وجعٌ لا يشبه الرحيل/ د.آمال بو حرب

هناك حكايات تبدأ بصمتٍ قاسٍ لا يسمعه أحد تبدأ من لحظاتٍ يظن الإنسان أنها عابرة بينما تكون في الحقيقة أول الشقوق التي ستُسقط قلبه لاحقًا وحين يسمع الناس بعض القصص يظنونها خلافًا عابرًا أو نهاية علاقةٍ اعتادت التعب ثم العودة لكن الحقيقة أحيانًا تحمل عمقًا أكبر بكثير فبعض الحكايات تُروى لأن الأوجاع حين تتراكم تصبح أثقل من أن تبقى حبيسة الصمت
هذه حكاية امرأةٍ ظنت أن العمر حين يُمنح بصدق يستحيل أن ينتهي بهذه القسوة وأن الإنسان الذي كان وطنًا يستحيل أن يتحول فجأة إلى غريبٍ يقف في الجهة الأخرى من الحياة هي حكاية وجعٍ طويل وصمتٍ أكبر من الكلام وحربٍ داخلية لا يراها الناس مهما اقتربوا كانت تحاول دائمًا أن تبدو بخير بينما كان شيءٌ ما في داخلها ينهار بصمت
وصلت يومًا إلى لحظةٍ شعرت فيها أن حياتها التي بنتها بكل قلبها بدأت تنهار أمامها وأن الشخص الذي كان يومًا أقرب الناس إليها أصبح فجأة أبعدهم عنها كان ذلك اليوم ثقيلًا عليها بطريقةٍ يعجز الوصف عنها يومًا لم يخطر ببالها أنها ستعيشه أو أن تأخذها قدماها إلى مكانٍ تذهب إليه لتطالب بحقوقها من إنسانٍ كانت تراه يومًا الحقَّ الوحيد الذي لا يزاحمه أحد ذلك الإنسان الذي تغربت من أجله وتركت خلفها أهلها وبلدها وسنواتٍ من عمرها بدا لها أن المسافة بينهما انتهت إلى هذا القدر من القسوة
فهي لم تترك وطنًا فقط بل تركت عمرًا كاملًا خلفها وتركت أحلامًا كانت تسعى إليها هناك وأشياء كثيرة كان يمكن أن تعيشها لو اختارت نفسها يومًا حتى دراستها التي تعبت لأجلها والعمل الذي حظيت به بعد سنوات طويلة من الجهد والمثابرة تخلّت عنه لتبقى معه لأنها كانت ترى بقربه حياةً تستحق التضحية كانت تعتبره الوطن والأهل والسند والولد والكتف الذي تتكئ عليه وحين انهارت تلك الحياة بدا الأمر أشبه بسقوط عالمٍ كامل كانت تعيش داخله كانت تمشي وكأن شيئًا في داخلها ينكسر مع كل خطوة
وحين خرجت من ذلك المكان الذي ذهبت إليه لتطالب بحقوقها جلست قرب الطريق تبكي بصمتٍ موجع وما أصعب الوقوف في مثل تلك الأماكن الأماكن التي يضطر فيها الإنسان أن يقف أمام غرباء ليشرح وجعه ويحوّل سنوات عمره إلى كلماتٍ وأوراق وكأن الألم يمكن اختصاره في قضية أو اختزال الخذلان في طلب حق ولم يقتصر التعب على الجانب النفسي بل كانت تشعر أن الوجع بدأ يترك أثره حتى على جسدها كأن روحها المنهكة أثقلت جسدها معها حتى أصبح الوقوف نفسه مهمةً مرهقة وفي بعض الأيام كانت تشعر بإنهاكٍ شديد يجعلها تعجز حتى عن الوقوف للصلاة لا تكاسلًا بل لأن الحزن حين يطول يتحول إلى ثقلٍ يسكن الجسد كله
كانت تبكي بحثًا عن شيءٍ يحفظ لها كرامتها أمام أهلها بعد أن أوهمتهم طويلًا أنها تعيش الحياة التي تتمناها أي امرأة كانت تريد سترًا تعود به إليهم وحسب فما تحمله في قلبها من خذلان كان يكفيها وما عادت به من كسرٍ يشبه وجعًا لم تعرفه من قبل ولم يكن بكاؤها شوقًا للعودة إليه فقد كان في داخلها شيءٌ عميق يرفض غفران ذلك الخذلان لكنها بكت على وطنٍ تركته من أجله وعلى أعوامٍ كاملة ظنت أنها تمضي نحو الأمان بينما كانت تبتعد شيئًا فشيئًا عن نفسها بكت على أمٍّ اشتاقت إليها طويلًا وعلى أهلٍ غابت عن أفراحهم وأحزانهم وعلى لحظات شوقٍ كانت تحاول تعويضها بالقرب منه وبكت على أحلامٍ مؤجلة وعلى حياةٍ بنتها حول شخصٍ اعتقدت أنه سيكون العمر كله
وكانت تظن أن ما يأتي بعد هذا الوجع سيكون أخفّ ثم اكتشفت أن بعض الخيبات تستمر بالتساقط داخل الروح ببطءٍ موجع وكانت تسأل نفسها كيف وصلا إلى هنا وكيف تحوّلت العِشرة الطويلة إلى خصام وكيف أصبح من كان يومًا أقرب الناس إلى قلبها شخصًا تقف أمامه وكأنهما غريبان لا يعرف أحدهما الآخر ولم يكن الوجع في الرحيل وحده بل في الطريقة التي حدث بها كل شيء كأن السنوات التي عاشاها معًا فقدت معناها وكأن تعبها ووقوفها معه وعمرها الذي مضى بقربه يمكن أن يُمحى بهذه البساطة
وكان الأصعب من ذلك تلك الطريقة الباردة التي تحدث بها حين بدأ حديث النهاية المؤلمة بكلمةٍ لم تتوقعها يومًا المصلحة قال لها لنتحدث من نقطة المصلحة مصلحتنا لم تعد في بقائك معي نحن دخلنا مرحلة الكِبر وأريدك أن تكبري هناك بين أهلك وأن تمرضي هناك وأن تموتي هناك لم تكن الكلمات وحدها مؤلمة بل ذلك اليقين القاسي الذي قيلت به وكأن مصائر البشر يمكن ترتيبها بهذه السهولة وكأن أحدًا يملك أن يحدد للآخر أين يشيخ وأين يضعف وأين تنتهي حياته وكان في ذلك الحديث ما يشبه الصدمة التي يصعب فهمها كيف لإنسانٍ أن يتحدث عن الحياة والموت بهذا اليقين وكيف يختصر العمر كله في قرارٍ بشري بينما الغيب بيد الله وحده
ومع كل ذلك لم يكن داخلها سوى يقينٍ واحد أن الله يرى كل شيء يرى خوفها وارتجاف صوتها والليالي التي أنهكها فيها التفكير ويرى الوجع الذي عجزت عن البوح به والدموع التي لم يشهدها أحد والتعب الذي أخفته حتى عن أقرب الناس إليها وكانت تؤمن في أعماقها أن بعض الحقوق قد تتأخر وبعض القلوب قد تُكسر وبعض الحكايات قد تنتهي بطريقةٍ لم نتمنّها يومًا لكن الله لا ينسى أحدًا لا ينسى قلبًا صبر ولا إنسانةً عاشت كل هذا الثقل وحيدة تحاول النجاة كل يومٍ دون كتفٍ تتكئ عليه لا ينسى التعب الذي كان يأكل روحها بصمت ولا دمعةً سقطت في العتمة ولم يرها الناس …
ثم سكتت طويلًا وكأن ما بداخلها كان أكبر من أن يُقال
نوال إدريس





