لغة الخلاص في قصيدة (أما بعد) للشاعرة روضة بوسليمي | د. آمال بوحرب

ناقدة | تونسية
إذا كان الخلاص في الفلسفة قد ظهر بمعنى الخروج من الوهم إلى الحقيقة، كما عند أفلاطون، أو مواجهةً دائمةً للقلق وصناعةً للمعنى في الفلسفة الوجودية، فإن السؤال: كيف نبلغ الخلاص؟ صار قديمًا، وانتقل إلى رؤية جديدة تقول: أين تتجلى آثاره داخل التجربة الإنسانية؟
بتعدد التجارب صارت النصوص الأدبية فضاءات تُختبر فيها أسئلة الوجود من الداخل، وتُقاس فيها قدرة الإنسان على تحويل الألم إلى معنى، واللغة إلى أفق، والذات إلى خبرة تتجاوز انغلاقها. لذلك تبدو قصيدة روضة بوسليمي “أما بعد” جديرة بالقراءة، لأنها تشتبك مع هذه الأسئلة من داخل نسيجها الشعري، وتحوّل البوح إلى تفكير، والصورة إلى سؤال، والحرف إلى مجال للمواجهة. فهي تضع الخلاص في قلب التوتر بين القول والصمت، وبين الانكشاف والحجب، وبين الرغبة في العبور وحدود اللغة التي تجعل العبور نفسه شاقًا، في تجربة تتشكل تدريجيًا داخل اللغة، ومعها، وعبر ما تفتحه من إمكانات وما تفرضه من قيود.
تنهض قصيدة روضة بوسليمي على توتر عميق بين الذات واللغة والوجود، وتطرح منذ بدايتها سؤالًا مركزيًا عن إمكان العبور نحو المعنى في عالم يثقل فيه القول وتضيق فيه الدلالة، فتخرج القصيدة من حدود البوح الوجداني إلى أفق فكري وشعري أوسع، حيث تغدو الكتابة مجالًا للمواجهة، وتصبح الذات ساحةً للاختبار، ويغدو الوجود نفسه مجالًا للامتحان.
منذ المطلع: «أمّا بعد…»، تدخل القصيدة في نبرة خطابية توحي بالانتقال، وكأنها تفتح بابًا على بداية جديدة. ثم تقول: «كفى بالدّهشة استفتاحا زكيّا / كفى بذاك البدر المكتمل عرشا»، فتمنح الدهشة مكانة البداية الأولى، وتربط اكتمال الصورة بالتحوّل المستمر. ويزداد هذا الإحساس حين تضيف: «بعد عناء – عليه أستوي»، فتصبح المجازاة ثمرة مشقة، ويغدو الوصول إلى المعنى نتيجة مجاهدة داخلية.
وتظهر اللغة في القصيدة مركزًا للتوتر الأعمق. فعندما تقول الشاعرة: «كفى بالكلمات لجاما ملء يديّ»، فإنها تمنح الكلمة صورة مزدوجة؛ فهي أداة قول، وأداة ضبط في الوقت نفسه. وتأتي الأفعال التالية لتكشف عن رغبة في تحرير اللغة من ثقلها: «أنتزع أشواكا عالقة بحلق الحرف»، «أزيح ما ران على صدر الحقيقة»، «أوقد فوانيس النور». وهذه الحركة تمنح الكتابة معنى التطهير وإعادة الصياغة، وتجعل الحرف مجالًا للكشف والتجاوز.
وتتجلّى الرؤية الوجودية في حضور الذات الفاعلة التي تواجه الزمن وتختبر حريتها. تقول الشاعرة: «وأنا على صهوة الأيام فارسة»، فتمنح نفسها صورة الكائن الذي يقود الفعل ويصنع مساره. ثم تضيف: «قد قُدّر على قلبي الأمين منازلة الأمر العظيم»، فترتفع التجربة إلى مستوى المواجهة مع القدر والمعنى والثقل الداخلي للوجود. ويصبح القلب هنا مركزًا للثبات والوعي، لا مجرد موضع للانفعال.
وتتوسع القصيدة عبر حضور المخاطَب/المخاطَبة، حين تقول: «إلا أنتِ عبرت من خلالي». هذه العبارة تفتح أفقًا علاقيًا واسعًا، لأن الآخر يظهر بوصفه من يمنح الذات اتساعها وإمكان تجاوز حدودها. ثم تأتي صورة الورد والنحل: «فكنت في البوح سخيّا / أشدّ انتباه الورد / عساه يهب لقاح الروح / رحيقا للنحل». وهنا تتحول اللغة إلى حقل خصب، ويتحول البوح إلى فعل إنبات وإثمار.
وتحضر المقاربة الفينومينولوجية بقوة داخل النص، لأن القصيدة تقدّم التجربة كما تُعاش من الداخل، في لحظتها الحية، دون مسافة تفسيرية جاهزة. فالشاعرة لا تشرح الألم، بل تجعله يُرى ويُحس داخل اللغة. وعندما تقول: «كفى بالكلمات لجاما ملء يديّ»، فإننا نلمس تجربة شعورية مباشرة تنفتح أمام القارئ كما انفتحت أمام الذات. ويزداد هذا البعد وضوحًا في قولها: «أنتزع أشواكا عالقة بحلق الحرف»، حيث يتداخل الجسد بالمعنى، والحسّ بالقول، والوعي بالفعل.
أما المقاربة الصوفية-اللغوية، فتظهر في المعجم الذي يربط بين النور والطهارة والذكر والحرف. تقول الشاعرة: «أوقد فوانيس النور / أضيء أروقة الكلام الطهور / أحصنه من إثم الزمهرير / بمعوذات الحرف». وهذه اللغة تمنح الكتابة طابعًا طقوسيًا وروحيًا، لأن الحرف يصبح وسيلة تهذيب، ويغدو النور علامة على الصفاء والعبور. وتذكّر هذه الرؤية بتجارب التصوف العربي التي جعلت من القول مقامًا من مقامات الكشف، كما عند ابن عربي والحلاج، حيث يتحول الكلام إلى وسيلة لانفتاح الباطن على المعنى.
وتتضح فكرة الخلاص داخل هذا البناء كله أفقًا مفتوحًا للنجاة عبر اللغة والمعنى والعلاقة. فالقصيدة تمنح الذات فرصة لتعيد بناء صلتها بالعالم، ولتصوغ ألمها في هيئة قول، ولتحوّل الجرح إلى طاقة على الرؤية. فيبدو الخلاص فعلًا داخليًا يتشكل في اللغة، ويستمد قوته من القدرة على تحويل المعاناة إلى وعي، والحدود إلى إمكان، والضعف إلى حركة نحو المعنى.
الخاتمة تجيء في صورة هادئة ومتماسكة، حين تقول الشاعرة: «فلا حزن فاض / ولا صبر عيل / ولا مدامع انسجمت». وهذه النهاية تمنح القصيدة نبرة توازن دقيق، حيث يحضر الألم، ويظل الحزن قائمًا في الخلفية، بينما تبقى الذات ممسكة بخيط الصبر والسكينة. وتكشف هذه الخاتمة عن وعي شعري رفيع يجعل من الهدوء نفسه شكلًا من أشكال القوة، ومن البقاء داخل التجربة دون انهيار ضربًا من التماسك الداخلي. وهكذا تنتهي القصيدة إلى معنى عميق يتمثل في أن الإنسان يصنع خلاصه داخل اللغة، ويعيد بناء علاقته بالعالم عبر الصمود، والبوح، والعبور، والإنصات إلى ما يتولد في أعماق التجربة من نور ومعنى.
وبهذا الصدق وحده ينجح الشعر في علاجنا من جراح الوجود.
نص القصيدة
أمّا بعد …
كفى بالدّهشة استفتاحا زكيّا
كفى بذاك البدر المكتمل عرشا
– بعد عناء — عليه أستوي
كفى ميلا على شريعة الحرف!!
حيّوا على فصاحة الحرف!
حيّوا على شروق القصائد من لجّ الظّلمات !…
كفى بالكلمات لجاما ملء يديّ
وأنا على صهوة الأيّام فارسة
أنتزع أشواكا عالقة بحلق الحرف ..
أزيح ما ران على صدر الحقيقة ..
أوقد فوانيس النّور
أضيء أروقة الكلام الطّهور
أحصّنه من إثم الزّمهرير
بمعوذّات الحرف
أمّا بعد …
قد قُدّر على قلبي الأمين
منازلة الأمر العظيم
فما وجِل وما جبن
وكيف يهتزّ جبل
تضيئه الشّموس ..!؟
محارب هو ،
أدركَ بدايات الحرب
وخواتيمَها …
ياسمينة هي ،
تهزم شريعة الذّبول ..
تمضي في رحاب أرض الرّبّ ،
تمرّ بذي المجاز
تتذوّق سكّر آيات
غمرن وريدها نورا
تجعل من ذي المعنى وذي المعنى معاولَ …
تهيّئ روضة لا نهاية فيها لربيع الحديث …
يقول ، إنّ لمقام الوجد عليّ
وأنتِ فيه لا تشبهين أحدا
أنا الذي شهدت العبور
مرّ الكثيرون …
انتهَوا كما ينتهي الهراء
إلّا أنتِ عبرت من خلالي
فكنت في البوح سخيّا
أشدّ انتباه الورد
عساه يهب لقاح الرّوح
رحيقا للنّحل .
تقول ، وروحي المهدورة
وبوح جوارحي المغدورة
وما استعصى على البشر
ووجعي الذي استتر
سأكتفي بما أصاب فؤاد شاعر شهيد
رافق قوافل المنسيين على قارعة
الرّيح والأقدار …
فلا حزن فاض
ولا صبر عيل
ولا مدامع انسجمت …





