غرائبية الواقع في المتخيل – الناقد اسامة غانم – العراق

ما هو عمق مديات مزاوجة الخيال بالواقع ؟ وايهما يطغى على الآخر ؟ وهل غرائبية الواقع اشد كثافة من غرائبية المتخيل ؟ ففي قصة ” باص بوجه قطٍ سمين “* لـ سعد هادي ، ينسج سرد يضيع فيه الحقيقي بالوهم ، ويتلبس الخيال الواقعي ، بل يصبح كل شيء متداخل ، فهكذا نوع من السرد الذي يسمى الفانتازيا الواقعية يدمج السحر والعناصر الخارقة في داخل العالم الحقيقي للسارد ، أو التاريخي المألوف ، بدلاً من عوالم خيالية منفصلة ، متفرقة ، تستخدم لاستكشاف النفس البشرية أو نقد الواقع بشكل إبداعي . تتميز بتصوير اغتراب الإنسان ، والقلق الوجودي ، ومواجهته لأنظمة بيروقراطية ، وفي هذا اعتقد ان الخيال ما هو الا اداة لتشكيل الواقع ، لكن يبقى مصدر الخلق هو دائماً الواقع المكثف في غرائبية مدهشة .
يقول الناقد فالتر بنيامين أبرز نقاد مدرسة فرانكفورت ومفكريها ، عن ادب فرانز كافكا الغرائبي في رواية ” المحاكمة ” ، وعن اشتغالها ومضمونها الإنساني : ” المحاكم ، هنا ، لديها كتب القانون ولكن الناس لا يحق لهم الاطلاع عليها ( حدس ك : إحدى صفات هذه المحاكم ان الإنسان لا يدان فيها وهو بريء فقط ، بل وهو جاهل للسبب ) . القوانين والقيم المحددة تظل غير مكتوبة في المجتمعات السابقة للتاريخ ، ولذا فقد يخرقها الإنسان دون علم بذلك ، ولذا فهو يستحق العقاب ومهما كان وقع الأمر على الغافلين عن ذلك ، فإن مخالفة القانون لا تتم سهواً ، ولكنها قدر مكتوب ، قدر يتبدى هنا بكل غموضه “1 .
تبدأ القصة بتساؤل مريب ” لا ادري هل نجوتُ ام لا ؟ ” النجاة من ماذا ؟ ومن أي شيء ؟ ثم يقوم السارد بتعزيز هذه الشكوك بتساؤلات استفهامية على لسان الشخصية المتكلمة ، ” ربما هناك من يطاردني او يترصد خطاي ” ، وهنا من حق المتلقي ان يعرف : ما هو سبب المطاردة او الترصد ولماذا ؟ ، و يكمل السارد حديثه على لسان ” الشخصية المتكلمة ” مبيناً للرجل العجوز الجالس بجانبه في ما يشبه موقف الباص قائلاً : ” ساروي لك كل شيء ، لم يعد مهماً ان صدقتني ام لا ” ، هنا يصبح الروي هو المهم وليس غير شيء ، الروي المنبثق من مخيلة السارد ، ولا يهم ان كان صدقاً او كذباً . وحتى عندما يسأله العجوز عن اسمه ” يخترع ” اسماً لنفسه – للأخير لم يفصح عن هذا الاسم المخترع او الاسم الحقيقي – .
فإن هذه الشخص المهمش ، النكرة ، يجد نفسه فجأة حامل لصورة الرئيس ، بعدما اعطيت له جبراً من قبل رجل متجهم حين مشاركته في مسيرة لتأييد إحدى قرارات الرئيس ، وهو لا يتذكر أي قرار بل الادهى لا يتذكر أي رئيس ، ما يتذكره فقط انه كان موظفاً حكومياً :
-أنا حامل الصورة يا سيدي ، انا هو ذلك التعيس الذي ظلّ يحمل صورة الرئيس لسنوات ، ويسعى بها من شارع لشارع ومن مدينة لأخرى .
حتى حمله للصورة ، كان عن طريق الصدفة البحتة ، الصدفة التي جعلته/ جعلتهم تعساء مدى العمر ، محاكاة ساخرة في محاولة الكشف عن صيرورة بناء القصة ، في صياغة المتخيلات عند بناء معنى جديد للنص ، وهنا ينبغي إظهار البنية الادبية كأساس للمحاكاة الساخرة داخل النص الحديث وتحولاتها الثقافية والادبية ، لأن مفهوم الواقع هنا يتشكّل بوصفه متخيلاً داخل عدد من الاختصاصات ومن مواقع سياسية – فلسفية :
لم أتوقف عندما حلَّ الظلام وواصلت طريقي حين أشرقت شمس اليوم التالي والأيام الأخرى، بدأت الصورةُ تتآكل وشحبت ألوانها وتحوَّل الرئيس فيها الى كائنٍ شبحي. تساقطتْ أجزاءٌ من وجهه ثم من جسده ثم اختفى تماماً، ولكنني بقيتُ أحمل العمود الذي أُلصقت عليه صورته وأواصل السير. رأيت في طريقي أشخاصاً مثلي يحملون صوراً كبيرة، لا أدري إن كانت لرؤساء أم لسواهم، كانت اتجاهاتهم تتقاطع أو تتوازى وكانوا يترنحون ويتعثرون ولكن كل ما كان يهمهم هو إبقاء تلك الصور فوق رؤوسهم.
وهذه الصورة للشخصية المهمشة التعيسة الحاملة لصورة الرئيس ، هي ظاهرة رمزية – تأويلية ينتجها الإنسان لأدراك العالم ، وليتسنى له فهمه. وهي ظواهر رمزية او كما عبر عنها ” كاسبرز ” أشكال رمزية : مثل الدين / اللغة / الاسطورة / الخرافة .
فالإنسان ، إذن لا يعيش الواقع في ماديته ” الواقع الآني المباشر ” ، انما هو يحيا بالصورة التي ينشها للواقع في بُعده الرمزي ، المتجلية في مختلف الظواهر الثقافية ، فقد ابتكر الإنسان الرموز ليتخلص من اسر الواقع المادي المرتبط بـ ” الآن ” و ” هنا ” ويكتسب ابعاداً جديدة تجسدت في امتلاكه للزمان : ( الماضي / الحاضر / المستقبل ) ، والمكان : ( هنا / هناك ) ، ولعل ذلك ما جعل الإنسان يعيش في عالمين : عالم مادي محسوس ، وعالم معنوي متخيل 2.
ولأن التأويل يرتبط بالقارىء ، لذا وجب على القارىء ان لا يكتفي بالظاهر والمباشر والسطحي الموجود في النص من المعاني ، لأن المعاني الحقيقية تكون خاتلة ، متوارية وراء الظاهرة ، لذا على القارىء ان يقوم بالنبش والبحث لاكتشاف المعاني المستعصية على الفهم والتفسير .
وبما أن المتلقي ينتج المعاني عبر فعل التأويل – الرّمزي ، يبين تودوروف لنا الحاجة الى الفعل التأويلي من خلال قوله : ” يُصبحُ نصّ ما أو خطاب ما ، رمزياً بدءاً من اللحظة التي نكتشف فيه معنى غير مباشر عبر استعمال التأويل “3 . وهذا ما نراه في نص ” باص بوجه قطٍ سمين ” ، أن المعنى قد ابتعد كثيرا عن المباشرة ، وعلى المتلقي ان يبحث في النص ويدقق ويستفهم السطور ، لاستخراج المعاني ، رغم ان المعنى يتعدد بتعدد القراء ، لأن في كل قراءة معنى جديد ، ورؤية جديدة . من خلال الفعل التأويلي – الرمزي ، ولتأكيد ما ذهبنا اليه ، لنقرأ ما قاله الرجل العجوز الذي يشبه موقف الباص مخاطباً الشخصية المهمشة :
-قل ما تريد ، مهنتي هي الاصغاء ، اجلس كل يوم هنا ، في هذا الركن الصغير ، هو بعض ما تبقى من الماضي . كانت الباصات تتوقف أمامه ، ولم يعد هناك سوى باص واحد يأتي في آخر الليل يحمل الرقم صفر .
لأنه لا يذهب الى أي مكان في المدينة ، يأتي ليتوقف في مكانه فقط ، ولكن اذا كان الباص لا يبارح مكانه ، لماذا يأتي اساساً ليتوقف في موقف الباصات ؟ و لو دقق المتلقي في السرد / الاعتراف للشخصية المتكلمة لكان عرف بان هذه الشخصية لا تستطيع ان تتعرف على الحدود المرسومة بين الحقيقي والخيال ، وهذا يجعل ” رؤية متلقي أي نص من حيث كونه واقعاً تحت رحمة وسيط مستفز / مناور هو المنتج . هذا هو اللعب ما بعد الحداثي الساخر والمٌمَشكل للنطق والسياق “4 . وليس ذلك فحسب ، بل يكون سرد ” الرجل العجوز ” مخترقاً من قبل الذي يقص علينا .
وللأخير ، تبقى الشخصية المتكلمة ، مستفهمة متسائلة في شك وحيرة ، مع غياب القرار :
– لم أعد قادراً على التمييز بين الظلام الحقيقي والظلام الذي كنت أعيش فيه، أنا تائه في العتمة، ضعتُ طويلاً في المنطقة الرمادية، لا أدري هل عليَّ العودة ثانية الى العالم الذي جئت منه أم بمقدوري أن أعيش هنا؟ .
ولكن ، فجأة يتبين للمتلقي ان هذه الاحداث ما هي الا كابوس :
” ثم حدثت المعجزة، استيقظت، نعم استيقظت من كابوسي، لا أدري كيف أو متى ” .
*نشرت القصة في جريدة تاتو العدد ” 102 ” 12 شباط 2019م .
1- الفانتازيا بين كافكا وتامر – مجلة الناقد العدد 82 في 1نيسان 1995م .
2- اعداد : المنجي بن عمر و أ . د رضا بن حميد – الرّمز في الرّواية العرّبيّة المعاصرة ، المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية ، المانيا / برلين ، 2021م ، ص 42.
3- م . ن . ص 71 .
4- ليندا هتشيون – شعرية ما بعد الحداثة : التاريخ ، النظرية ، المتخيل ، ترجمة : السيد إمام ، المركز القومي للترجمة ، القاهرة ، 2024م ، ص 126.





