مدخل الجابري إلى القرآن الكريم: قراءة فلسفية في بنية الوحي وتاريخانيته – حسن كرياط

يأتي كتاب “مدخل إلى القرآن الكريم” للمفكر والفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري بوصفه محاولة جذرية لإعادة تأسيس علاقة العقل العربي بنصه المؤسس، وذلك عبر مسار فلسفي نقدي لا يكتفي بتفسير القرآن، بل يسعى إلى مساءلة شروط الفهم ذاتها. فالقرآن، عند الجابري، ليس نصاً معلقاً في الزمن، ولا خطاباً منقطعاً عن سياقه، بل هو حدث تاريخي وفكري تكوّن في سيرورة متحركة، تتداخل فيها السياسة بالمعنى، والواقع بالرسالة، والرمز بالوظيفة.
من خلال هذا “المدخل”، يفتح الجابري أفقاً جديداً للقراءة، يجعل القرآن “معاصراً لنفسه” من حيث تشكّله في لحظته الأولى، و”معاصراً لنا” من حيث قابليته للتأويل المنتج اليوم. ومن هنا تنبثق القوة الفلسفية للكتاب: إعادة بناء الوعي القرآني على أساس تاريخاني–بنيوي يحرّر الفهم من تراكمات الشروح التراثية دون أن يفصله عن جذوره الإبراهيمية الأولى.
1. القرآن في امتداد الوحي الإبراهيمي: وحدة الأصل وتعدد التأويل
يرى الجابري أنّ إدراك القرآن لا يتم إلا عبر ربطه بسلسلة الوحي التي سبقته، فالنصّ القرآني لا يظهر من فراغ، بل يتولّد في بيئة كتابية مفعمة بالأساطير التأسيسية والرموز الكبرى واللغة المشتركة بين اليهودية والمسيحية والإسلام.
هنا يستدعي الجابري منهجه النقدي ليبيّن أن القرآن يعيد إنتاج الموروث الإبراهيمي، لا بتكراره، بل بتجاوزه وإعادة تأويله. فالخطاب القرآني يندمج في تاريخ التوحيد، لكنه يقدّم رؤية جديدة للإنسان والعالم والرسالة. ومن خلال هذا الربط، تفقد القراءة التقليدية طابعها الانعزالي، وينفتح النص على أفق فلسفي رحب يعيد إدماجه في سياقه الأصلي.
2. مسار التكوين: القرآن كسيرورة لا كنص مكتمل
يمثّل القسم الثاني قلب المشروع، إذ يقرأ الجابري القرآن وفق ترتيب النزول، لا وفق ترتيب المصحف. هذا الاختيار ليس تقنياً فحسب، بل هو موقف فلسفي يجعل النص سلسلة من اللحظات المتعاقبة، أشبه بسيرة ذاتية للخطاب نفسه.
فالقرآن، بهذه الرؤية، ليس “كتاب عقائد” جامداً، بل بناء متدرّج يبدأ من تأسيس الضمير الإيماني في المرحلة المكية، ثم ينتقل إلى تنظيم المجتمع الناشئ في المدينة، وصولاً إلى تأطير الدولة وقواعدها.
هذا التدرج، في نظر الجابري، هو مفتاح الوحدة الداخلية للقرآن:
فالآيات ليست معزولة، بل حلقات في مسار واحد يتشكّل ويتحوّل ويتفاعل مع التاريخ. ومن هنا يؤكد أن فهم القرآن لا يكون إلا بوضع كل آية في لحظتها السياسية والاجتماعية، أي في لحظة الفعل لا في زمن التأويلات اللاحقة.
3. القصص القرآني: من التاريخ إلى الوظيفة
يقدّم الجابري قراءة فلسفية للقصص القرآني بوصفه خطاباً وظيفياً، لا مادة تاريخية تبحث عن التحقق أو النفي. فالحدث القرآني شيء، والحدث التاريخي شيء آخر.
في ضوء ترتيب النزول، يكشف الجابري أن قصص الأنبياء ليست غاية في ذاتها، بل أداة لبناء المخيال الديني، وترسيخ شرعية الدعوة، وتثبيت الرسول ﷺ في مواجهة خصومه. القصص هنا خطاب حيّ يتفاعل مع الجماعة الأولى، ويُنتج معنى راهناً، لا مجرد سرد للماضي.
وبذلك يفتتح الجابري أفقاً فلسفياً يتجاوز الجدل العقيم حول “صدق الحكاية” ليفتح سؤالاً أعمق:
ما الوظيفة التي يؤديها الخطاب داخل المنظومة القرآنية؟
القرآن بين التاريخ والسياسة: نحو وعي نقدي جديد
لا يفصل الجابري بين الوحي والسياسة، لأن الدعوة المحمدية تجسدت في التاريخ بوصفها مشروعاً لتحويل الواقع. ومن هنا يصبح فهم القرآن خارج سياقه السياسي فهماً مبتوراً. فيطرح الجابري أسئلته الفلسفية الكبرى:
هل يمكن إعادة بناء حاضرنا دون إعادة تأويل ماضينا؟
هل يمكن فصل الديني عن الدنيوي في نص نشأ من صميم الفعل السياسي والاجتماعي؟
وكيف نقرأ القرآن بما يعيد إليه راهنيته دون أن نفصله عن زمنه الأول؟
هذه الأسئلة ليست بحثية فقط، بل هي صلب مشروعه في نقد العقل العربي وإعادة تأسيسه على عقلانية تاريخية جديدة.
صفوة القول :
يرسم كتاب “مدخل إلى القرآن الكريم” معالم مشروع معرفي عميق يعيد قراءة القرآن كنص متحرك، متفاعل، تاريخي، لكنه في الوقت ذاته حامل لرهانات فلسفية وإنسانية تتجاوز حدود اللحظة.
إنه نداء لقراءة تجعل القرآن نصاً حيّاً يضيء الماضي ويعيد تشكيل الحاضر، ويحفّز العقل على التفكير لا على التكرار.
ومن خلال هذه المقاربة التاريخانية–الفلسفية، يحوّل الجابري النص القرآني إلى مجال للتساؤل، وإلى مادة لإعادة بناء الوعي العربي على أسس نقدية وعقلانية.
إنه ليس شرحاً للقرآن، بل مدخلاً لفهم عميق لآليات الفهم ذاتها؛ وهذا ما يجعل الكتاب محطة مركزية في مشروع الجابري وفي مسار التفكير العربي المعاصر.





