الشاعرة روضة بوسليمي :حاورتها د. آمال بو حرب


بعض التحديات قائمة وكل صوت حر قد يصادر
في عالم تتسارع فيه المتغيرات الثقافية والاجتماعية وتواجه فيه الكتابة تحديات جمة من تهميش وازدواجية تظلّ الكلمة في تونس والوطن العربي منبرًا صلبًا يعبر عن هموم الإنسان وهواجسه ، وفي هذا الإطار تبرز الشاعرة التونسية روضة بوسليمي كإحدى الأصوات الأدبية المتميزة التي تحمل في نصوصها عبق التجربة الشخصية والجماعية متجاوزة حدود القوالب التقليدية لتنسج لغة شعرية خاصة تجمع بين الوجدان والتأمل العميق معا ، وحوارنا معها لابد لنا أن نتوقف مع هذه الشاعرة المتفردة وعند مفاصل تجربتها الإبداعية حيث تتحدث عن بداياتها مع الحرف وعن علاقتها بالكتابة واللغة وعن حضور المرأة في المشهد الأدبي وغيرها من المحطات التي تكشف عن عمق رؤيتها الفنية والإنسانية ، وضيفتنا “روضة بوسليمي “هي إحدى الأصوات النسائية البارزة في المشهد الشعري التونسي المعاصر وهي عضوة باتحاد الكتّاب والأدباء التونسيين ، ناشطة ثقافيًا في عديد الفضاءات الأدبية والإعلامية … نشرت نصوصها في مجلات وصحف ورقية ورقمية تونسية وعربية وتُرجمت بعض أعمالها إلى لغات أجنبية كالكردية والفرنسية والإنجليزية ، وأصدرت الشاعرة ؛مجموعات شعرية وقصصية متعددة من بينها /لا حياء في خيال- / روح عتيقة – / كأنني أرى عجبا /ووقلب إذا هام– كما أشرفت على أعمال أدبية جماعية وساهم في إصدارات عربية ودولية في القصة والشعر والرسائل الأدبية.
(مجلة المنار الثقافية الدولية) كان لها حوار معها تناولنا به واقع الحركة الشعرية والاديبة وكانت هذه الأجوبة الواردة.
- متى بدأت الحكاية مع الحرف وهل تذكرين اللحظة التي شعرتِ فيها بأنك لا تكتبين فحسب بل تعيدين تشكيل وجودك على الورق؟
- في الحقيقة لا أذكر البداية تأريخيّا بقدر ما أذكر قلقًا ولهفةً يملآن صدري وأنا أترقّب بداية برنامج ثقافيّ ليلي يُبثّ عبر الإذاعة الوطنية مع القدير صالح جغام لأتناول وجبة أدبية شهيّة من الشّعر والنثر دون أن أبقى جائعة أو أصاب بالتخمة ، وبمرور الوقت وتراكم ما أتشرّبه من قراءات وجدتني أنساق إلى الكتابة كما ينساق راقص محترف وراء موسيقى صاخبة أو كما ينساق صبيّ تعلّم المشي للتوّ وراء صوت أمّه الذي يملأ المكان ،هكذا أجلس إلى دفتري وفي القلب نبض مضطرب، وفي رأسي ضجيج لا يهدأ …أفرغ أثقالي أتخفّف مما أضناني ،أعدّل من نبضي فتهدأ ثورتي كما يهدأ الجمر تحت الرماد.
- بين الشعر والسرد والتأمل تتقلبين بخفّة لغوية عميقة ما الجنس الأدبي الذي تعتبرينه بيتك الأول؟ أين تصنّفين نفسك شاعرة أم كاتبة أم؟
- من أبتُلي بعشق الحرف يمكنه أن يكتب في كل الأصناف تقريبًا وهذا حال كثير من الأدباء مع ذلك أقرّ بأن الميل لصنف معيّن أمر وارد تُغذّيه الخلفيات النفسية والاجتماعية والإيديولوجية ، أما التصنيف الأدبي فأراه حقًا للنقّاد والمتابعين… وبالنسبة لي أكتفي بأن أكتب وأبذل جهدي لأكون صادقة مع النص.
- كما قالت غادة السمان “الكتابة وجع شهيّ” ما علاقة الألم لديكِ بالكتابة ؟ومن أين ينبع جرح القصيدة.. من الجرح أم من بصيرة ما بعد الجرح؟
- فعلاً “الكتابة وجع شهيّ” جدًّا كأنّها مخاض ولادة أو كأنه تدخّل جراحي عاجل لإنقاذ حياة تحتضر فعلاقة الألم بالكتابة علاقة جدليّة لا كتابة مجّانية ، والوجع عميق دافع إضافي ينطق كل ذرة فيك… وهذا ما أكّده الأديب محمود المسعدي حين قال( الأدب مأساة أو لا يكون) فالقصيدة عادة ما تنبع من جرح طازج وهو القادح بالنسبة لي فتنهمر الكلمات باكيات نازفات كنوع من التشخيص والمعالجة أما بصيرة ما بعد الجرح فهي مرتبة لا يبلغها إلا من ارتقى بالحكمة وصفاء الروح وعمق التجربة.
- تكتبين كأنك تستنطقين الغياب …ماذا يعني لك في تجربتك الإبداعية ؟ إلا يمكننا وصف فقدان الأشياء هو ما يمنح اللغة حضورها؟
- قلت مرّة:” روح تشظّت فناح لوجعها الكون “
وكتبت ومرضات وشذرات والهايكو جاء كل محتواها وجعا بسبب الغياب ، وهو عندي أحد المحرّكات الكبرى لنصوصي سواء بأقدار الربّ أو بأيدي البشر هو محرّك دفّاتري ومثير لغتي ، فالغياب يستفزني لخلق عوالم ومصطلحات خاصّة ،ولعلّك توافقينني أن الحاجة أمّ الاختراع والوجع أب الكثير من النصوص الصادقة. - قلتِ في أحد نصوصك إن القصيد فضاء وجودي هل هو لحظة هروب من الذات أم عودة مكثفة إليها؟
- لو لم يكن القصيد فضاءً وجوديًّا لما لجأتُ إليه كما يهرب المرء من كهف خانق من خلاله أتنفّس أحرّر ذاتي المكبّلة تجنّح روحي لأعود إليّ بوعي جديد وهو مساحة خلاص وامتداد وجود.
- (هايدغر) قال: اللغة بيت الكينونة كيف تعيشين علاقتك مع اللغة… ومن هذا المنطلق هل تحتمل كل ما تريدين قوله أم تكتبين أيضًا بصمت موازٍ؟
- أحيانًا أشعر أنّ الكون كلّه يخذلني فلا اللغة تسعني ولا الصرخة تجد مداها ولا المعنى يسعفني ، لكنّي أعود وكلي إصرّار على مواصلة مشوار التحدي ( أكون أو لا يكون ) تلك هي غايتي وعليه احاول أن أكون تلك العلاقة بيني وبين اللغة كما تكون العلاقة بين مدّ وجزر
وهذا عندي أيضًا صمت موازٍ لكنه صمتٌ ناطق بما يؤلم وأن جاء بطريقة أخرى. - في زمن تتغير فيه خرائط الحضور الثقافي … حدثينا هل تشعرين أنّ صوت المرأة الكاتبة بات أكثر وضوحًا أم أن التحديات لا تزال تصادر ملامحه؟
- قضيّة المرأة والأدب قضيّة مفتعلة في رأيي الأدب لا جنس له هو إنساني كوني عابر للهويّات الضيقة،ولكن نعم لا تزال بعض التحديات قائمة وكلّ صوت حرّ قد يُصادر لا لكونه أنثويًّا بل لكونه إنسانيًّا ثائرًا صادقًا.
- ما بين الكتابة والقصيدة نجاة أم مقاومة وهل أنقذتك القصيدة يومًا من السقوط؟
- الكتابة عندي جنّة عدن لها أبوابها الكثيرة منها النجاة ومنها المقاومة ، ولقد أنقذتني مرارًا جعلتني أخلق لي أجنحة وأتدرّب على المواجهة بعض القصائد نار وبعضها نور وكلّها منقذة.
- لو كنتِ جملة شعرية ماذا كنتِ لتقولي اختزلي مسيرتك في بيت شعر أو قول قصير يعكسك؟
- أحبّ أن أختزلني في هذه الجملة من أغنية لحّنها زياد الرحباني: بلا ولا شيء أحبّ ك) مع حذف الكاف ليبقى فعل المحبّة مطلقًا( عامًّا مفتوحًا على كلّ شيء
- لمن تكتبين الآن… وما رسالتك لامرأة شابة تخاف أن تفصح عن صوتها؟
- أكتب للوطن للمتعبين لمن لا قلم له أكتب عني ولي ونصيحتي لأيّ امرأة تخاف أو تخجل أن تضع بيتا شعريا للشابي نصب عينيها:” ألا انهض وسر في سبيل الحياة فمن نام لم تنتظره الحياة”
لا تنتظري قولي كلمتك بصوت عالٍ هذا حقّك الطبيعي وفي آخر هذا اللقاء لا يسعني إلا أن أشكر و للدكتورة آمال بوحرب على هذا الحوار العميق الذي أضاء زوايا الكتابة في داخلي وكان لحضورها الثقافي ولمستها الإنسانية أثر جميل في صياغة هذا اللقاء.





