دفء في بلاد الثلج – ليلى المرّاني/قاصة عراقية

مشهدٌ ما زلت أذكره، يبعث في قلبي الفرح وشيئًا من المواساة، يخفّف شعور الغربة وصقيع البرد الذي يتغلغل بلؤمٍ في عظامي.
كنّا في زيارة لمدينة في السويد، تجوّلنا بدون هدف في تلك المدينة التي تتلفّع بالبرد والصقيع. نال منّا التعب والجوع، فلجأنا إلى مطعم نلتمس الدفء، جلسنا في الباحة الخارجية إذ كان المطعم مكتظّا، إلى جانبنا رجل سويدي مسنّ ينظر نحونا بين حين وآخر، ثم يغطّ في نومه… شابّة أفريقية ضخمة وصديقها يجلسان على مسافة أمتار منّا، تلتهم ( سندويچا ) كبيرًا، وصديقها يلفّ ذراعه حولها… ثمة شاب يعمل على الآيباد، وآخر وصديقته منهمكان، يوشوشان بحديث يبدو عاطفيّا من تلاقي رأسيهما. أحسسنا دفئاً رغم برودة الجو، حين انطلقت إحدى الصديقات تغنّي بصوتٍ خفيض أغنيةً عراقيةً قديمة ، حملنا الحنين قويّا، عميقًا إلى أرض النخيل والشمس والقمر… رافقتها أخرى.. وثالثة، وشاركنا جميعًا في الغناء
يا نبعة الريحان حنّي على الولهان حنٰي على الولهان “
جسمي نحل والروح ذابت وعظمي بان ذابت وعظمي بان
وعلا الصوت قليلًا وأصبح بوحًا مسموعًا، فتح المسنّ عينيه، أحنى رأسه باحترام وابتسم، نقر على الطاولة بأصابعه المرتجفة ، وعاد إلى نومه من جديد.
فجأةً ثارت الشابة الأفريقية وأخذت ترطن بالإنگليزية، معربةً عن استيائها، فقد نغّصنا عليها شهيّتها واستمتاعها بالأكل!
أصابنا الذهول والخرَس..
هتف الشاب الوسيم الذي كان يعمل على الآيباد، ” أرجوكم، استمرّوا… “
كان عراقيّا… وانطلق صوته عميقاً، قويّا كالشلاّل.
فوگ النخل فوگ فوگ يابه فوگ النخل فوگ “
مدري لمع خدّه يابه مدري الگمر فوگ
والله ما ريده باليني بلوه
رافقه الشاب الآخر، ثم صديقته الجميلة، ووجدنا أنفسنا بحماسٍ نشاركهم الغناء. صديقها الافريقيّ أصابه الحماس هو الآخر! أخذ يضحك بجذل ويصفّق، ثم دار دورتين حول صديقته الأفريقية، وأخذ يرقص منتشيًا. بغضبٍ شديد، حملت نفسها وطعامها وانسحبت، لاعنةً صديقها الذي خذلها، ضحكنا، وضحك هو…!
نهض العراقيّ الوسيم، وبكلّ نبل العراق وطيبته، تناول يد صديقتي، وقبّلها شاكراً..
غمرَنا شعورٌ بالدفء والانتماء…





