سينما ومسرح

شرق أوسط جديد✍️  محمد صخي العتابي


اللوحــة الرابعـــة:
(الخشبة مظلمة جزئيًا، صوت الريح يزداد قوة، أصوات انفجارات بعيدة تتخللها دوي صفارات تحذير. الخريطة على الجدار ممزقة، خطوطها الحمراء كدماء تنزف على الأرض. المطر يتساقط ببطء على المسرح. الشاب الثائر واقف قرب الأم، يحمل راية ممزقة، الأم تحتضن قطعة القماش الصغيرة، الوزير الأمريكي يجلس على الطاولة محاطًا بالشاشات، الإعلامي يحاول تسجيل المشهد، والسياسي العربي يقف مترددًا على الجانب)
الراوي (يبدأ بصوت هادئ، ثم يرتفع تدريجيًا):
لقد أصبح المسرح الآن خلية مفتوحة لكل الأكاذيب، لكل المآسي، لكل الدموع… هنا تتصادم الحقيقة مع الخيال، والبكاء مع القسوة… وكل شخصية تمثل جزءًا من وجع الإنسانية.
الشاب الثائر (يرفع صوته نحو الجمهور):
أنتم تحاولون فرض خريطة جديدة على وطننا… لكن الوطن ليس مجرد ورقة… الوطن قلب، روح، أمل… وأنتم ترفضون رؤية ذلك.
الأم صوتها مرتعش):
ابني… لقد تعبت من الصراخ… تعبت من الركض خلف الحقيقة… لكنني أرى في عينيك شرارة لم تمت بعد… شرارة قد تشعل العالم كله إن غضبت بما فيه الكفاية.
السياسي العربي (يقترب بحذر):  لقد أعطيتنا وعودًا… جلبتم الخرائط، وخططتم الحدود… لكن أين نحن؟ أين الشعب؟ كل ما تبقى لنا هو ذكرى الموت، والحزن، والانتظار… لا أكثر.
الوزير الأمريكي(ينهض ببطء يبتسم): الشعب؟ أي شعب؟ نحن نصنع الأرقام… نصنع العناوين… نصنع العالم كما نريد… كل شيء تحت السيطرة… كل شيء… إلا قلبكم الذي يصر على رفض اللوحة التي رسمناها.
الإعلامي (يحاول تهدئة الجو، ميكروفونه يرتجف): كل شيء يسير وفق الخطة… الجمهور يطلب الدموع، يطلب المشاهد… كل شيء هنا يبث مباشرة… حتى الصرخة تصبح مشهدًا مرئيًا…
الشاب الثائر(غاضبًا، يلوح بيده نحو الإعلامي):  الصورة شوهت الحقيقة الثورة أصبحت عرضًا، الموت خبرًا عاجلًا، والشهادة مجرد عنوان على الصفحة الأولى… وأنتم تبتسمون أمام الخرائط الممزقة وكأننا مجرد أرقام.
(صوت انفجار بعيد يهز المسرح، تسقط أجزاء من الخريطة على الأرض، الأم تلتقط قطعة القماش، الشاب يرفع الراية، الوزير الأمريكي يضحك)
الأم (تصرخ، صوته مملوء بالألم): كل شيء ينهار من حولنا..كل شيء.. حتى أحلامنا… الحزن أصبح مسرحًا، والموت مجرد خبر يعرض على العالم.
الراوي (صوته يتصاعد، يملأ المسرح): في زمن تباع فيه الدموع، ويستأجر الحزن، يصبح الصمت هو آخر سلاح… ويصبح الدم مجرد حبر على خرائطهم… لكن الأرض لن تنسى، والسماء لا تكذب.
الشاب الثائر ( يصرخ نحو الوزير الأمريكي):  أنتم تحاولون رسم المستقبل، لكن المستقبل هنا… في قلبنا، في روحنا، في صرختنا التي لا تكسر… لن نركع أمام الخرائط الممزقة، ولن نموت بصمت.
السياسي العربي (يحاول الوقوف): لقد وعدونا بالسلام، وجلبوا الحروب… وعدونا بالعدل، وجلبوا المقابر… كل ما تبقى لنا هو الألم، لكنه ألم حي حقيقي، لا يمكن تزويره.
الوزير الأمريكي (يهز رأسه ببرود): كل شيء وفق الخطة… كل دمعة لها حساب، كل جرح له سعر… أنتم جزء من اللوحة، ونحن الرسامون.
(الإعلامي يقف مترددًا، الكاميرا ترتجف بين يديه، يبدو كأنه فقد السيطرة)
الإعلامي (بصوت منخفض):
لقد سئمت… كل ما صورته أصبح خيانة… كل عنوان كتبته أصبح جثة… أريد أن أصرخ… لكن لا أحد يسمع.
الراوي (يقترب من مقدمة المسرح، صوته يملأ المكان كعاصفة):
الإنسان هو الخطر الحقيقي على مشاريعهم… لأنه يميز بين دمعة حقيقية ودموع التماسيح… وحين يرفع صوته، ينهار العالم المزيف.
(صوت انفجار آخر، المطر يبدأ بالتساقط على المسرح، الضوء أحمر وأزرق متداخل. الأم والشاب يجلسان على الأرض، الوزير الأمريكي يحاول الإمساك بالخريطة الممزقة)
الوزير الأمريكي (مضطرب، يحدق في الخريطة): ما هذا؟ لماذا لا ترسم الخطوط؟ حتى الدم يعصي الأوامر.
الشاب الثائر (ينهض، يصرخ):
الشاب الثائر (يصرخ): لأن الأرض مشبعة بالدم… والسماء لا تسمح لمزيد من الخرائط… هذه الأرض حية… وكل دم قديم أو جديد يرفض أن يصبح مجرد أرقام.
الأم (ترفع يديها إلى السماء):
السماء تبكي أخيرًا… هل تبكي لأجلنا أم علينا؟ لا أدري… لكن دموعها أكثر صدقًا من دموعكم.
الراوي (صوت جهوري): ها هي التماسيح تحلق… لم تعد تكتفي بالماء، صارت تسبح في الهواء، تبكي وهي تسقط القنابل… كل دمعة كذب تُسقط على الأرض، لكنها لا تقتل الحقيقة، ولا تصمت الأرض.
(الإضاءة تتحول إلى أبيض خافت، الأم تحتضن قطعة القماش، الشاب واقف بجانبها، الراوي في منتصف المسرح، الجميع ساكن كتماثيل من الطين. صوت الطفل يتردد من بعيد)
صوت الطفل:  هل سيأتي الغد يا أمي؟
الأم (تبكي بصمت، تعانق قطعة القماش): سيأتي… لكنه لا يعرف الطريق بعد… علينا أن نرسمه بأنفسنا.
الراوي (خاتمة شعرية، صوته يختلط بصوت المطر والأنين):
أيها البشر… لا تنتظروا من التماسيح أن تتوب… ولا من القتلة أن يعيدوا ما سرق من الحلم… الأرض وإن بكت، دموعها ليست تماسيح… بل نداء صامت لأبنائها كي لا يموتوا وهم يبتسمون لقاتلهم.
(الموسيقى ترتفع، مزيج أصوات المطر والأنين، الضوء يخفت تدريجيًا حتى العتمة الكاملة، يبقى أثر الخريطة على الجدار يذوب خطوطه في الماء)
اللوحــة الخامسـة:
(الخشبة مظلمة جزئيًا، أصوات الريح والمطر تتصاعد ببطء، صوت انفجارات خافتة يتخللها دوي صفارات بعيدة. الخريطة على الجدار ممزقة، خطوطها الحمراء تغوص في الأرض كأنها دماء. الأم جالسة تحتضن قطعة القماش، الشاب الثائر واقف إلى جانبها، الوزير الأمريكي يجلس على الطاولة محاطًا بالشاشات، الإعلامي يحاول تصوير المشهد، والسياسي العربي يترنح بين الخشبة)
الراوي (صوت عميق، كأنه يخرج من باطن الأرض):
الآن، في هذا المشهد الأخير قبل النهاية، تبدأ الحقيقة بالظهور ببطء… كل شيء ينهار أمام أعينكم… الخرائط تتشقق، الدموع تتراكم، والصمت يصبح لغة الأجيال.
الشاب الثائر (يصرخ نحو الوزير الأمريكي، يلوح بالراية الممزقة):
لقد سئمنا من الخرائط التي تصنعونها… من الحدود التي تحددونها… نحن أرواح، نحن دماء، نحن تاريخ لم تكتبوه بعد.
الأم (تجلس على الأرض، تتحدث بصوت مبحوح):
لقد فقدنا كل شيء… أبناؤنا، بيوتنا، ضحكاتنا… حتى الأمل صار غريبًا بيننا… لكن قلبك يا ولدي، لا يزال ينبض… لا يزال يصر على المقاومة.
السياسي العربي (ينهض بصعوبة، صوته هادئ لكنه مرتعش):
لقد جربت كل شيء… التفاوض، التنازلات، التحالفات… كل شيء انتهى إلى الصفر… نحن مجرد رموز على لوحة أكبر… لوحة الدماء والخراب.
الوزير الأمريكي (ينظر إلى الخريطة الممزقة، يبتسم ابتسامة باردة):
كل شيء يسير كما خططنا… الخرائط قد تتشقق، والدماء قد تسيل، لكن النظام العالمي يظل… نحن نحافظ على العالم… بطريقة ما…
الشاب الثائر (بغضب): النظام؟ أنتم تقتلونه فينا كل يوم… تزرعون الخوف، وتستعبدون القلوب… لكننا لن نسكت بعد اليوم،
الإعلامي (يحاول التدخل، صوته متقطع): كل شيء يسجل، كل شيء يبث… العالم يشاهد، والدموع تباع… لكن… ربما… الحقيقة بدأت تنفلت…
الأم (تصرخ نحو الجميع، الدموع تغطي وجهها):
دموعنا ليست للبيع دموعنا ليست أرقامًا في تقرير! دموعنا صرخة… صرخة أجيال… صرخة الأرض نفسها،
الراوي (يقترب من مقدمة المسرح، صوته يعلو كعاصفة):
الآن فقط تدرك الشخصيات أن الخداع لا يمكن أن يستمر… أن الخرائط ليست وحدها من تحدد المصير… الإنسان، حتى وهو محطم، يظل قوة لا يستهان بها… حتى دمعة واحدة حقيقية، قادرة على قلب الموازين.
(المطر يزداد قوة، الضوء يصبح أحمر متقطعًا، الأصوات تتداخل: انفجارات، صراخ، بكاء. الوزير الأمريكي يحاول الإمساك بالقلم الأحمر ليكمل رسم الحدود، لكنه يفشل. السياسي العربي ينحني إلى الأرض، الشاب الثائر يرفع الراية، الأم تحمل قطعة القماش كرمز للحياة والمقاومة)
الوزير الأمريكي (مرتبك يحدق في الخريطة):
لماذا… لا يستطيع القلم أن يرسم؟ حتى الدم يعصي… حتى الخرائط… لقد فقدت السيطرة.
الشاب الثائر (يصرخ، صوته مليء بالقوة):
لأن الأرض مشبعة بالدم… لأنها تعرف… تعرف أن لا أحد له الحق في رسم مستقبلنا… نحن من نصنع التاريخ، لا الخرائط.
الأم (تفتح يديها نحو المطر):
السماء تبكي… أخيرًا… دموعها صادقة، لا كدموعكم المزيفة… لن نرضى بديكتاتور الخرائط بعد اليوم…
الراوي (يعلو صوته): ها هي التماسيح تسقط أقنعتها… ها هو الخداع ينهار… الأرض تبكي، السماء تبكي، والإنسان… أخيرًا… يرفع صوته.
الإعلامي (يسقط الكاميرا على الأرض): لقد انتهت اللعبة… لم أعد قادرًا على تسجيل الأكاذيب… لم يعد للبث أي معنى… الحقيقة هنا، حية، صامدة، لا تقتل.
السياسي العربي (يخفض رأسه): لقد رأيت… لقد فهمت… أننا كنا جزءًا من لوحة الدم… لكن ربما يمكننا أن نبدأ من جديد… حتى لو كان البدء صغيرًا… خطوة واحدة…
الراوي (نبرة شعرية قوية):
الأرض تتنفس، السماء تراقب، والإنسان يرفض أن يكون رقمًا على خريطة… دمعة واحدة، صرخة واحدة، كافية لتغيير كل شيء…
(الضوء يتحول إلى أبيض نقي، الأم والشاب واقفان معًا، يحملان قطعة القماش والراية، الخريطة على الجدار تتحلل تدريجيًا، خطوطها تذوب في الضوء. المطر يستمر، صوت الطفل يتردد من بعيد)
صوت الطفل: هل سنحيا غدًا؟
الأم (تبتسم، دموعها تلمع): سنحيا… لأننا رفضنا أن نموت بلا صوت، بلا أمل… لأننا الآن نرسم المستقبل بأيدينا.
الراوي (كخاتمة شعرية): أيها البشر… لا تنتظروا من القتلة أن يعيدوا الحلم… ولا من التماسيح أن تندم… الأرض وإن بكت، دموعها ليست تماسيح… بل نداء صامت لأبنائها… كي يعيشوا، كي يبتسموا، كي يقاوموا، كي يصنعوا الحرية…
(الموسيقى ترتفع، مزيج المطر والأنين، الضوء يخفت تدريجيًا حتى العتمة الكاملة، يبقى أثر الخريطة على الجدار يتلاشى في الضوء. الستار يسدل ببطء)
اللوحـة السادسـة:
(الخشبة مظلمة جزئيًا، صوت المطر يتساقط، أصوات الريح تتخللها صرخات بعيدة. الضوء الأبيض النقي يتسلل من أعلى المسرح، يسلط على الأم والشاب الثائر واقفين معًا، يحملان قطعة القماش والراية. الخريطة على الجدار تتلاشى تدريجيًا، خطوطها الحمراء تتدفق في الضوء كدماء تتطاير وتختفي. الوزير الأمريكي يجلس في الظل، الإعلامي متوقف، السياسي العربي واقفًا متأملًا)
الراوي (صوت كالموسيقى، شاعرية، من عمق الضمير الإنساني):
ها نحن نصل إلى اللحظة الأخيرة… حيث تختفي الأقنعة، وتنقشع الظلال، ويظهر الإنسان… كما هو… ضعيفًا… قويًا… محطمًا… صامدًا…
الأم (تنظر إلى الشاب، صوتها يرتجف بالدموع): لقد بكى العالم بما فيه الكفاية… لكن دموعنا، دموع القلب، ستظل تنبت الأمل… ستظل تنبت الأجيال…
الشاب الثائر (يرفع الراية عالية، صوته مليء بالعزم): لن نترك الخرائط تحدد حياتنا بعد اليوم… لن نسمح للدموع المزيفة أن تحل مكان دموعنا الحقيقية… لن نموت صامتين بعد الآن.
السياسي العربي (يخفض رأسه، ثم يرفع عينيه ببطء):
ربما فاتنا الكثير… ربما شاركنا في لعبة لم نفهم قواعدها… لكن ما زال بوسعنا أن نعيد كتابة التاريخ… حتى بخطوة واحدة، حتى بكلمة واحدة، حتى بدمعة صادقة…
الوزير الأمريكي (ينظر حوله، صوته منخفض، كما لو اكتشف شيئًا جديدًا): كل شيء… كل شيء ينهار أمام الإرادة الحقيقية… حتى الخرائط، حتى السيطرة، حتى الأكاذيب…
الإعلامي (يسقط الميكروفون): لقد تعبت الكاميرات… لقد انهارت الصورة… الحقيقة بدأت تتسرب…
الراوي(يقترب من مقدمة المسرح، صوته عميق، كأن الأرض نفسها تتحدث):
الآن… لا مزيد من التمثيل… لا مزيد من الدموع المباعة… الأرض ترفع صوتها… السماء تستمع… والإنسان… أخيرًا… يعرف قيمته…
(المطر يشتد، الضوء يصبح أزرق متدرج، الشاب الثائر والأم يجلسان وسط المسرح، يحملان الراية وقطعة القماش. أصوات انفجارات بعيدة تهدأ تدريجيًا، ليحل صوت الريح والمطر. صوت الطفل يردد السؤال مرة أخرى من بعيد.)
صوت الطفل: هل سنحيا غدًا يا أمي؟
الأم(تبتسم، دموعها تتلألأ):  نعم… سنحيا… لأننا رفضنا أن نكون أرقامًا على الخرائط، لأننا رفعنا صرخة الحرية، لأننا نعلم الآن أن الحياة تبدأ من المقاومة…
الشاب الثائر (يضع يده على كتف الأم، صوته حاد وواضح):
الحياة تبدأ حين ندرك أن الأرض ليست ملكًا لأحد، وأن السماء ليست لأقوى الجيوش… نحن من نكتبها، نحن من نحلم بها، نحن من نزرعها بالدموع الحقيقية…
الراوي (نبرة شعرية):
أيها البشر… لا تنتظروا من القتلة أن يعيدوا الحلم… ولا من التماسيح أن تندم… الأرض، وإن بكت، فهي دموع حقيقية… نداء صامت لأبنائها… كي يعيشوا… كي يبتسموا… كي يقاوموا… كي يصنعوا الحرية…
(المطر يخف تدريجيًا، الضوء يتحول إلى شعاع أبيض خافت على الأم والشاب، الخريطة على الجدار تتلاشى تمامًا، يبقى أثر الراية وقطعة القماش كرمز للأمل والصمود. أصوات الريح تتلاشى، ويحل الصمت العميق. الستار يسدل ببطء، بينما الموسيقى ترتفع تدريجيًا لتختتم المسرحية بإيقاع شعري مؤثر)                                                  (النهـايــة)

ملاحظــة: ((لايجوز إخراج هذا النص أو الإقتباس منه أو أعداده دون موافقة المؤلف))

الصفحة السابقة 1 2
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading