينا الأقاويل ، فزادوا على رمينا بالجنون أن رمونا بعمل عمل أهل القرية ، و كنت أتعمد تكدير زور النور و أفتعل الخصومات عله يتزحزح عن بيتي فما يجدي صنيعي و لا يبرح موضعه ، حتى صرت من ثقله على نفسي أصرف الوقت خارج البيت و أرجع إليه عند المغيب و لم يشفني ذلك لما ألقاه من الناس الذين يحسبونني مجنونا . و بينا أنا مطرق في خلوتي إذ هداني الله إلى أن أهبه صورة غانية الرؤيا يؤوب بها إلى بيته ، و إنه ليثقل على الفنان أن يهب صنيعه كما يثقل على الوالد أن يهب ولده و لكن للضرورة أحكاما. و حين أتيته وجدته غافيا فهززته ليصحو فسقط و قد فاضت روحه ، فحزنت على فراقه حزنا عظيما و أثقلني ذهابه بلا عودة و ندمت على ما أسررت له في نفسي و ما صنعته معه ندما شديدا ، و عملت له بعد دفنه صورة و وضعتها جنب صورة غانية الرؤيا . و صرت مذاك أراهما في المنام كثيرا يرتعان في الرياض ، و تمثل غانية الرؤيا في كل مرة على صورة غير التي رأيتها عليها قبلها و زور النور على صورة واحدة أبهى من صورته في الدنيا.
حديث القهوة :
حدث خليل زورالنور قال :
لم ألق زورالنور بعد أن هجر النوم إلا حاملا فنجان قهوة يشحذ به عينه لتحول دون إطباق الجفنين كما يحول بين البحرين الحاجز ، و كان إذا أنفد الفنجان عبأه أخرى و أنا أتفقده من حين إلى حين مشفقا من أن يهلكه إنفاقه الراحة في سبيل المشقة ، و لقد وافيته ليلة يضل في ظلمائها السنور و هو ينهد إلى السماء و قدامه نار و في يمينه الفنجان ، و عيناه سقيمتان يكاد الكرى يطمسهما و يأخذه إلى الغيبة ، و كان إذا نعس و أوشك يغمض انتبه فتبدو من عينه أغصان حمراء كأنها الصواعق . و إني لأهم بأن ألومه لوما لطيفا فيخرسني مصغيا سمعه إلى صوت لا أسمعه كأنه يطلب ألا ألهيه عنه . و يقلب بصره حوله في صور لا أراها ، ثم ينتبه
مغموما فيجده قد قلب الفنجان و أهرق ما فيه سهوا فيزداد غمه فيملؤه أخرى ثم يسهو و يهرقه حتى أفرغ الوعاء الذي يصب منه . و كنت أناشده الله أن أحمله إلى البيت لينام فيمتنع و يقول باكيا : مثلت لي التصاوير كلها إلاها و سمعت كل صوت غير صوتها حتى فرغ وعائي من التصاوير و الأصوات . و يدفع إلي الوعاء و يقول : هاك اعصر الليل فيه و اجعل لي منه قهوة لا تفنى.
حديث الصورة
روى المجنون قال :
بقي زورالنور دهرا على حال يحار فيها الأساة و الراقون ، فهو إما معتزل الخلق في الليالي المقفرة و إما نائم أكثر يومه ، و يئس منه أصحابه و انفضوا عنه و كان ينهرهم كثيرا لأنه كره منهم الملامات و أحاديث الراشدين العقلاء ، و كان يحن إلى مصاحبة مجنون و السماع ، حتى اتفقت ساعة عزلته و ساعة عزلتي ليلة بلجة في معتزل لا أناسي فيه سوانا ، فأقبل علي و أقبلت عليه إقبال الروحين المؤتلفين و تجالسنا و عرفني قصته مع غانية الرؤيا ، و كان قد سمع مني كلاما متزنا دالا على كمال العقل فعحب من رمي الناس لي بالجنون فقلت له : إني لأعقل عقلائهم غير أني على مذهب ليسوا عليه إذ جعلت الفن لي شغلا كما جعلوا المأكل و المشرب و اللغو لهم شغلا ، و إنهم يرون على جدر بيتي تصاوير كثيرة و يسمعونني أحيانا أرفع صوتي بإنشاد شعر لا يفقهون له معنى حتى قر في نفوسهم أني خسرت لبي فتهيبوني ، و كانوا يمسكون صبيانهم عن الدنو من بيتي إذا أغرتهم أفانينه و جمال صنائعه و يقولون لهم : لا تقربوا بيت الشيطان . و لما سمع زورالنور أمر بيتي قبض على ثوبي و ناشدني الله بعينين فيهما شوق أن آخذه إليه ، حتى إذا بلغنا البيت أخذ يتنقل بين التصاوير انتقال الأم الباحثة عن ابن ضال بين الصبيان اللاعبين ، حتى وقع بصره على صورة جثا منها على ركبتيه ثم ارتمى عليها و أخذ يتحسسها بأنامله و هي لسيدة من نبلاء القرون الخالية مثلت لي في رؤيا فصورتها و كان يهمس دامعا : ها أنت ذي ها أنت ذي.
حديث المكث :
حدث زورالنور قال :
لم أبرح بيت خليلي المجنون مذ وقعت عيني به على صورة غانية الرؤيا ، و أنا جالس النهار و الليل قدام صورتها مثبتا عيني فيها و يأتيني خليلي بالمآكل و المشارب و هو مستبشر بأن ظفر بمن على مذهبه في الجنة ، و كان قد هيأ لي مرقدا أمام الصورة لعلمه بأن انقطاعي عنها يقتلني ، و إني لأرى غانية الرؤيا في غفواتي كثيرا لأني لا أصرف عنها عيني في صحوي فأنا أسعد الخلق لظفري بمنيتي في منامي و يقظتي ، و وجدني خليلي المجنون يوما على كدر و لم أعرف مذ سكنت بيته كدرا ، فأخبرته بأن خصاما نشب بيني و غانية الرؤيا ساعة المنام ، و حين خاطبت صورتها ساعة الصحو رائما إصلاح ذات بيننا وجدتها جامدة خرساء و كان من دأبها أن تتحرك و تكلمني كما أكلمك . فتركني خليلي ثم عاد إلي فوجدني قد صفيت من الكدر و انشرحت ، فلقد كلمتني الصورة و لانت صاحبتها لي . و سألني تفصيل الخصام فقلت : مثلت لي غانيتي في المنام مغمومة ، فقلت لها : علام الغم و نحن على وصل كثير ؟ قالت : يوم نخلد في الروضة السماوية ينشئ لك الله حورا ذوات حسن فتجعلهن لي في الود شريكات . قلت : يكن منك بمنزلة النجوم من البدر .. فزادها قولي غما على غم فامحت صورتها و عدت إلى الصحو فوجدتها كما وصفت لك ، ثم ألهمني الله كلاما كلمت به الصورة على جمودها فتحرك وجهها و أشرق من البشر فقلت : يا غانيتي إني إذا أسكنت و إياك الروضة السماوية أسأل الله أن يجعلك تتشكلين على صور نساء شتى كما تتشكل المنابت و الأثمار من الماء الواحد فأغنى بك عن الحوريات و أخلص لك الحب . و قلت لخليلي المجنون : أنت منشئ بارع بالله عليك اعمل لي أبياتا في ما كان من أمرنا مما قصصت عليك ، فأنشأ يقول :




